اللهم امنحنا الصبر على احتمال ما لا يمكننا تغييره، والشجاعة لإصلاح ما يمكننا إصلاحه، والحكمة التي تجعلنا نميز بين الصالح والطالح.

لكل أمة من الأمم مثال راسخ في ذاكرتها تختلط فيه الحقيقة بالخيال والواقع بالأسطورة، فيصبح أثره عليها أكبر من سطوة القوات العسكرية، ومن تشريعات الأغلبيات البرلمانية، وأثبت من رغبة جيل ونخبة، وأقوى من الزعازع والزلازل.

وما يبلور هذا المثال في وجدان الأمم هو الأحداث العظام في تاريخها، والتي تحيك منها الأمم القيمة التي تجمعها، والفخر الذى يمنحها الثقة بنفسها، واللبنة التي تبنى منها مستقبلها.

لكل أمة من الأمم مثال راسخ في ذاكرتها تختلط فيه الحقيقة بالخيال والواقع بالأسطورة، فيصبح أثره عليها أكبر من سطوة القوات العسكرية، ومن تشريعات الأغلبيات البرلمانية

وفي اعتقادي أن مثالا جماعيا قد رسخ في السودان بفعل الثورة المهدية التي كانت تعبيرا تلقائيا حقيقيا عن رؤيتنا لمفاهيم الحرية والإخاء والمساواة والحياة الجماعية، اختلفنا مع تفاصيل فكرها أو اتفقنا، وأحسب أننا سنظل أسرى لها، وستظل حاضرة في كل مفاصل حياتنا السياسية والاجتماعية  إلى أن تمسحها أحداث عظام أخرى بمثل قوتها.

والسودان -هذا الاسم الذي أصبحنا نردده بفخر مرة وبمرارة تارة وبلا مبالاة طورا آخر- كان يطلقه سكان شمال أفريقيا على شعوب المنطقة الأفريقية جنوب الصحراء التي تحاذيهم جنوبا، ثم تحول هذا الاسم إلى السودان الفرنسي (دولة مالي الحالية) بعد الاستعمار الفرنسي، ولعله من العجب أن هذا الإقليم لا يشمل أي منطقة من مكونات السودان الحالية.

وفي الواقع لم يحدث قط أن أطلق اسم السودان على أي منطقة من تراب السودان الحالي قبل الغزو الذي نطلق عليه اسم الغزو التركي حينا والمصري أخرى لمنطقة الممالك النوبية القديمة في عام 1821. حيث أطلقه الغزاة المصريون -أو سمهم الأتراك- على منطقة سلطنة الفونج التي أسقطوها وإقليم كردفان، وظلت مملكة دارفور تحافظ على استقلالها حتى سقوطها على يد الزبير باشا رحمة في 1874 قبيل اندلاع الثورة المهدية.

ورغم أننا كدنا ننسى الآن من أين جئنا، فإن ما نتحدث عنه الآن -كقومية سودانية واحدة- هو في الواقع اتحاد شعبين كانا ينتميان إلى دولتين مستقلتين في أفريقيا جنوب الصحراء، هما سلطنة الفونج ومملكة دارفور اللتان ما كان يربط بينهما غير الجوار المتوتر، ولم تكن وحدتهما طبيعية ولا منطقية، ولكن تراث المهدية ألف بينهما.

وأصبح اسم السودان في الدولة المهدية يشمل كل الأراضي الممتدة من البحر الأحمر وإثيوبيا حتى حدود الممالك الإسلامية في غرب أفريقيا، بعد أن كان يطلق اسم السودان حصرا على مناطق وسط وشمال السودان منذ الغزو التركي في عام 1821.

إذن، فمنطقة شمال السودان الحالية -التي تمثل الكتلة العظمى في الدولة السودانية الحديثة قبل الانفصال، وأصبحت تمثل كل الأراضي السودانية بعده- هي دولة تأسست على مشروع إسلامي إصلاحي سوداني وتوحدت عليه. وإذا كان البعض يرى أن بمقدوره أن يفضّ الوحدة الحالية ليقيمها على أسس جديدة، فليحاول ولكن عليه ألا يزوّر التاريخ.

ولأن الثورة المهدية كانت تعبيرا حقيقيا عن ثقافة أهل السودان، فقد استطاعت -في فترة ثلاثة أعوام- أن تحرر البلاد من المستعمر، كما استطاعت خلال ثلاثة عشر عاما أن تحقق الوحدة الحالية بين غرب ووسط السودان (أو ما تبقى منها)، والتي ظلت متماسكة لأكثر من قرن، وأن تمكن جبهة الإمام عبد الرحمن المهدي من تحقيق استقلال السودان في 1956 من المستعمر الإنجليزي والإدارة المصرية عبر البرلمان، رغم ضعف كتلتها البرلمانية فيه، كما لا تزال عاصمتها أم درمان رائدة الفكر والأدب والثقافة والفن والرياضة في السودان.

وبما أن السودان لم ينل استقلاله عبر ثورة كالثورة المهدية، فلا غرو إذن أن تصبح المهدية أول ما يقفز إلى ذاكرة كل من يفكر في العمل العام في السودان، وأن يمتد نفوذ الثورة المهدية لا شعوريا على الحركات السياسية والفكر السياسي والمؤسسة العسكرية في شمال السودان، فتتبنى أحزابه الكبرى وحكوماته العسكرية الفكر الإسلامي -خلافا للأحزاب في معظم الدول العربية ولإسلامية الأخرى، التي هي أعمق جذورا في الحضارة الإسلامية، وأطول باعا في فنون السياسة والحكم الإسلامية- وأن يشترك جميع قادتها السياسيين في الجمع بين القيادة السياسية والدينية في آن معا. كما أنها ظلت أول ما يقفز إلى الذاكرة حينما يُربط اسم السودان بالإسلام أو الكفاح من أجل الحرية.

ولكن شاء التاريخ أن يصبح مثال المهدية -على النهج الذي حكمت به المهدية دولة السودان الجديدة في القرن التاسع عشر- غير كاف لإدارة الدولة السودانية عقب الاستقلال، لأسباب عديدة.

فمن حيث الكم، واجهت دولة السودان الحديثة مشكلتين في الشمال والجنوب، ففي الشمال لم تكن الدعوة المهدية هي الغالبة في شمال وشرق وبعض مناطق وسط السودان، حيث كانت تنافسها على هذه المناطق بعض الطرق الصوفية المتجذرة في المجتمع، كالطريقة الختمية التي قاومت الدعوة المهدية، واضطر قادتها إلى الهجرة إلى مصر ثمّ العودة مع إعادة فتح السودان.

وهذا ما أدى إلى الاستقطاب الشديد أثناء فترة تقرير مصير السودان. وبضم الجنوب إلى دولة السودان عقب الاستقلال، أصبحت كتلة كبيرة من سكانه من غير المسلمين، وأصبح على الساسة السودانيين أن يجيدوا اللعب بالبيضة والحجر، ليوفقوا بين حقوق الجنوب وبنية المجتمع الشمالي.

ومن حيث الكيف، تنامت القيم الإنسانية الجديدة في القرن العشرين في السودان -كقيم تحريم الرق والحرية الفكرية والتسامح وحقوق المواطنة، والنظريات الفكرية والسياسية والتنظيمية الحديثة- لدى الطليعة المستنيرة خلال فترة الاستعمار عبر المؤسسات التعليمية الغربية، مما جعل هذه الطليعة -التي نطلق عليها في السودان اسم الخريجين- تصبوا إلى إقامة دولة سودانية حديثة على نهج الدول العصرية.

أصبح على الساسة والمفكرين الجدد أقلمة تراث الدولة المهدية الذي يمثل روح الشعور القومي والوحدة في الشمال مع السودان الذي احتوى الجنوب، وتطوير فكر المهدية ليستوعب القيم الإنسانية الحديثة

وأصبح على الساسة والمفكرين الجدد أقلمة تراث الدولة المهدية الذي يمثل روح الشعور القومي والوحدة في الشمال مع السودان الذي احتوى الجنوب، وتطوير فكر المهدية ليستوعب القيم الإنسانية الحديثة. 

وسواء كانت الأحزاب السياسية -التي ورثت دولة المهدية بعد الاستقلال- تعمل بعقلها الواعي أو الباطني، فلقد اتجهت إلى الحفاظ على تراث المهدية باعتباره جوهر الوحدة في الشمال، بتحويله إلى نمط من الحكم الدستوري المرتبط بالإسلام، يُحفظ فيه تراث المهدية، وتـُستوعب فيه القيم الإنسانية الجديدة.

وعمدت في الأعوام ما بين 1957 و1969 لطرح ونقاش وصياغة مسودة مشروع دستور إسلامي في الشمال، أوشك أن يرى النور لولا أن أسقطه انقلاب الرئيس جعفر نميري عام 1969، قبل أن ينصب نفسه بدوره إماماً للمسلمين، ويتبنى نهجاً إسلاميا متشدداً فجع أهل السودان.

والملاحظ في مشروع دستور 1968 الإسلامي أنه لم تعترض على مبدئه أي قوة سياسية شمالية. وعلى سبيل المثال، كانت أحزاب الأمة والاتحادي وجبهة الميثاق تمثل رأس قاطرة الدستور الإسلامي، كما لم يعترض على مبدئه الحزب الشيوعي والحزب الجمهوري وإن اعترضا على النسخة التي تم اعتمادها، حيث ذكر طيب الذكر الأستاذ الشهيد عبد الخالق محجوب -عليه الرحمة- أنه سيؤيد فكرة الدستور الإسلامي إذا سارت على هدي الثورة المهدية، ولم تكن غطاءً دينيا لحكم الطوائف. وأجاب طيب الذكر الأستاذ الشهيد محمود محمد طه زعيم الحزب الجمهوري على فكرة الدستور الإسلامي بنعم ولا.

"نعم" إذا احتوى الدستور الإسلامي على أكبر قدر من الحريات الفردية، لإثراء التجربة الإسلامية الوطنية بالقيم الإنسانية الحديثة التي انتظمت العالم في العهد الحديث، كقيم حقوق الإنسان. و"لا" إذا أوقع الدستور الإسلامي البلاد في أيدي الجماعات الإسلامية المتطرفة وكان قائما على القهر.

والاستنتاج المنطقي هنا هو أنّ الأحزاب الشمالية مجتمعة لم تكن ترى في النظام الدستوري المرتبط بالإسلام أمرا يتعارض مع حقوق وذاتية ومصالح المجموعات السكانية المكونة لدولة السودان الحالية، وإن اختلف الوضع بالنسبة لجنوب السودان الذي أصبح الآن دولة مستقلة، بل إنها كانت مدركة أن الشعار الإسلامي في السودان يتجاوز التعبير عن عقيدة دينية لفئة من مواطنيه إلى رباط وطني وعهد قومي قام بنيان أهل السودان عليه.

وبذلك وبعد طول نظر، لم أفهم معنى عبارة "إقرار دستور وقوانين قائمة على فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدين في السياسية"، التي وردت في مشروع ميثاق الجبهة الثورية باسم "ميثاق الفجر الجديد"، الذي دعت كافة أطراف المعارضة لتبنيه.

فإذا كان المعني بها عدم وجود سلطة فوق سلطة البرلمان، فلم يحدث قط في تاريخ السودان -منذ الاستقلال- أن قامت سلطة دينية فوق سلطة البرلمان على نهج ولاية الفقيه. وإذا كان المعني بها ألا تتحول المنظمات الدينية إلى حركات سياسية، فهذا أيضا لم يحدث لأن المنظمات الدينية الرئيسة في السودان -كطائفة الأنصار، وطائفة الختمية، والحركة الإسلامية- لم يحدث قط أن شاركت في العمل السياسي بصفتها الدينية، بل إن هنالك أحزابا سياسية باسم الأمة، والاتحادي، والمؤتمر الشعبي، والمؤتمر الوطني، وهي أحزاب مدنية تفتح عضويتها حتى لغير المسلمين. ولا أحسب أن الإخوة الذين وضعوا هذا النص يعنون أن تحل كل الأحزاب التي تتبنى البرامج الإسلامية، والتي حازت على أكثر من 90% من الدوائر في آخر انتخابات حرة.

وبذلك نأمل أن يتوخى إخوتنا في المعارضة الحذر في استخدام عبارة "فصل الدين عن السياسة"، لأنه يجب التمييز بين الانتماء الإسلامي في الشمال الذي يمثل تربية وقيم وفخر ووحدة الأفراد في السودان، والسياسات الحكومية المنسوبة إلى الإسلام والتي قد تميز بين المواطنين بسبب انتمائهم الديني.

فالانتماء الديني واقع تقوم عليه وحدة السودان الحالية الهشة، ولا يمكن تبديله عبر القرارات السياسية، كما أنه لا يتعارض بالضرورة مع مصالح مجموعاته السكانية.

والسياسات التي تتبناها الحكومة الحالية هي أمر مختلَف عليه حتى بين الأحزاب التي تتبنى البرامج الإسلامية في السودان، وإلا لما كان أبرز زعماء الإسلام في السودان السيد الصادق المهدي ومولانا محمد عثمان الميرغني والشيخ حسن الترابي في معارضة حكومة ترفع شعار الحكم الإسلامي.

الإصرار على فصل الدين عن الدولة سيجعل بعض أطراف المعارضة هدفا للحملات الإعلامية التي تصورهم بأنهم أعداء للإسلام على إطلاقه

لأن الإصرار على فصل الدين عن الدولة -الذي ربما كان له ما يبرره قبل فصل الجنوب- سيجعل بعض أطراف المعارضة هدفا للحملات الإعلامية التي تصورهم بأنهم أعداء للإسلام على إطلاقه، وتحوّل مسألة الصراع الحالي من مسألة سياسية بين حكومة وشعب يطالب بحقوقه الجماعية والفردية المشروعة إلى حرب دينية شعبية عبثية تحول سموم السودان الحالية إلى جحيم.

وفي الختام، نأمل أن يوفقنا الله لفتح طريق واقعي وعملي لحل المسألة القومية في السودان، وتحقيق مجتمعه المتوازن، ووحدته المتماسكة التي تخدم المصالح العليا لكل قوميات السودان المختلفة.

ولن يتم ذلك إلا بوضع مؤسسات وطنية مجمع على عدالتها وكفاءتها لتصبح لبنة لمركز وطني واحد، لا يكتسب الحق فيه بالأغلبية أو القوة المادية، بل بالعدل والإيثار والتكافل، ولا يسعى فيه أحد ليجعل من حقيقته الطائفية أو الإقليمية حقيقة دينية أو سياسية رسمية، ولا يعلو فيه أحد إلا بجهده وخدمته للوطن. وهذا ما لم ولن تحققه الانقلابات، ولا فرض الأفكار والمناهج بالقوة، ولا التمرد وحمل السلاح.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك