كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي

في يناير/كانون الثاني 1956 أحرز السودان استقلاله بإجماع فريد على إعلانه من داخل برلمان الحكم الذاتي في ديسمبر/كانون الأول 1955. مع ذلك بقي في نفوس أبنائه وبناته شيء من "استقلال ثان"، معلقاً بأمل أن يتحقق إجماع آخر على رفد عتقه السياسي ذاك بعتق اقتصادي يشمخ فوق ساقين من رخاء فارهٍ، وعدالة اجتماعية شاملة، ليس فقط في مستوى تركيبته الطبقية والفئوية، وإنما أيضاً في مستوى أقاليمه وجهاته وتكويناته القومية المختلفة.

تلك كانت خارطة الطريق الوحيدة المؤهلة لأن تجنِّبنا لعنة الممارسة الشكلانية للحرية، الخالية من أي محتوى، وأن تبلغ بنا غاية المرام من إعمار تنوُّع الوطن الموحَّد ديمقراطياً على كافة الأصعدة. غير أن مشروعاً أحول شديد الضلال والتضليل، ما لبث أن عصف بذلك الأمل الغالي، حين انطلق ينعب كطائر الشؤم فوق الرؤوس: "تحرير لا تعمير"!

بالنتيجة، ها هو شهر يناير السابع والخمسون يطلُّ، و"الوطن" قد أضحى "وطنين" يبيتان -أكثر من أي وقت مضى- على شفا جرف هار، سياسياً واقتصادياً، حيث الروح لدى كليهما ما تنفك تغرغر في الحلقوم من شدة ما يعانيان، يوماً عن يوم، ليس فقط من الاستشراء غير المسبوق لأمراض التخلف، كالفاقة والفساد وانعدام الأمن، بل ومن ارتباك الخيارات، مع قلة حيلة البصائر المنطمسة، بينما كلاهما يكاد لا يفيق رغم المكابرة من صدمة سيف الانفصال الذي انهلَّ بغتة في يوليو/تموز 2011، فشطرهما بضربة قاصمة إلى فسطاطين، بشراً وأرضاً وثروات! 

(1)

الانفصال لم يشف صدور قوم انفصاليين نافذين في الدولتين، ولم يوفر -حسب ما كانت البصائر المنطمسة تأمل- حلاً واحداً لأيٍّ من مشكلاتهما الاقتصادية السياسية أو الاجتماعية الثقافية

تزاحمت كل هذه الصور ولا بد -بوعي أو بدونه- في مداخل قمة البشيرـسلفاكير بالعاصمة الإثيوبية مطالع يناير/كانون الثاني 2013. فالانفصال لم يشف صدور قوم انفصاليين نافذين في الدولتين، ولم يوفر -حسب ما كانت البصائر المنطمسة تأمل- حلاً واحداً لأيٍّ من مشكلاتهما الاقتصادية السياسية، أو الاجتماعية الثقافية، بل مضى على العكس من ذلك يفاقم من تلك المشكلات، ويضيف إليها -كما الضغث على الإبالة- بُعداً إقليمياً ودولياً ما لبث أن تسرَّب إلى اللحم الحي، بعدما أشرفت كلتاهما على حافة الإفلاس الاقتصادي التام بسبب إرهاق ميزانيتيهما وإضعاف عملتيهما وارتفاع معدلات التضخم لديهما، خصوصاً عقب إقدام دولة الجنوب في يناير/كانون الثاني 2012 على إغلاق آبارها النفطية التي يبلغ إنتاجها يومياً 350 ألف برميل يجري تصديرها عبر خطوط الأنابيب والموانئ الشمالية.

وقد باتت الآن مشمولة بحدود الجنوب الدولية، بعد أن كانت تقع قبل الانفصال ضمن حدود إدارية داخلية، وتمثل 75% من ثروة كانت مملوكة بأكملها للسودان "الموحَّد"، فلم يعد نصيبه منها سوى رسوم خدمتها (!) مثلما أشرفت كلتاهما سياسياً وأمنياً على شفا حرب دولية هذه المرة، بدلاً من الحرب الأهلية السابقة التي لطالما وصفت بأنها أطول حرب أهلية في أفريقيا، قبل أن تطفئها اتفاقية السلام الشامل يوم 9 يناير/كانون الثاني 2005!

(2)

وفي 27 سبتمبر/أيلول 2012 وبرعاية الاتحاد الأفريقي ومندوبه لهذه المهمة رئيس جنوب أفريقيا الأسبق ثابو مبيكي، وتحت ضغط عائدات النفط المفقودة من جهة، وتهديدات قرار مجلس الأمن رقم2046 من جهة أخرى، أبرمت الخرطوم وجوبا اتفاق تعاون بأديس أبابا، تعهَّدتا فيه بحلحلة خلافاتهما العالقة، وعلى رأسها سحب قواتهما عشرة كيلومترات من كلا جانبي الحدود المتنازع عليها، وإقامة منطقة منزوعة السلاح كحزام عازل بينهما، تمهيداً لاستئناف تصدير نفط الجنوب عبر الشمال.

لكن المسألة الأخيرة بالذات، شكلت عقبة كأداء أمام تنفيذ الاتفاق، حيث تضمنت تلقائياً ضرورة نزع سلاح الجبهة الثورية، وبالأخص الحركة الشعبية-قطاع الشمال التي تحتل قرابة نصف المنطقة المشار إليها، فإذا بالخرطوم تتشبث بشرط أن تقوم جوبا أولاً "بنزع سلاح هؤلاء المتمردين وفك ارتباطها معهم"، في حين ظل موقف جوبا الثابت هو أنها لا شأن لها بتلك القضية التي تخص الخرطوم وحدها، لكون من يقاتلونها هم مواطنوها هي، ومن ثم فهي الوحيدة المسؤولة عن "نزع سلاحهم"! علماً بأن قرار مجلس الأمن المشار إليه يقضي أيضاً بتفاوض الخرطوم مع نفس أولئك "المتمردين"، غير أنها ظلت ترفض ذلك!

بالنتيجة لم يتم تنفيذ شيء مما اتفق عليه، فلا القوات انسحبت عشرة كيلومترات من جانبي الحدود، ولا المنطقة منزوعة السلاح أنشئت هناك كحزام عازل، فبقي الحال على ما هو عليه، مؤجلاً إلى حين انعقاد قمة البشيرـسلفاكير في العاصمة الإثيوبية هذا الشهر لتسوية ما لم يستطع مفاوضو الدولتين تسويته.

(3)

إذا علمنا أن الوساطة الأفريقية سبق أن وضعت مصفوفة لاستفتاء أبيي قَبِلتها جوبا ورفضتها الخرطوم، لأدركنا أن المصفوفة المنتظرة لحل مشاكل الدولتين يمكن أن تكون هي الأخرى محل خلاف!

غير أن القمة خلصت وسط دهشة المراقبين، وبعد يومين كاملين من المباحثات، إلى محض تحصيل حاصل! فرغم "البيان الختامي" الذي أصدره عنها الاتحاد الأفريقي، والذي أعلن فيه تعهُّد الرئيسين بتنفيذ جميع اتفاقيات سبتمبر/أيلول 2012 (رويترز: 6/1/2013)، فإن تلك القمة لم تتمخض في الحقيقة إلا عن تكرار اتفاق الطرفين على عين ما سبق لهما الاتفاق عليه، وهو انسحاب الجيشين، وإقامة منطقة منزوعة السلاح على الحدود، تمهيداً لاستئناف صادرات النفط الجنوبية عبر الشمال، دون تحديد آلية بعينها لتنفيذ تلك الخطة، أو أي مدى زمني لها، بل عُهد إلى الوساطة الأفريقية بوضع مصفوفة يُفترض أن تكون قد عرضت على الطرفين في نهاية الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، وفق ما تم الاتفاق عليه، وحسب تصريح  ثابو مبيكي لدى انفضاض تلك القمة (المصدر نفسه)، مما يعني أنها أحالت في الحقيقة مهمة وضع مصفوفة التنفيذ المنوطة بها هي إلى الوساطة الأفريقية، بانتظار أن تقوم الوساطة بطرح المصفوفة المشار إليها لأخذ موافقة الطرفين عليها في مباحثات لاحقة!

فإذا علمنا أن الوساطة الأفريقية نفسها قد سبق أن وضعت مصفوفة لاستفتاء أبيي قَبِلتها جوبا ورفضتها الخرطوم، لأدركنا أن المصفوفة المنتظرة نفسها يمكن أن تكون هي الأخرى محل خلاف! لذا فمن المشكوك فيه أن يحقق هذا الترتيب أي فلاح، وبالتالي يصحُّ الحكم على القمة نفسها بالفشل، وعلى بيان الاتحاد الأفريقي بالهروب إلى الأمام لتغطية ذلك الفشل (محجوب م. صالح، الجريدة: 7/1/2013).

مع ذلك كله لم يتردد مجلس الأمن الدولي -للغرابة- في سوق الثناء على "مخرجات" قمة البشيرـسلفاكير (شبكة الشروق + وكالات: 9/1/2013)، دون أن يحدد ماهية تلك "المخرجات" التي يزجي ثناءه عليها!

(4)

على أية حال، إن كان ثمة ما يمكن اعتباره "جديداً" في تلك القمة، فهو إبلاغها على "لسان" سلفاكير بأن جوبا "قطعت علاقاتها مع الحركة الشعبية- قطاع الشمال" (رويترز: 6/1/2013). لكن، ما إن التأم في العاصمة الإثيوبية يوم 13 يناير/كانون الثاني الجاري شملُ المباحثات المُجَدْوَلة تالياً بين مسؤولي أمن البلدين، حتى اتضح أن ذلك الإبلاغ الشفوي لم يكن كافياً بالنسبة للخرطوم، وإنما احتاج الأمر إلى مكتوب رسمي من سلفاكير سلمه وزير دفاعه إلى الوساطة الأفريقية، متضمناً -على نحو أو آخر- نفس فحوى إبلاغه الشفوي السابق (الانتباهة: 16/1/2013)، ويُنتظر أن يكون ذلك المكتوب قد أدرج ضمن أجندة مباحثات الطرفين الجارية حاليا على محور الترتيبات السياسية والأمنية!

والآن، ورغم ستار الصمت المضروب على تلك المباحثات بأديس أبابا، فإنه يمكن استقراء بعض جوانبها على طريقة "الجواب من عنوانه"، كما في بعض أمثال مستعربي السودان.

لقد أعلنت دولة الجنوب مثلاً وبعد ما لا يزيد على اليومين من بدء هذه الجولة، سحب مرشحيها الذين سبق أن سمتهم -بموافقة الطرف الآخر- لإدارية أبيي، وذلك بسبب الخلاف الذي وقع حول نِسَب الطرفين في  تشريعي المنطقة المتنازع عليها أصلاً، وما لبث رئيس اللجنة المختصة بهذا الملف على الجانب الجنوبي د. لوكا بيونق أن صرح بأن الطرفين وصلا إلى طريق مسدود في أمر الإدارية، ما لم تُحسم نسب التشريعي (الأيام: 16/1/2013).

وهذه بالتأكيد عقبة جديدة تنضاف إلى العقبات التي ما تنفك تتراكم، بل وستواصل التراكم على طريق مفاوضات الطرفين، سواء في مستوى قاعدتيهما أو في مستوى قمتيهما، طالما ظلت هذه المفاوضات تجري بمعزل عن بقية القوى السياسية والمجتمعية في البلدين. 

كما بث تلفزيون الجنوب بيانا لوفد من مجلس الشيوخ الأميركي زار جوبا الأسبوع الماضي، دعا سلفاكير إلى الشروع فوراً في نقل بترول الجنوب بالشاحنات عبر إثيوبيا إلى الأسواق العالمية، حتى لا يصبح لرفض الخرطوم أي معنى، حيث أعلن الوفد استعداد واشنطن لدعم هذه الخطة التي سبق لوزير النفط الجنوبي أن لوَّح بها في مايو/أيار الماضي (المصدر نفسه). وما من شك في أن خطوة كهذه لو اتخذت بالفعل، لقلبت موازين النزاع رأساً على عقب، بل ولربما دفعت بالطرفين مباشرة إلى أتون المحرقة!

(5)

لقاءات القمة بين البشير وسلفاكير عندما ترد في سياق الفشل المستمر في وصول الطرفين إلى منصة توافق ما ولو بالحد الأدنى، فإنها لا تفيد في حقيقتها أكثر مما يفيد تعبير العسكر: محلك سِرْ!

مؤخراً صرح المستشار الصحفي لرئيس جمهورية السودان بأن قمة أخرى للرئيسين ستنعقد في أديس أبابا يوم 24 يناير/كانون الثاني الجاري، كما أبدى رئيس دولة الجنوب استعداده الدائم للقاء البشير (رويترز: 16/1/2013).. طيِّب.. ولكن حتَّام؟!

إن مثل هذه الخطوات عندما ترد في سياق الفشل المستمر في وصول الطرفين إلى منصة توافق ما ولو بالحد الأدنى، فإنها لا تفيد في حقيقتها أكثر مما يفيد تعبير العسكر "محلك سِرْ"! إنها محض مراكمة كمية لا تنقل الأحداث إلى أي تغيير كيفي إيجابي. وحتى إن حدث وأصاب أيٌّ منها هنا أو هناك، ما يمكن اعتباره ضرباً من النجاح، فإنه لن يكون في منظور نهج اللت والعجن المتبع بعيداً عن مشاركة قوى سياسية ومجتمعية أساسية في "البلدين"، غير نجاح مؤقت ليس ثمة ما يضمن استدامته، أو يعصمه من الانتكاس!

فقر الحيلة، وانطماس البصيرة، مع الانفراد بالسلطة، والتشبث بعدم إشراك الآخرين في علاج الأدواء الوطنية، هي أهمُّ العوامل التي تقضي -للأسف- بتأبيد علاقات "السودانَين" في مسار دائري عبثي، بل مأساوي.. قولاً واحداً! لذا، عندما نطل الآن من شرفة يناير على مشهد الوطن الذي كان إلى عهد قريب واحداً موحداً، رغم أزمة تنوُّعه التاريخي والمعاصر، فإننا لا نلفي سوى فيلين هزيلين يصطرعان بلا توقف، تحت إشراف ضوارٍ أجنبية، وفوق شعب من شعوب مهمشة، هي في حقيقة الأمر أول الخاسرين!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك