بول براكن

بول براكن

​أكاديمي وكاتب

 

في منتصف ديسمبر/كانون الأول أطلقت كوريا الشمالية صاروخا بعيد المدى، فانطلقت في أعقابه فورة هائجة صاخبة من الإدانة العالمية التي كانت شبه هزلية في عجزها والقدرة على التنبؤ بتفاصيلها. ولكن إطلاق الصاروخ كان بمنزلة التأكيد على حقيقة أكبر لم يعد بوسعنا أن نتجاهلها بعد الآن: لقد دخل العالم عصرا نوويا ثانيا.

فقد عادت القنبلة الذرية للظهور في الفصل الثاني، ما بعد الحرب الباردة مرة أخرى. ولا بد من فهم هذا النمط الأكبر إذا كان لنا أن نتمكن من إدارته.

لم يستقر العصر النووي الثاني على ملامحه النهائية بعد، ولكن السنوات القليلة المقبلة سوف تكون محفوفة بالمخاطر, مع إعادة تحديد القواعد والخطوط الحمراء

حتى الآن، لم يستقر العصر النووي الثاني على ملامحه النهائية بعد، ولكن السنوات القليلة المقبلة سوف تكون محفوفة بالمخاطر بشكل خاص، لأن حداثة الأمر في حد ذاتها تعمل على خلق مخاطر جديدة مع إعادة تحديد القواعد والخطوط الحمراء. وقد استغرقت هذه المرحلة عشر سنوات على الأقل في العصر النووي الأول، وهذه المرة قد لا يختلف الأمر.

ففي الشرق الأوسط وجنوب وشرق آسيا، تعود الخصومات القديمة إلى الظهور من جديد الآن ولكن في سياق نووي. وقد أسفر هذا بالفعل عن تغيير المواقف العسكرية في مختلف بلدان الشرق الأوسط. فالآن يجري تحويل جزء من الترسانة النووية الإسرائيلية إلى البحر، مع وضع الرؤوس الحربية النووية على غواصات تدار بوقود الديزل لمنع استهدافها في هجوم مفاجئ.

كما تطلق إسرائيل جيلا جديدا من الأقمار الصناعية لتوفير الإنذار المبكر من الاستعدادات التي قد تقوم بها دول أخرى لتوجيه ضربات صاروخية. فإذا انتشرت الصواريخ الإيرانية المحمولة فإن إسرائيل تريد أن تكون على علم بذلك على الفور.

وعلى هذا فإن مشكلة السلام العربي الإسرائيلي القديمة ينظر إليها الآن في سياق جديد يتمثل في التهديد النووي الإيراني. والمشكلتان مترابطتان. فكيف تستجيب إسرائيل لهجمات صاروخية من غزة، أو لبنان، أو مصر إذا كانت في الوقت نفسه عرضة لتهديد الهجوم النووي من قبل إيران؟ وماذا تفعل الولايات المتحدة وإسرائيل إذا نفذت إيران تهديدها إلى حد إخلاء مدنها، أو وضع الصواريخ داخل مدنها بحيث تضمن عدم وقوع أضرار جانبية ضخمة لأي هجوم عليها؟

كما ضاعفت باكستان حجم ترسانتها النووية في السنوات الخمس الماضية، بل إن قواتها المسلحة جاهزة لنشر أسلحة نووية تكتيكية جديدة ميدانيا -أسلحة قتالية قصيرة المدى. ونشرت الهند ثالوثا نوويا- قاذفات القنابل والصواريخ والغواصات- وفي العام 2012 اختبرت الهند صاروخا باليستيا عابرا للقارات، وهو ما يمنحها القدرة على ضرب بكين وشنغهاي. ويكاد يكون من المؤكد أن الهند تعكف على تطوير رؤوس حربية متعددة، كما أطلقت أقمارا صناعية لمساعدتها في استهداف القوات الباكستانية.

وفي شرق آسيا تحولت كوريا الشمالية إلى قوة نووية وهي تستعد لإضافة فئة جديدة بالكامل من قنابل اليورانيوم إلى ترسانتها. وقد جربت إطلاق صواريخ متعددة سريعة، لإثبات قدرتها على شن الهجمات على كوريا الجنوبية واليابان قبل أن تبلغ أراضيها أي ضربة مضادة.

وتعكف الصين أيضا على تحويل قواتها النووية إلى صواريخ محمولة وغواصات. ومن الممكن وضع هذه الأسلحة في حالة التأهب على نحو قد يكون مرئيا بوضوح لأقمار الولايات المتحدة ووسائل الإعلام العالمية.

وبالتالي فإن الصين قادرة بسهولة على "إضفاء الطابع النووي" على أي أزمة مع الولايات المتحدة أو أي جهة أخرى. وهي ليست مضطرة إلى تفجير أي أسلحة نووية، بل يكفيها أن تنبه خصومها إلى الزيادة الهائلة في مستوى المخاطر السياسية التي قد تترتب على المواجهة.

أما روسيا، التي لا تريد أن تظل بعيدة عن الأحداث، فقد قامت مؤخرا بتنظيم أضخم مناورة نووية منذ عقود بهدف تذكير الجميع بأنها لا تزال تشكل قوة نووية لا يستهان بها.

الواقع أن هذه التطورات الفردية مزعجة للغاية، ولكن فهمها بمعزل عن النظام الأضخم المتعدد الأقطاب الذي يتشكل الآن من قوى كبرى أمر مستحيل. فهو إلى حد كبير نظام نووي متعدد الأقطاب: حيث تساهم حيازة الأسلحة النووية في تعزيز المكانة العالمية لأي دولة بوصفها قوة كبرى.

قامت روسيا مؤخرا بتنظيم أضخم مناورة نووية منذ عقود بهدف تذكير الجميع بأنها لا تزال تشكل قوة نووية لا يستهان بها
ولكي نفهم هذا فما علينا إلا أن نفكر في السؤال التالي: متى كانت آخر مرة عندما اقترحت الولايات المتحدة أو أي جهة أخرى بجدية حمل الهند على التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي -أي أن تتخلى الهند عن القنبلة؟ فنظرا للمشاكل الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة والتخفيضات الوشيكة للإنفاق على الدفاع، فضلا عن قوة الصين المتصاعدة، لم يعد هناك ولو احتمال بعيد أن تتقدم أي جهة بمثل هذا الطلب.

لقد أصبحت الهند عضوا شرعيا مقبولا في النادي النووي، رغم وهم حظر الانتشار النووي. بل إن الأمر الأبعد احتمالا هو أن تبادر الصين أو روسيا إلى نزع سلاحها النووي من أجل عالم خال من الأسلحة النووية.

غير أن المشكلة الأكثر إلحاحا تنبع من انهيار احتكار الدول الكبرى وتمكين دول أصغر حجما، مثل كوريا الشمالية وباكستان وإسرائيل، بل وربما إيران كاحتمال كبير. والأمر يتطلب وضع مجموعة جديدة من قواعد الدبلوماسية، والإستراتيجية العسكرية، والسيطرة على الأسلحة، من أجل تثبيت استقرار النظام النووي الناشئ. والتظاهر بأن هذا النظام الجديد الذي لا وجود له ليس بالإستراتيجية اللائقة على الإطلاق.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك