نادية سعد الدين

نادية سعد الدين

باحثة وأكاديمية

 

في غضون أيام قليلة؛ خرجت من السلطة الفلسطينية إستراتيجيات متناقضة بمنطوق التهديد، تنقلت بين "الحل"، و"الدولة الواحدة"، ومحاكمة الاحتلال الإسرائيلي دولياً. مما يعكس مأزقاً حقيقياً حاداً، سيظل يراوح مكانه أمام الاحتكام لمسار التفاوض الأوحد وإقصاء الخيارات الأخرى.

ولأن كل ما توالى صدوره ليس جدياً من ناحية السلطة ولا ينسجم مع إستراتيجيتها ونهجها، حيث جاء بصيغة التلويح والتهديد أكثر منه تكتيكاً سياسياً لإستراتيجية واضحة، فإنه يشي بإشكالية "الانفراد" في ما تعتقده السلطة مخرجاً مناسباً للأزمة الراهنة، إزاء انسداد الأفق السياسي، وتعثر خطوات المصالحة، وحكومة إسرائيلية قادمة أكثر غلواً وتطرفاً وتمدداً استيطانياً، فشكل "مخرجاً" يتيماً دون بدائل وبلا إجماع وطني، فضلاً عن عدم استثماره لما تحقق من انتصار المقاومة على عدوان الاحتلال الأخير ضد قطاع غزة، ومن مكسب دبلوماسي سياسي في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بنيل فلسطين صفة "دولة مراقب" غير عضو في الأمم المتحدة.

التلويح بالدولة الواحدة من جانب السلطة كخيار سيئ يقصد به التخويف من مغبة الانجرار نحوه نتيجة سياسة الاحتلال، وليس حلاً جاداً مطروحاً للبحث

ويأتي التلويح بالدولة الواحدة من جانب السلطة كخيار سيئ يقصد به التخويف من مغبة الانجرار نحوه نتيجة سياسة الاحتلال، وليس حلاً جاداً مطروحاً للبحث، ومن شأن ذلك الاستخدام بتلك الطريقة أن يلحق أضراراً جسيمة تجبُّ مطلب اللجوء إليه.

أما إذا كانت إقامة دعاوى جزائية أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين وحيال انتهاكاتهم الاستيطانية في الأراضي المحتلة، تعدّ مطلباً وطنياً متاحاً بعد نيل "الصفة الجديدة" لدولة فلسطين، فإن الرئيس محمود عباس قد حسم أمرها (في 30/11/2012) حينما صرح "بعدم التوجه إلى المحكمة إلا عند الاعتداء الإسرائيلي علينا"، بحسب تعبيره. وكأن سجل جرائم الاحتلال الحافل لا يرقى حتى الآن إلى مستوى العدوان وينتظر المزيد لتحقق متطلباته، مما فرّغ هذا المنجز من مضمونه الحقيقي، وجرّ قلقاً فلسطينيًّا من انسحابه على الشق الآخر من المكسب القانوني، ممثلا في اتفاقيات جنيف الأربع، التي تترتب عليها آثار قانونية مهمة بالنسبة للأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال، ولجهة حق المطالبة بتطبيقها على الأراضي الفلسطينية المحتلة والسكان المدنيين فيها، مما يعني -وفق خبراء القانون الدولي- ترتيب وضع قانوني في الضفة الغربية وقطاع غزة وحماية سكانها من انتهاكات الاحتلال.

وقد يؤشر هذا المعطى لما كان يُتقد ابتداءً من الخطوة الأممية لم تكن سوى حل لمأزق تفاوضي، إذ لم يكن القرار بديلا عن التفاوض الذي لم تغادر القيادة الفلسطينية دائرته قط، ولكنها أرادت خلق بيئة تفاوضية جديدة من خلال تحسين المركز القانوني على المستوى الدولي عبر العضوية في الأمم المتحدة، أي أنها لم تضع المسعى الأممي ضمن إطار إستراتيجية بديلة عن المفاوضات بعدما أدركت فشلها، فيما أرجأت متطلباته اللاحقة إلى ما بعد تحققه في وقت مناسب.

وبسبب معاكسة الخطوة لمنطق إنهاء الاحتلال قبلاً وليس بعداً، بما تجرّه من تبعات جسيمة على القضية الفلسطينية وفي مقدمتها إسقاط نحو 78% من جغرافية فلسطين من حق المطالبة بها، فقد خلقت إبهاماً حول ما إذا كانت معولاً حقيقياً لتكريس الدولة على الأرض، أم سوف تتحول -في أفضل الحالات- إلى دولة محاصرة بحدود مؤقتة، أسوة بنمط اقتراح موفاز، وهو مرفوض فلسطينياً، أو "دولة حكم ذاتي" -بدلاً من "سلطة حكم ذاتي"- منزوعة السيادة والسلاح، بحيث يكون أقصى مدى سلطتها اعتماد اسم "دولة فلسطين" وشعارها على الأوراق والمعاملات الرسمية، أي دولة على الورق فقط، شريطة عدم الشطط في هذه المسألة أيضاً، حيث اضطرت السلطة مؤخراً إلى استثناء جواز السفر الفلسطيني -بنموذجه الجديد- من مرسوم رئاسي صدر بهذا الخصوص، بسبب سيطرة الاحتلال على المعابر والحدود وحركة التنقل، وبالتالي عدم الاعتراف به.

وتستقيم هذه المعادلة أيضاً على أسّ دعائم الدولة وشروطها، بسبب غيابها، أمام سياسة الاستيطان والاستلاب الإسرائيلية التي تمكنت من قضم زهاء 80% من مساحة الضفة الغربية، مبقية أقل من 20% فقط للفلسطينيين، تعادل 12% من فلسطين التاريخية. فيما تمتد "البقعة" الخارجة عن يد الاحتلال ضمن ثمانية "كانتونات" غير متصلة جغرافياً، لتشكل -مع مساحة قطاع غزة- قوام الكيان الفلسطيني المستقبلي -وفق الرؤية الإسرائيلية- الذي لا يخرج بالنسبة إليها عن إطار الحكم الذاتي المعني بالشؤون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولين للاحتلال.

لن يلتزم الاحتلال بنواتج المسعى الأممي، الذي لا يغير موازين القوى ولا الوقائع على الأرض، وإنما سيدعو السلطة للعودة إلى التفاوض برعاية أميركية، والدخول مجدداً في دائرة مغلقة لا منفذ فيها

واستشهاد السلطة "بغضب" الكيان الإسرائيلي من الخطوة الأممية للاستدلال على نجاعتها أمر يجانب الصواب، إذ إن موقف الاحتلال منها يدخل في باب درء المخاطر، والتشبث بالراهن الذي يستطيع تغييره تبعاً لمصالحه بدون ضجة إعلامية، إضافة إلى النظرة العنصرية الإسرائيلية التي لا تريد للفلسطينيين تسجيل أي تقدم حتى ولو كان معنوياً.

ومع ذلك؛ لن يلتزم الاحتلال بنواتج المسعى الأممي الذي لا يغير موازين القوى ولا الوقائع على الأرض، وإنما سيدعو السلطة للعودة إلى التفاوض برعاية أميركية، والدخول مجدداً في دائرة مغلقة لا منفذ فيها، استلالاً لمأزق ما قاد إليه أوسلو (1993) ابتداءً.

وقد تجلى ذلك مؤخراً في تهديد الرئيس عباس بحل السلطة وتسليم مفاتيحها للاحتلال، معبراً عن مأزق -وليس مخرجاً- إزاء سياسة الاحتلال القاضمة للمساحة المقررة لإقامة الدولة الفلسطينية ضمنها، بما يقوّض "حل الدولتين"، وأمام جمود العملية السلمية بسبب التعنت والرفض الإسرائيلي لوقف الاستيطان والالتزام بمرجعية حدود 1967، وفق المطلب الفلسطيني لاستئناف المفاوضات، وجرّاء الأزمة المالية الخانقة التي تشهدها السلطة نتيجة الحجز الإسرائيلي لأموال الضرائب المستحقة للفلسطينيين، وتراجع الدعم الأميركي بعد الخطوة الأممية، وعدم التزام الدول العربية بتعهداتها التي أقرتها في قمم عربية سابقة بتقديم الدعم المالي اللازم للسلطة.

ولربما كان "حل السلطة" هو الأفضل، بالعودة إلى مربع ما قبل اتفاق أوسلو، وتحميل الاحتلال مسؤولياته مباشرة، وإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن "العالم" لا يرى فيه تهديداً أمام متوالية تكراره، ولتناقضه الصريح مع قدرة السلطة على تنفيذه، بسبب الضغط الخدماتي والوظيفي على الأقل، وللرفض الغربي الإسرائيلي له، في ظل التنسيق الأمني مع الاحتلال، وعدم قبول الأخير العودة للاحتلال المباشر.

ورغم أن "حل السلطة" مسنود قانونياً، حيث تستطيع منظمة التحرير اتخاذ قرار فردي بشأنه بدون أن تترتب عليها أي تبعات أو التزامات قانونية، فإن الوقائع على الأرض والمعطيات السياسية المعاكسة تجعل له حسابات أخرى، ومواقف فلسطينية متنقلة بين تأييده مقابل الدعوة "للمراجعة الوظيفية" وإعادة صياغة العلاقة مع الاحتلال.

ويقع هذا الخيار فريسة تجاذب فلسطيني حاد بين الأخذ به إجراءً ورفضه بديلاً، باعتبار السلطة معبراً للدولة الموعودة وجهازاً خدماتياً حيوياً. ويفسر مراقبون طرح الخيار رسمياً بأنه تعبير عن الانزعاج الفلسطيني، أو محاولة للتهديد والضغط السياسي على الجانبين الأميركي والإسرائيلي لاستئناف المفاوضات وفق شرطيْ المرجعية ووقف الاستيطان.

ويستند هؤلاء إلى أن الخط الرسمي السائد في القيادة الفلسطينية يرى عدم استنفاد الخيارات الأخرى، بينما تكتنف الضبابية كامل المشهد تبعاً لتصريحات متناقضة، وسط أصوات "فتحاوية" تنادي بتفويض الاحتلال بعض صلاحيات السلطة من دون حلها، مقابل تأكيد اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير عدم وجود قرار بالحل، وإنما التحذير من إجراءات إسرائيلية تؤدي إلى إضعاف السلطة أو منعها من العمل بشكل سليم وانهيارها تالياً.

ويرّوج مناصرو "بقاء السلطة" لمقولات صعوبة "الحل"، حيث صدر قرار تأسيسها عن المنظمة بصفتها المرجعية الوحيدة، فضلاً عن شبكة واسعة من المصالح والارتباطات المالية والسياسية والأمنية المعقدة التي تشكلت بين السلطة وسائر الأطراف الدولية والإقليمية، ومع سلطات الاحتلال، بينما يتطلب حلها إيجاد بدائل للمنح والمساعدات الدولية، وللخدمات التي تقدمها في الأراضي المحتلة، والوظائف التي تشمل نحو 172 ألف موظف من مدنيين وعسكريين، عدا عن تبعات التشييع الرسمي للعملية السلمية رغم جمودها الراهن، وإحالة المهام للمنظمة التي تعاني إشكاليات ومطالبات بإعادة تفعيلها، وتغيير المعادلة التي استقر عليها الصراع العربي/الإسرائيلي، وخلق تداعيات سلبية لن يتمكن الجانب الفلسطيني من مواجهتها في ظل الانقسام الوطني.

وتجد القوى والفصائل الفلسطينية -مثل حركة حماس- أن "قراراً بهذا الخصوص يجب اتخاذه في إطار التشاور والتنسيق الوطني، من أجل دراسة سلبياته وإيجابياته والتوافق بشأنه، من دون أن يعني ذلك مسوغاً للتمسك بها".

ويقف -في المقابل- رأي يأخذ بمراجعة وظائف السلطة، باعتباره مطلباً مضاداً "للحل"، أمام واقع ما وصلت إليه من حصر وجودها في إطار تقديم الخدمات للمواطنين، من مياه وطرق وصرف صحي وغيرها، بعدما خنقها الاحتلال في المناطق الجغرافية المسماة "أ" (وفق تصنيف أوسلو)، وسلخ القدس من إجراءاتها، وحاصر غزة ومنع تواصلها مع الضفة الغربية، وأغلق الأغوار، وأفقدها سلطتها على زهاء 62% من مساحة الضفة والمعابر والقدس.

ولكن لأنها -بحسب تلك الرؤية- تخدم الشعب الفلسطيني وتضمّ نسبة كبيرة من موظفيه، وتشكل إحدى روافع إنهاء الاحتلال ونواة الدولة، فإن النقاش يجب أن يدور ضمن سياق الواقع الخدماتي وغياب السيادة الوطنية، لبحث تغيير وظائفها بما يسمح بالانتقال إلى الدولة، ودراسة شكل العلاقة المستقبلية مع الاحتلال في ضوئها.

وقد يمهد ذلك -وفق آخرين- لوقف العمل بالتزامات أوسلو، ومراجعة واجبات السلطة تجاه الاحتلال، وتحويل المهام السياسية لمنظمة التحرير بعد تفعيلها، بما قد يؤدي إلى مواجهة مع الاحتلال قد تجرّ إلى انهيار السلطة.

خلق مسار أوسلو مأزقاً ناجماً عن عدم الاتفاق على قضايا الوضع النهائي، وتأجيلها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله, وإنما لإصرار إسرائيل على تحكيم هذا الخلل في عملية فرض تسوية مرفوضة

لقد قاد مسار أوسلو إلى هذا النوع من الإستراتيجيات المتناقضة، بعدما خلق مأزقاً ناجماً عن عدم الاتفاق على قضايا الوضع النهائي، وتأجيلها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله أو لاختلال موازين القوى لصالح الاحتلال فحسب، وإنما أيضاً لإصرار الكيان الإسرائيلي على تحكيم هذا الخلل في عملية فرض تسوية مرفوضة لا تحقق الحدّ الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير، مما أحدث مأزقاً حرجاً وأوضاعاً متدهورة في الأراضي المحتلة، ومساراً تفاوضياً متعثراً حيناً وجامداً أحياناً، رغم متوالية المؤتمرات والاتفاقيات التي لم تفض إلى شيء.

وما يزيد من عمق الأزمة خاصية "الاستبعاد" وليس "التزامن"، بنأي الخيارات الأخرى -وفي مقدمتها المقاومة- عن البدائل التي تضعها القيادة الفلسطينية على طاولة البحث.

إن هذا يتطلب تغييراً في الإستراتيجية التي قادت إلى المأزق، عبر الاعتراف أولاً بفشل مسار أوسلو، والعودة إلى الوحدة الوطنية، ووضع برنامج سياسي وطني موحد وفق المقاومة بشتى أشكالها، وتخلي السلطة عن التنسيق الأمني مع الاحتلال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك