منير شفيق

منير شفيق

 

في الخمسينيات من القرن الماضي، رفعت حركة التحرّر العربية شعار "بترول العرب للعرب". وأصبح شعاراً شعبياً من المحيط إلى الخليج. وكان الهدف إعادة امتلاك النفط العربي من قِبَل الدول العربية من خلال استرجاعه من شركات البترول الكبرى وما فرضته من امتيازات. ولكن حمل الشعار أيضاً أكد أن العرب جميعاً لهم حق معلوم في هذا البترول. وذلك لأهميته الكبيرة في نهوض الأمّة والتوسّع في العملية الإنتاجية. أضف لذلك ما يمكن أن يكون  للطاقة الرخيصة -أو شبه المجانية- من فوائد. وذلك من دون أي إضرار أو عسف بحقوق شعوب دول البترول ومصالحها. فالخير وفير ويفيض عن كل حاجة.

شعار "بترول العرب للعرب" توارى, وقد لعب الدور الأساسي في ذلك اشتداد الهيمنة الأميركية، ولا سيما مع مجيء مرحلة أنور السادات في مصر، وتفاقم النزعة القـُطرية

هذا الشعار بدأ يتوارى حتى وُضِعَ على الرف ليُنسى أو يُمنع من التداول مع مرحلة السبعينيات والثمانينيات. وقد لعب الدور الأساسي في ذلك اشتداد الهيمنة الأميركية، ولا سيما مع مجيء مرحلة أنور السادات في مصر، وتفاقم النزعة القـُطرية والهجمة السياسية والأيديولوجية ضدّ كل حديث عن أمّة عربية، أو وحدة عربية، أو حتى تضامن عربي.

بل وُضعت على الرفوف المنسية قرارات الجامعة العربية ومشاريعها التي لها علاقة بالتكامل الاقتصادي العربي، أو السوق العربية المشتركة، أو حتى بالتعليم والثقافة. أما في السياسة، فكان غسل اليدين من المسؤولية العربية عن القضية الفلسطينية واعتبارها القضية الأولى أو المركزية. وذلك من خلال اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وصولاً إلى رفع الشعار المسموم القائل "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون"، بعد أن ضمنوا ولوغ "م.ت.ف" في مسار اتفاق أوسلو. 

في مرحلة التسعينيات، تم الانتقال إلى الاقتصاد العولمي، ودخول العالم في مرحلة امتلاك الأموال ذات الأرقام الفلكية بالبلايين والتريليونات لدى الشركات المتعدّدة الجنسية ودول النفط، وحتى ثروات الأفراد أخذت تصل إلى عشرات البلايين. وقد دخلت أموال بعض الأمراء في عداد مالكي مئات البلايين من الدولارات، ولم يعد ثمة ذكر لمن يملكون الملايين ولا عشرات الملايين من الدولارات، فهؤلاء أصبحوا من الأثرياء المتواضعين.

النصيب العربي في الحديث عن الثروات المالية الفلكية الأرقام كان وافراً، ابتداءً من مردودات النفط وانتهاءً بالحكام ومروراً بالفاسدين. ومن دون أن يُنسى الذين امتلكوا شركات الاتصالات وتجار السلاح.

القسم الأعظم من هذه الثروات المالية ذات الأرقام الفلكية أودع -وما زال يودع- في الغرب، في البنوك والبورصات والعقارات وسندات الدول. ودعك من الهدر الخيالي لثروات تبدّد في صفقات سلاح لا هدف ولا جدوى منها غير عملية الشراء لذاتها، ولدفع عجلة الاقتصاد في أميركا وأوروبا، كما لصفقات متعدّدة الأشكال كالطائرات الخاصة واليخوت والسيارات، وما لم يسمع به أحد من الاستهلاك ما فوق الرفاه.

ما يراد التركيز عليه هنا هو الأموال العربية، وفي مقدمّها النفطية التي تملكها الدول المودعة -والتي تودع يومياً- في الغرب. وهذه تدخل في عداد مئات المليارات وأكثر. ولا يمكن أن يحصرها رقم دقيق لأنها تزيد مع كل دقيقة.

يحدث هذا في وقت نرى فيه أغلب الدول العربية -منذ السبعينيات وحتى اليوم- تتهالك على طلب القروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتتهافت على الدول الغربية للاستثمار والسياحة فيها. وذلك إلى حدّ القبول بما يحمله كل ذلك من شروط سياسية واقتصادية وثقافية.

والأنكى أن الحكومات التي خرجت بعد الثورات الشبابية الشعبية راحت تسير على طريق طلب القروض والاستثمار والسياحة من أميركا وأوروبا، فيما الأموال العربية النفطية -الفائضة عن الموازنات واستهلاك الداخل- لا تعرف لها طريقاً سوى الانتحار اللذيذ والإرادي في الغرب.

كلمة الانتحار مجازية لأن الأموال التي تودع في أوروبا وأميركا لا يمكن أن تُسترجع، بالرغم من أنها مسجّلة باسم مودعيها، ويستطيعون -من حيث المبدأ، أو نظرياً- أن يستردّوها. والغرب حتى لو لم يُرد السطو عليها فإنه لا يستطيع أن يعيد عُشـُر معشارها، لأن اقتصاده المأزوم يعتمد عليها ولا يحتمل إعادتها. وباختصار، فإن تلك الأموال تحتاج إلى من يقرأ "الفاتحة" على روحها.
 
لا يستطيع الغرب أن يعيد عُشـُر معشار الأموال العربية الموجودة لديه, لأن اقتصاده المأزوم يعتمد عليها ولا يحتمل إعادتها, وباختصار، فإن تلك الأموال تحتاج إلى من يقرأ "الفاتحة" على روحها
عندما ذهب أنور السادات في طريق كامب ديفد ووقع "المعاهدة المصرية/الإسرائيلية" أورد سبباً من بين أسباب أخرى دفعه إلى هذا الطريق الكارثي، وهو امتناع دول النفط العربي عن تقديم المساعدة المالية التي تحتاجها مصر. وقد عزف كثيرون من المدافعين عنه على هذا السبب كذلك.

صحيح أن هذا السبب -كما الأسباب الأخرى- لا يسوّغ للسادات فـَعْلته، لا من قريب ولا من بعيد. ولكنه يعبّر عن معادلة عربية واقفة على رأسها، شبيهة بقول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ** والماء فوق ظهورها محمول

وهذا ناتج عن التجزئة العربية والهيمنة الخارجية وما تمارسه من ابتزاز تحت حجّة حماية دول الخليج العربية.

الوضع العربي الراهن أشدّ فداحة من كل وضع عربي سبق، فالحاجة إلى الأموال والقروض تكاد تعمّ أغلب الدول العربية، فيما بعض المال العربي النفطي وغير النفطي -الذي ما زال يودع يومياً في الغرب- يسدّ تلك الحاجة ويفيض. ودعك من غير المرحوم الذي أودع. فهل من المعقول أن يتعرّض استقلال الدول العربية للارتهان وسياساتها الداخلية والخارجية للشروط التي يمليها الغرب وبنوكه الدولية، فيما هو راح يرتع في أموال دول النفط العربي؟

الجواب الذي يجب أن يُطرَح هو شعار "أموال العرب الفائضة للعرب"، مع إعادة الاعتبار لشعار "بترول العرب للعرب". طبعاً هنالك حساب آخر للفاسدين الذين يودعون عشرات ومئات الملايين -وربما أكثر- في دول الغرب.

الحجج التي يمكن أن تقدّم دفاعاً عن أن العرب أوْلى بالأموال الفائضة التي تودع في الغرب كثيرة وأقوى من أن يُردّ عليها. وهذه تبدأ من كوننا أبناءَ أمّة عربية واحدة، وتجمعنا أخوّة الإسلام والأمّة الإسلامية، ويربطنا مصير واحد، ومصالح عليا مشتركة.

وبكلمة، ليس المطلوب التحدّث عن وحدة غير قائمة، ولا طرح شعار يثير صراعات عربية/عربية، ولا الدعوة إلى حقوق متساوية أو عدالة مثلى، وإنما المقصود ذلك المال الفائض عن الحاجات والمنتحر عملياً حين يودع في خزائن الغرب وعقاراته وفنادقه وشركاته.

المطلوب أن يتحوّل الفائض الآتي -من الآن فصاعداً- إلى بنك عربي دولي أو صندوق نقد عربي دولي، لإعطاء قروض ميسّرة وسخيّة للعرب، تنقذ الكرامة العربية والاستقلال العربي من شروط القروض الدولية والاستثمار والسياحة من أميركا وأوروبا. بل هذا الفائض يستطيع أن يقيم بنكين عربيين/إسلاميين عملاقين مُوازيين للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ويكونان في خدمة البلدان الإسلامية والعالم ثالثية كذلك.

ولن نكون على وهم لو توقعنا أن تأتي دول من الغرب -وربما كبراها- لتطلب القروض منا إذا توقف دفق الأموال العربية غرباً وشمالاً، وساد الرشد والاستقلالية في التصرف بها.

طبعاً لا إمكان للأخذ بهذا الاقتراح لأسباب معروفة، وإن كان بعضها يدخل في إشكالية التبعية، وبعضها في إشكالية القـُطرية الضيّقة الأفق، وأخرى في ما يمكن أن يوجّه من نقد لطالبي القروض أنفسهم، كما إشكال توفير الأمن القومي العربي بعامّة.

ولكن أصبح من الضروري أن يُرفع شعار "أموال العرب الفائضة للعرب" ويصبح رأياً عامّاً هادراً. فالذين يذهبون بقسط مقدّر من أموالهم إلى الانتحار، ويضّنون بها عن إخوتهم أبناء أمتهم ودينهم يجب أن يسمعوا قولة الحق في ما يفعلون. فهذا من الحرام في استخدام المال، ولا يجوز أن يمرّ على شعوبهم وأمتهم مرور الكرام. هذا ودعك مما يدخل في السفه في مجاليْ الرفاه والتبذير.

كيف يجوز أن تعامل الشعوب العربية والإسلامية كالغرباء بالنسبة إلى حاجتها من النفط، وتدفع مقابله ما تدفعه الدول الغنية. مما يقصم ظهرها؟

ثم كيف يجوز أن تعامل الشعوب العربية والإسلامية كالغرباء بالنسبة إلى حاجتها من النفط، وتدفع مقابله ما تدفعه الدول الغنية. مما يقصم ظهرها ويزيد في إفقارها وحرمانها من الطاقة التي نهض الغرب المعاصر على رخصها، وما زال، لأنها بالنسبة إليه ما زالت رخيصة قياساً بما يصدّره من سلع وخدمات وحتى الماء. هنا أيضاً لا بدّ من أسعار تفضيلية للمستهلك العربي.

ولكن من هنا أيضاً آن للوعي الشبابي والشعبي أن يدرك أن الإشكالات الكبرى التي تواجه حريّة وكرامة الإنسان العربي والأمّة العربية لا تقتصر على الخلاص من الاستبداد والفساد. وإنما تمتدّ إلى الخلاص من الهيمنة التي تمنع من أن يكون مال العرب للعرب، أو في الأقل فائضه المرسل للغرب، كما تمتدّ إلى طريق وحدة الأمّة وتكاملها، وهذا من شروط نهضتها الاقتصادية والعلمية والتقنية. ثم هنالك قضية القضايا وهي قضية فلسطين، حيث يستخدم الغرب -ولا سيما أميركا- سلاح القروض والاستثمار والسياحة للتهاون بها، وصولاً للتخاذل والتفريط فيها. 

الوضع العربي بأسره يحتاج اليوم إلى إعادة صوْغ العلاقات بين دوله. فكما أنه ثمة حاجة في كل قـُطر عربي إلى إعادة صوْغ الوحدة داخل كتلته التاريخية، وعدم السماح بالتدهور وتجزيء المجزّأ، فإن ثمة حاجة موازية لإعادة صوْغ وحدة الكتلة التاريخية على المستوى الشعبي العربي العام، وكذلك على مستوى الدول والجامعة العربية.

وقد أصبحت هذه المهمة أكثر إمكاناً بعد أن أخذت تفتح الآفاق أمامها، بسبب تدهور سيطرة الدول الاستعمارية/الإمبريالية على العالم عموماً، وما نشهده من نهوض عربي إسلامي عام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك