عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.

أولاً: استهداف الدولة والمجتمع
ثانياً: العوامل المؤسسة للعنف
ثالثاً: فضاء اجتماعي متنوّع

ترى من يدفع باكستان إلى أتون الاقتتال الأهلي؟ من يسعى لنسف استقرار هذه الدولة النووية؟ ومن يكسب من هذا الدمار الذي اتسع نطاقاً؟

أولاً: استهداف الدولة والمجتمع
التاسع من يناير/كانون الثاني 2013 كان يوماً أسودا جديداً في أيام باكستان السود، التي تكاثرت وتعاظمت ضحاياها.

في ذلك اليوم، أسفرت سلسلة هجمات عن مقتل 125 شخصاً، في حصيلة اعتبرت الأفدح منذ العام 2007. وقد وقعت اثنتان من هذه الهجمات في إقليم بلوشستان، الواقع في جنوب غرب البلاد.

ومنذ ما يزيد على عقد من الزمن، بدا العنف العرقي والطائفي في هذا الإقليم وقد خرج عن نطاق السيطرة. وأسفر الاستهداف الممنهج الذي تتعرض له أقلية الهزارا عن قتل وتشريد أعداد كبيرة من أبنائها. وتالياً، دفع هذا الوضع عوائل وأسرا بأكملها إلى ترك الإقليم، واللجوء إلى إقليم السند على وجه الخصوص. كما غادر بعض منها باكستان متجهاً إلى دول الغرب.

إذا كان الاستهداف العرقي يُمثل سمة خاصة نوعاً ما بالحالة السائدة في بلوشستان، فإن العنف الطائفي يمتد على رقعة واسعة من البلاد، تشمل البنجاب والسند والإقليم الشمالي الغربي

وفي العام 2010، أبلغت الحكومة المركزية في إسلام آباد مجلس الشيوخ الباكستاني أن 100 ألف شخص قد فروا من بلوشستان، نتيجة العنف الذي يتعرض كل من الهزارا والبنجابيين.

ووفقاً لبيانات معهد إدارة الصراعات في نيودلهي، فإن 711 شخصا، من بينهم عناصر من قوات الأمن، قتلوا في بلوشستان عام 2011، كما قتل 347 شخصاً في العام 2010.

وإذا كان الاستهداف العرقي يُمثل سمة خاصة نوعاً ما بالحالة السائدة في بلوشستان، فإن العنف الطائفي يمتد على رقعة واسعة من البلاد، تشمل على وجه الخصوص البنجاب والسند والإقليم الشمالي الغربي، إضافة لبلوشستان ذاتها.

ويُمثل جيش جنجوي، الذي أعلن مسؤوليته عن مذبحة بلوشستان الأخيرة، الوجه الأكثر سفوراً للقوى الطائفية في باكستان، وعموم هذه المنطقة.  

ووفقاً للإحصاءات الباكستانية الرسمية، فقد تورط هذا الجيش في 350 عملية اغتيال طائفي بين عامي 1996 و2001. وكان هذا التنظيم يدرب عناصره في معسكرات أقيمت في أفغانستان إبان حكم طالبان الأفغانية.

وإضافة لجيش جنجوي، القديم العهد بالعنف الطائفي، برزت في السنوات الأخيرة حركة طالبان الباكستانية باعتبارها صاحبة الحضور الأوسع في مشهد "الاشتباك" الباكستاني، الذي استهدف الدولة ومؤسساتها ورموزها، وتورط بالقدر ذاته في حملة اعتداءات طائفية.

وكان قد أعلن عن تشكيل حركة طالبان الباكستانية يوم 14 ديسمبر/كانون الأول 2007. وحظرتها إسلام آباد رسمياً في الخامس والعشرين من أغسطس/آب 2008.

وقد تمكنت هذه الحركة من بناء تحالفات مع فصائل راديكالية خارج مناطق البشتون، الأمر الذي سمح لها بتوسيع رقعة عملياتها، خاصة في إقليم البنجاب.

وعلى الرغم من اتساع دائرة عملياتها، لا يزال بالمقدور النظر إلى حركة طالبان الباكستانية باعتبارها حركة مناطقية، تتركز في وزيرستان، وبدرجة أقل في وادي سوات. ولا يكاد حضورها يذكر في الأقاليم الرئيسية الأخرى.

ثانياً: العوامل المؤسسة للعنف
وتعد باكستان دولة رئيسية في هذا الجزء الحساس من العالم، وهي صاحبة ثاني أكبر كتلة ديمغرافية في العالم الإسلامي، بعد إندونيسيا ذات الـ249 مليون نسمة.

وحسب مؤشرات منتصف العام 2012، يبلغ عدد سكان باكستان 190.2 مليون نسمة. وهي تقع بذلك في المرتبة السادسة عالمياً، بعد البرازيل (203.4 ملايين)، وقبل نيجيريا (170.1 مليون). وتعتبر باكستان من أكثر شعوب العالم فتوة، إذ إن أكثر من 34% من سكانها دون الخامسة عشر من العمر. 

ويشكل المسلمون 95% من سكان باكستان. ويُمثل المسيحيون والهندوس غالبية النسبة المتبقية. وعلى صعيد التوزيع المذهبي، تشير تقديرات العام 2012 إلى أن 75% من سكان البلاد هم من المسلمين السنة، و20% من المسلمين الشيعية.

ويتوزع شيعة باكستان، بصفة أساسية، على مدن وبلدات إقليم البنجاب، والمناطق الداخلية لإقليم السند، والبلدات الباكستانية الشمالية المتاخمة للصين. وهم يمثلون ثاني أكبر وجود شيعي في العالم الإسلامي.

وهن التنمية وغياب الفرص يُمثلان خير أرضية لنمو الأفكار المتطرفة بشتى صوّرها، بما في ذلك الكفر بالدولة والمجتمع، والجنوح للعنف كسبيل للتخاطب مع الآخر

وعلى صعيد المقاربة الخاصة بالوضع الأمني في باكستان، يُمكن النظر إلى حملة الاستهدافات الطائفية باعتبارها جزءاً من أزمة أكثر شمولاً، تتصل بمنطق العنف وجذوره وبيئته الحاضنة.

وفي ذلك، يُمكن القول إن أزمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية قد مثلت جذوراً أولى لهذا العنف، إذ لم يتحقق وعد التنمية حتى اليوم. ولا تزال البلاد تفتقر على نطاق واسع إلى برامج المساعدات الاجتماعية، وإلى شبكة موثوقة للأمان الاجتماعي. وهناك أكثر من خُمُس السكان مصنفون رسمياً تحت خط الفقر.

ويستحوذ القطاع الزراعي على حوالي 45% من القوة العاملة الباكستانية، البالغ تعدادها 58.6 مليون نسمة. بيد أن الزراعة لا تشكل سوى نحو 21.6% من الناتج القومي الإجمالي للبلاد، الذي بلغ 4884 مليار دولار عام 2011.  

ويبلغ معدل دخل الفرد السنوي في باكستان 2800 دولار، وفقاً لمؤشرات العام 2011. وتقع باكستان في المرتبة 175 عالمياً على هذا الصعيد، بعد الضفة الغربية (2900 دولار) وقبل السودان ( 2700  دولار).

وهذا مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه الأرقام قد لا تعني الكثير في ظل التفاوت الواسع في مستويات الدخل، إذ لا توجد دخول ثابتة لكثير من السكان، لا سيما في المناطق الريفية. كما تعيش نسبة كبيرة منهم بدخول متدنية، أو هي واقعة بالفعل تحت خط الفقر.

وهناك نسبة تضخم في البلاد تبلغ 11.9%. كما ترزح الدولة تحت وطأة دين عام تصل نسبته إلى 60.1% من الناتج القومي الإجمالي، حسب مؤشرات العام 2011.

وتعاني باكستان من عجز في ميزانها التجاري، انعكس سلباً على فرص التنمية الوطنية فيها. وفي العام 2011، صدرت سلعاً وخدمات بما قيمته 26.3 مليار دولار، في حين بلغ إجمالي وارداتها 38.9 مليار دولار.

ويشكل النفط الخام إحدى الفواتير الصعبة في واردات الدولة الباكستانية، مع استيراد ما يُقدر بأكثر من ثلاثمائة ألف برميل يومياً.

وما يُمكن قوله خلاصة، في سياق هذا التفصيل، هو أن وهن التنمية وغياب الفرص يُمثلان خير أرضية لنمو الأفكار المتطرفة بشتى صوّرها، بما في ذلك الكفر بالدولة والمجتمع، والجنوح للعنف كسبيل للتخاطب مع الآخر.

وفي هذه الحالة، فإن العنف لا يُمثل خياراً أيديولوجياً، بل جنوحاً مسلكياً، يزداد تأصلاً كلما ازداد الشعور بالإحباط.

عند هذه النقطة تماماً يبدو من السهل كسب الناس إلى تيارات العنف، من خلال خطاب أيديولوجي يدغدغ في ظاهره الشعور العرقي أو الديني، لكنه يخاطب في الجوهر الأنا المحبطة.

وتالياً، يبرز هذا الخطاب كرداء تتدثر به تيارات العنف. إلا أن العنف ذاته لا صلة له بهذا الرداء. هذا هو تحديداً ما حدث في مناطق مختلفة من آسيا وأفريقيا وأميركيا اللاتينية. وهذا ما يحدث اليوم في باكستان.

ثالثاً: فضاء اجتماعي متنوّع 
إن باكستان لا تعيش عنفاً عرقياً كالذي حدث بالأمس القريب في يوغسلافيا، كما لا تشهد صراعاً طائفياً كذلك الذي جرى في أوروبا ما قبل وستفاليا. ولا تسود هذه البلاد، في الوقت ذاته، نزعات انفصالية ذات تيار شعبي عريض، كما هو حال الباسك مثلاً.

وعلى الرغم من ذلك، ثمة عنف أعمى يسود باكستان، عنف استثمر قادته وهن التنمية أو غيابها، وارتقوا صهوة الشعور بالإحباط، ليطرحوا من الشعارات ما يضربوا به الدولة، ويقسموا المجتمع، ويؤسسوا لاقتتال أهلي. وغير بعيد عن ذلك، يُمكن النظر إلى العنف الطائفي الدائر في باكستان، فهو عنف يمارس في بيئة لا ميول طائفية لديها.

إن هذا العنف تمارسه مجموعات معزولة، إذ ليس بين الباكستانيين من يؤمن بما تقول وتدعي. وهي تنفذ عملياً، من حيث تشعر أو لا تشعر، مخططا خارجيا لضرب السلم الأهلي في الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.

أي مشروع مصالحة مع المجموعات المتورطة في العنف الطائفي، يجب أن يبدأ لا بإلقاء هذه المجموعات سلاحها فقط، بل أيضاً بدخولها في مراجعة شاملة للمقولات والأفكار التي تتبناها

إن زعماء هذه المجموعات يعلنون صراحة، ودونما مواربة، أنهم يستهدفون طائفة معينة، ويسعون لضرب وجودها ودورها الوطني.

لقد قامت هذه المجموعات، على خلفيات طائفية صريحة، باغتيال بعض من كبار علماء الدين، والعديد من القيادات البارزة في الدولة والجيش ومجتمع الأعمال. وبالطبع، لا يكفي توصيف واقع الحال. فالدولة الباكستانية مطالبة بتوفير الحماية لكافة مواطنيها، وعليها إنزال الجيش الوطني لحماية الأحياء والمناطق المهددة بالعنف الطائفي.

كذلك، فإن أي مشروع مصالحة مع المجموعات المتورطة في العنف الطائفي، بما في ذلك حركة طالبان الباكستانية، يجب أن يبدأ لا بإلقاء هذه المجموعات سلاحها فقط، بل أيضاً بدخولها في مراجعة شاملة للمقولات والأفكار التي تتبناها، وخاصة لجهة تكفير الدولة والمجتمع.

كذلك، فإن أحداً لا يُمكنه القبول باستمرار الخطاب العرقي أو الطائفي لهذه المجموعات، حتى بافتراض إلقائها السلاح، ووقفها مسيرة العنف. وعلى الجميع، في الداخل والخارج، أن يُدرك أن باكستان المهابة لم تصنعها منطقة معينة، ولم تبنها مجموعة ثقافية أو عرقية محددة، بل صنعها الباكستانيون جميعاً. وذلك هو مجدهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك