عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

طبيعة المرجعية الإسلامية
المرجعية والواقع
أسئلة تطبيق المرجعية

من الأمور التي نحتاج إلى فهمها ونحن نقيم أنظمة سياسية جديدة ونكتب دساتير جديدة في عدد من الدول العربية ذات الأغلبية السكانية المسلمة مسألة طبيعة المرجعية الإسلامية التي تدافع عنها عدد من القوى السياسية، والتي تُفهم من النصوص الدستورية التي تشير إلى أن دين الدولة هو الإسلام، أو أن الشريعة أو مبادئها هي المصدر الرئيسي للتشريع أو مصدر رئيسي للتشريع.

يعرض المقال لماهية المرجعية الإسلامية، ولعدد من التساؤلات التي تعالج عددا من الإشكاليات والتحديات التي تحتاج إلى مزيد من التفكير والدراسة.    

طبيعة المرجعية الإسلامية
برغم الطبيعة المدنية للسلطة التي أقامها النبي عليه السلام وسار عليها الخلفاء الراشدون من بعده، فإن مرجعيتها كانت مستمدة من الكتاب والسنة الصحيحة.

الكتاب والسنة هما مصدر النظام المعرفي الإسلامي بأكمله، ومنبع الضوابط المنهجية لحياة البشر، والمعين الذي تأتي منه الأطر القيمية والمرجعية العليا

فالرسول عليه السلام لم يورث مكانته الدينية أو السياسية لأحد، ولم يوص بتعيين خليفة له كما كان يفعل زعماء القبائل والملوك في جزيرة العرب وفارس وروما، ولم يحدد للمسلمين أسلوبا لاختيار الحكام أو مؤسسات للشورى، لكن ما تركه الرسول عليه السلام في هذا الشأن أكبر شأنا وأعظم نفعا، وهو القيم الأساسية والمبادئ العليا التي أعلنها الإسلام والتي جاءت بالقرآن الكريم والسنة الصحيحة، كالشورى والعدالة والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الجور والظلم. وترك الرسول عليه السلام للمسلمين حقا (وواجبا في الآن نفسه) هو ضرورة استخدام العقل والاجتهاد في إقامة نظام الحكم والمؤسسات التي تناسب الزمان والمكان.

ونظرا لأن المرجعية العليا في الإسلام مرجعية إلهية صالحة لكل زمان ومكان بالنسبة للمؤمنين بها، فمن الضروري التمييز بين مقومين اثنين عند فهم هذه المرجعية. المقوم الأول مقوم ثابت خالد، وهو ثوابت الشريعة الإسلامية، أي الأحكام الإلهية المنزلة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة. أما المقوم الثاني، فمتغير وقابل للتعديل والتبديل والإضافة والحذف، وهو ما تتفق عليه جماعة المسلمين على أنه الفقه الملائم لإنزال الثوابت على الواقع المتغير.

ويهمنا في واقع الأمر فهم المقومين معا، فالقرآن والسنة هما مصدر السلطة في الإسلام وجوهره، وهما المعين الذي على المسلمين العودة إليه متى استدعت الحاجة. لكن يجب القول هنا إن هذه العودة لا تعني أن الكتاب والسنة يحملان حلولاً تفصيلية لمشكلات كل الأزمنة والأمكنة، وإنما تعني أن الكتاب والسنة هما مصدر النظام المعرفي الإسلامي بأكمله، ومنبع الضوابط المنهجية لحياة البشر، والمعين الذي تأتي منه الأطر القيمية والمرجعية العليا.

وهذا الفهم يتماشى مع حقيقة كون الإسلام دينا عالميا صالحا لكل زمان ومكان، الأمر الذي دفع الكثير من الأمم والشعوب إلى الدخول في الإسلام مع اختلاف ثقافاتهم وعاداتهم. فالمقوم المتغير من مصدر السلطة (أي فهم العلماء على مر العصور للقرآن والسنة) مكن تلك الشعوب والأمم من التأقلم والتكيف دون تجاوز قيم الإسلام ودون التنازل عن الثقافات والعادات المحلية التي لا تتناقض مع الإسلام. 

المرجعية والواقع
وفي الواقع تقوم المرجعية الإسلامية في المجتمعات العربية بالوظيفة التي تقوم بها مثلا الأيديولوجية الليبرالية (المرجعية العليا للنظم السياسية في الغرب)، أي تُحدد الأهداف العليا والقيم الأساسية للمجتمع أو أولوياته في مرحلة تاريخية معينة، إنها تتضمن قيما ومبادئ عليا تقف ضد الاستبداد وتضمن الحريات، بل إنها تحتوي على ضمانات أقوى من الضمانات الموجودة بالغرب لأنها تربط بين إيمان المسلمين وبين واجبهم في الالتزام بهذه الواجبات متى استطاع المسلمون تنظيم هذه الأمور وإقامة المؤسسات الكفيلة بتنفيذها على أرض الواقع.

ووجود هذه المرجعية الإسلامية للسياسة لا يصيب السياسة بالجمود وإنما على العكس فهي تدعو إلى التجديد والاجتهاد في إقامة المؤسسات أو اقتباسها من الآخرين أو ابتداعها. فالنص على أن "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" استنادا إلى قول الرسول عليه السلام: "إنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" يعني الإحداث في الدِّين، وما يتعلَّق بالعبادات المحضة كما كتب الشيخ يوسف القرضاوي الذي أكد أن التجديد في الدين مطلوب ومحمود، وكذا بطبيعة الحال أمور الدنيا.

وقد فهم المسلمون الأوائل هذا الأمر وفعلوا أشياء لم يفعلها الرسول، عليه الصلاة والسلام، لأن أوضاع المجتمعات المختلفة أو مصالح الأمة اقتضت ذلك، مثل كتابة المصاحف، وجعل الخلافة شورى، وضرب النقود، وإدخال الدواوين، واتخاذ السجن، ووضع التاريخ، وغير ذلك، مما استدل به الأصوليون على حجية المصلحة المرسلة.

تقوم المرجعية الإسلامية في المجتمعات العربية بالوظيفة التي تقوم بها مثلا الأيديولوجية الليبرالية، أي تُحدد الأهداف العليا والقيم الأساسية للمجتمع أو أولوياته في مرحلة تاريخية معينة

كما ابتكر المسلمون الأوائل علوما جديدة مثل علوم النحو والصرف والبلاغة، ووضعوا معاجم اللغة، وطوروا علوم الفقه والتفسير والحديث ووضعوا لها أصولا مثل علم أصول الفقه، وأصول الحديث، وأصول التفسير، وعلوم القرآن. كما ترجموا عن حضارات أخرى واقتبسوا منها وأضافوا إليها.

وبرع مسلمون في علوم الطب والفلك والفيزياء والكيمياء والبصريات والرياضيات وابتكروا علوما ما عرفها قبلهم أحد مثل علم الجبر. يقول القرضاوي، في السنة مصدرا للثقافة والحضارة، "ولما تخلف المسلمون: انعكست الآية عندهم، فابتدعوا في أمور الدِّين، وجمدوا في أمور الدنيا!!".

لكن ما الإشكاليات والتحديات التي يجب التصدي لها عند تنظيم السلطة السياسية في المجتمعات العربية؟

أسئلة تطبيق المرجعية
تحتاج التحديات والإشكاليات التي تطرحها محاولات تطبيق هذه المرجعية إلى الكثير من التفكير وإمعان النظر وإنتاج المقاربات الخلاقة بشأنها. ويمكننا طرح هذه الإشكاليات والتحديات في عدد من الأسئلة، أهمها: أليست هناك حاجة ماسة لإيجاد الوسائل الكفيلة بوضع القيم العليا للحكم موقع التطبيق الفعلي؟ ألا يجب الإقرار بأن هناك أبعادا تنظيمية لم تقننها الممارسة السياسية لتنظيم السلطة في العهدين النبوي والراشدي بسبب عدم حاجة الزمان والمكان إليها؟

ألا يجب أن تهتم فرق بحثية متخصصة بإيجاد الآليات الكفيلة بنقل مبدأ الشورى من كونه مجرد النصيحة إلى كونه مطلبا ملزما؟ وهل سيتم هذا بمجرد نقل الديمقراطية النيابية كما هي قائمة بالغرب دون تفكر وتدبر أم أن هناك جهدا لابد أن يبذل في هذا الأمر؟ ألا تحتاج الشورى في الإسلام إلى أكثر من آلية التمثيل النيابي؟ ألا يمكن للعقل المسلم أن يضيف إلى هذه الآلية الضوابط الكفيلة بمراعاة الضوابط الأخلاقية والإنسانية التي هي جزء أصيل من الإسلام بدلاً من التحييد شبه الكامل للأخلاقيات والقيم والأبعاد الإنسانية وسيطرة المصالح الفئوية أو القومية على السياسة والسياسيين في الديمقراطيات المعاصرة؟

وكيف يمكن ترجمة قيمة مقاومة الحاكم المستبد ومفهوم الطاعة في الإسلام في شكل آليات قضائية ورقابية محددة لمتابعة الحكام والمسؤولين ومساءلتهم ومحاسبتهم وإقالتهم عند الضرورة؟
وكيف يمكن أن تنعكس أبعاد قيمة العدل، بوصفها قيمة عليا، على كل السياسات التي تتناول العلاقات بين الحكام والمحكومين، الأغلبية والأقليات، الرجل والمرأة، والعلاقات مع الخارج، وغير ذلك؟

ثم ألم يحن الوقت لتجاوز الفقه السياسي الذي يركز في جانب كبير منه على عدم جواز مقاومة الحاكم الجائر وتفضيل الحاكم الجائر على الفوضى والفتنة، لا تقليلاً من شأن هذا الفقه أو تغليطا لأصحابه وإنما لأن هذا الفقه لابد أن يُفهم في إطاره التاريخي واختيار أعلامه أقل الضررين من وجهة نظرهم في ذلك الوقت من جهة، ولأننا نمتلك الآن -رغم أننا نعيش في زمن التبعية والتأخر- كتابات واجتهادات لعشرات العلماء والباحثين الذين يعبرون عن الفهم المستنير للإسلام في هذا الموضوع من جهة أخرى؟

ثم أليس هناك ضرورة، عند الحديث عن شكل نظام الحكم، للانطلاق من النظام الديمقراطي القائم الآن في الغرب وخارج الغرب، فالحكمة ضالة المسلم؟ ألم تجرب معظم مؤسسات النظام الديمقراطي وضوابطه ومؤسساته تاريخيا ونجحت في كثير من المجتمعات؟

هل المطلوب هو مجرد الاستفادة من نظم الحكم الديمقراطية أم لابد من جهد مستمر لإيجاد حلول خلاقة وجديدة للعيوب ونقاط التوتر التي أفرزتها الممارسة الديمقراطية في الواقع مثل إيجاد أشكال جديدة لتمثيل أفضل لفئات المجتمع المختلفة، وترتيبات تجعل من إرادة الأمة الملتزمة بالشريعة سلطة حقيقية في مواجهة الحكام، وآليات لمتابعة أداء نواب الشعب والمسؤولين، ومعايير لمراقبة عملية الانتخابات في مراحلها المختلفة، وطرق لتحييد المال السياسي، ووسائل للتعامل مع القبيلة والطائفة والأقليات، وضمانات لاحترام الدساتير والقوانين وغير ذلك؟

أليس دور الباحثين المعاصرين هو البناء على ما قدمه العلماء المعاصرون والكف عن إعادة إنتاج ما قدم في السابق؟ أليس وقتنا هذا هو وقت الحلول التفصيلية التي يجب أولا ألا تتناقض مع المرجعية العليا للإسلام، وأن تتصدى ثانيا، بشكل جدي وجذري، لمشكلات وتحديات الواقع المعيش؟ بل ألا يجب أن يمتد جهدنا إلى ما وراء تحديات الحكم في الداخل إلى علاقات مجتمعاتنا بغيرها من المجتمعات كالاهتمام بالقضايا ذات البعد العالمي وقضايا الاقتصاد العالمي والفقر والتنمية وكيفية إسهام المسلمين في الحضارة الإنسانية وغير ذلك؟

ما العمل لو خرجت مؤسسات الدولة عن المرجعية الإسلامية؟ وكيف يمكن في الأساس الحكم على أن الدولة تجاوزت تلك المرجعية؟ وما الجهة التي تقوم بهذا الدور؟

ثم أليس لهذه الحلول التفصيلية ضوابط مستمدة من الإسلام وقيمه، كما أن لها ضوابط أخرى إجرائية وفنية مستمدة من السنن الكونية التي أراد المولى عز وجل لها أن تسري على البشر جميعا؟ بمعنى أليس للتقدم والتخلف سنن كونية تجري على المسلم وغير المسلم كأن يتصدى لوضع هذه الحلول العلماء والباحثون المتخصصون في المجالات المختلفة؟ وكأن تظهر آليات للاجتهاد الجماعي والعمل المؤسسي والاهتمام بالتخصص والانفتاح على تجارب الشعوب الأخرى؟ 

وبالإضافة لكل ما سبق، هل لأحد الحق في أن يدعي لنفسه الحق في تحديد مبادئ الإسلام والقدرة على ذلك، أو أن يقرر ما هي الشريعة؟ وما العمل لو خرجت مؤسسات الدولة عن تلك المرجعية؟ وكيف يمكن في الأساس الحكم على أن الدولة تجاوزت تلك المرجعية؟ وما الجهة التي تقوم بهذا الدور؟

ربما يكون التصدي لهذه الأسئلة يساعد على بناء نموذج جديد للحكم لا يتجاوز ثوابت مجتمعاتنا وقيمنا العليا ولا يخاصم إنجازات الحضارة المعاصرة في مجال الحكم بل يضيف إليها.

إن المشكلة في اعتقادي هي في تأخر العقل عن قراءة الواقع بشكل واع وعن فهم منجزات العصر وعن مواكبة التطورات وإنشاء المؤسسات القادرة على تطبيق القيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام.

بجانب توقف البعض عند ما قدمه السلف خوفا من التجديد والاجتهاد، وعدم مواكبة الاجتهادات الفردية التي قدمها علماء وباحثون معاصرون في شأن العلاقة بين المدنية وأسس الحكم في الإسلام، وتردد الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية في الاستفادة من تلك الاجتهادات التي بدأت منذ الإمام محمد عبده، أي منذ ما قبل نشأة معظم تلك الحركات!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك