بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ضغوط اقتصادية
الرهان الخطأ
علاقات إستراتيجية

مثيرة هي التساؤلات التي طرحتها تصريحات الرئيس أوباما بشأن العلاقات بين القاهرة وواشنطن على خلفية أزمة الفيلم الأميركي المسيء لنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، التي قال فيها: "إن الولايات المتحدة لا تعتبر مصر حليفا ولا عدوا"، وهي التصريحات التي خرجت في توقيت حرج لتضع العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر ما بعد مبارك في اختبار أشد حرجا.

ضغوط اقتصادية
بعد أن ظن كثيرون أن سياسة الضغط الأميركي على القاهرة قد تحلحلت بعض الشيء إثر الإطاحة بنظام مبارك، وتتابع الدعوات الرسمية والشعبية المصرية إلى ضرورة الاستغناء عن المساعدات الاقتصادية الأميركية، خصوصا بعدما تبين مدى تواضع عوائدها الاقتصادية وتعاظم كلفتها السياسية، عاد هذا الملف مجددا ليلقي بظلاله على العلاقات المصرية الأميركية جراء الفيلم المسيء وما تمخض عنه من مظاهرات واعتداءات لم تتعرض لها السفارة الأميركية بالقاهرة من قبل.

وفي رد أميركي سريع، أوقفت واشنطن كافة الخطط والمشاريع الرامية لمساعدة الاقتصاد المصري الذي أنهكته ثورة يناير 2011 على الخروج من عثرته. فبغير مواربة، أعلنت رئيسة اللجنة الفرعية للمخصصات والعمليات الخارجية بالكونغرس كاي كراجنر المشرفة على المساعدات الخارجية الأميركية، عن تعليق صرف ١٨.٣ مليون دولار من المساعدات الاقتصادية للقاهرة بالإضافة إلى وضع شروط صارمة على أي مشروعات تمويل جديدة قد تشمل ضمان حماية الحريات الدينية، مبررة ذلك بالقول إنه "منذ سقوط مبارك ونحن بحاجة لمعرفة من نعمل معهم قبل تقديم المساعدة إلى حكومة لم تثبت حتى الآن أنها شريك للولايات المتحدة".

عاد ملف الضغوط الاقتصادية مجددا ليلقي بظلاله على العلاقات المصرية الأميركية جراء الفيلم المسيء وما تمخض عنه من مظاهرات واعتداءات لم تتعرض لها السفارة الأميركية بالقاهرة من قبل

وفي ذات السياق ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، نقلا عن مسؤولين أميركيين أن "الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة التي بدأت في القاهرة ثم عمت أنحاء العالم الإسلامي أوقفت، بشكل مؤقت المحادثات بشأن تخفيف مقترح لديون تبلغ قيمتها مليار دولار، علاوة على كيفية تسريع عملية ضخ مساعدات أخرى بالملايين لمصر، بالإضافة إلى تعليق المحادثات التي تهدف إلى كسر الجمود بشأن صرف الأموال التي تمت الموافقة عليها بالفعل"، كما اقترحت دوائر أميركية على إدارة أوباما تعليق دعمها لمساعي القاهرة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 4،8 مليارات دولار، حتى تضع الانتخابات الرئاسية الأميركية أوزارها.

وفي تصعيد مريب، عمدت جهات برلمانية وحقوقية أميركية إلى المطالبة بضرورة إضافة حزمة جديدة من الشروط لتقديم المساعدات للقاهرة استكمالا لتلك التي أضيفت عقب سقوط مبارك مباشرة والتي تمثلت في احترام اتفاقية السلام المبرمة مع إسرائيل والالتزام بالديمقراطية.

وعلى عكس ما كان مقررا بالتزامن مع زيارة الرئيس مرسي لنيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل نهاية الشهر الجاري، ألغي لقاء كان من المفترض أن يجمع الرئيس أوباما ونظيره المصري بمشاركة وفد كبير من رجال الأعمال المصريين والأميركيين.

ومن جانبها، أرجعت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية ذلك التوجه "التصعيدي والعقابي" من لدن واشنطن حيال القاهرة، إلى استياء إدارة أوباما من سوء إدارة النظام المصري لأزمة الفيلم الأميركي المسيء لنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، على نحو تجلى بداية في تأخره وتباطئه في الرد المناسب على أحداث السفارة الأميركية بالقاهرة ليوم كامل، ثم مطالبته السفارة المصرية بواشنطن بمقاضاة صناع الفيلم المسيء قبل إدانة الاعتداء على سفارات أميركا بالقاهرة وطرابلس، فضلا عن تقاعس السلطات المصرية أول الأمر عن حماية السفارة الأميركية بالقاهرة برغم التحذير المسبق من جانب دوائر أمنية واستخبارية أميركية من إمكانية حدوث اعتداء عليها وعدم تعاطي القاهرة مع تلك التحذيرات بالجدية المطلوبة، حيث لم تلجأ السلطات المصرية إلى تبني إجراءات صارمة ضد محاصري السفارة الأميركية إلا بعد مهاتفة الرئيس الأميركي لنظيره المصري بلهجة يبدو أنها خلت من الحميمية.

الرهان الخطأ
كثيفة ومتنوعة هي الاتهامات والانتقادات التي انهالت على إدارة أوباما، من داخل الولايات المتحدة وخارجها، بجريرة تخليها عن الأنظمة التي كانت موالية لواشنطن وصديقة لتل أبيب كنظام مبارك في مصر، وبن علي في تونس، والقذافي في ليبيا، وسماحها بسقوطها وصعود قوى سياسية ذات مرجعيات إسلامية إلى سدة الحكم.

فمن جانبهم، حمل الجمهوريون إدارة أوباما مسؤولية الاعتداء على السفارات الأميركية في دول الربيع العربي وما أسفرت عنه من أعمال تخريب وقتل وترويع لموظفين ودبلوماسيين أميركيين.

ففي حين جنحت إدارة أوباما للرهان على التيارات الإسلامية "المعتدلة"، في العالم العربي بعد أن كشف سقوط الأنظمة التي كانت موالية لواشنطن عن خواء الساحة السياسية العربية من قوى مدنية بمقدورها ملء الفراغ الناجم عن سقوط تلك الأنظمة، لم يتناس الجمهوريون ومناصروهم في موسكو وتل أبيب العلاقات الملتبسة والشائكة بين تلك التيارات "المعتدلة" وحركات أصولية متشددة غير منبتة الصلة بشبكات دولية موضوعة على لائحة الإرهاب، وفي مقدمها تنظيم القاعدة، بل سماح الأنظمة الإسلامية الجديدة لبعض مواطنيها المنتمين له بالعودة إلى بلادهم ومباشرة نشاطاتهم سرا.

تحت وطأة الانتقادات والضغوط والأحداث الدامية، اضطرت إدارة أوباما إلى تبني نهج أكثر صرامة حيال أنظمة الحكم الجديدة في دول الربيع العربي بغرض استرضاء الناخب الأميركي

وبدورهما، لم تتورع موسكو وتل أبيب عن تبكيت إدارة أوباما لحملها على مراجعة موقفها مما يجري في سوريا حاليا، معتبرتين أن وجهات نظرهما كانت سليمة في وصف ما تشهده الدول العربية من تحركات جماهيرية بأنه محض صحوات للتيارات الإسلامية الإرهابية لا ترقى لمستوى الثورات الشعبية الحقيقية، محذرتين واشنطن من التداعيات السلبية الخطيرة لسماحها بصعود هذه التيارات إلى الحكم في منطقة الشرق الأوسط.

وتحت وطأة تلك الانتقادات والضغوط والأحداث الدامية، اضطرت إدارة أوباما إلى تبني نهج أكثر صرامة حيال أنظمة الحكم الجديدة في دول الربيع العربي بغرض استرضاء الناخب الأميركي، وبدا ذلك جليا في محادثات أوباما الهاتفية غير الودية مع قادتها، وتهديدات إدارته بإجراءات عقابية، وإرساله قوات أميركية إلى البلدان العربية التي تعرضت سفارات بلاده فيها للاعتداء، وتشكيل لجان تحقيق أميركية مشتركة مع هذه الدول لتوقيف ومحاكمة المتورطين في الاعتداء على السفارات الأميركية بها، ووصل الأمر إلى حد تلويح وزيرة الخارجية الأميركية بإمكانية تفكير بلادها في مراجعة موقفها مما يجري في سوريا مخافة هيمنة تيارات إسلامية متطرفة على الحكم بعد الأسد. 

علاقات إستراتيجية
برغم الغيوم الكثيفة التي تلف سماء العلاقات بين واشنطن والقاهرة هذه الأيام جراء الفيلم المسيء وتداعياته، يشي تاريخ هذه العلاقات بأن التأثير المتوقع لتلك الأزمة عليها ربما يكون محدودا ومرحليا وعارضا، فرغم المطالبات الشعبية والرسمية الأميركية المتوالية بإجراءات عقابية ضد القاهرة، وكذا تصريحات الرئيس أوباما الانفعالية الصادمة بشأن طبيعة العلاقات المصرية الأميركية بعد مبارك، يبقى بمقدور الركائز الراسخة والمصالح المركبة التي تأسست عليها تلك العلاقات، والتي أكسبتها وصف "الإستراتيجية" أن تزيد من قدرتها على الصمود في مواجهة تلك العواصف الموسمية العابرة.

ولربما يستند هذا الطرح على معطيات شتى لعل أبرزها:
- يجوز القول إن الصورة النهائية للعلاقات المصرية الأميركية بعد مبارك لم تتضح ولم تكتمل كافة أبعادها بشكل تام بعد، وذلك بسبب حالة السيولة والصيرورة التي تلف المشهدين السياسيين الداخليين في واشنطن والقاهرة.

فمن جانب، لا يزال المصريون يسابقون الزمن لاستكمال بناء أركان ومؤسسات جمهوريتهم الثانية بما يمهد السبيل أمامهم لبلورة شكل نهائي واضح المعالم أو نمط متكامل للسياسة الخارجية لمصر الجديدة.

وعلى الجانب الآخر، يشحذ الأميركيون هممهم استعدادا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ربما تغير من ساكني البيت الأبيض وتبدل ملامح الكونغرس قبل انقضاء شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وهو الأمر الذي يفرض علينا تفهم السياق السياسي الذي أطلق فيه أوباما تصريحاته المثيرة، حيث يسعى منافسه الجمهوري مت رومني جاهدا لكسب تأييد اليهود الأميركيين عبر إظهار مزيد من الصرامة والتشدد حيال العالم العربي والإسلامي، لذا كان حريا بأوباما أن يظهر للأميركيين والإسرائيليين أنه ليس أقل من منافسه حرصا على ذات المقاصد من خلال إظهار شيء من الحزم إزاء الأنظمة الإسلامية الجديدة في العالم العربي توخيا لامتصاص سخط الأميركيين جراء الاعتداءات على سفاراتهم هناك، وتقليص حدة الغضب الإسرائيلي الناجم عن رفضه تبني الخيار العسكري لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي.
آن باترسون:
هناك تفهم داخل الكونغرس لأهمية العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، وأن وجود حكومة جديدة وديمقراطية جديدة في مصر يوجد بعض الصعوبات المرحلية أمام الجميع

- إقدام مسؤولين أميركيين على التخفيف من اللهجة الحادة لخطاب بلادهم التحذيري حيال القاهرة بعد أحداث السفارة. فسياسيا، حاول المتحدث باسم البيت الأبيض تدارك الموقف بعيد تصريحات أوباما الغاضبة، مؤكدا أن الرئيس الأميركي يتحدث من منظور قانوني، إذ لا توجد اتفاقية دفاع مشترك تؤطر لتحالف بين القاهرة وواشنطن على شاكلة العضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

واقتصاديا، أكد مراقبون أن الولايات المتحدة لن تقوم بعملية تقويم جذرية لسياسة تخفيف الديون عن القاهرة أو تقديم المساعدات الأميركية لها، بما يفضي إلى وضع شروط صارمة جديدة في هذا الصدد، وأن عملية التوقف أو الإرجاء الراهنة ستكون مؤقتة إلى حين تجاوز أزمة الفيلم المسيء وانقضاء الانتخابات الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وفي ذات السياق، قالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند: "نحن مستمرون في العمل مع الكونغرس بشأن دعم ما نعتقد أنه مهم لتأييد قوى الاعتدال والتغيير والديمقراطية والانفتاح في مصر، والتي تعد جبهة أساسية لهزيمة التطرف، وستقوم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بإقناع مشرعي الكونغرس بأهمية مساندة واشنطن للقادة الجدد في شمال أفريقيا والشرق الأوسط".

وبدورها، أكدت السفيرة الأميركية بالقاهرة، آن باترسون، في مؤتمر صحفي بمقر السفارة الأميركية بالقاهرة بحضور كبير مستشاري شؤون الشرق الأوسط، لاري شوارتز "أن هناك تفهما داخل الكونغرس لأهمية العلاقات بين مصر والولايات المتحدة وأن وجود حكومة جديدة وديمقراطية جديدة في مصر يوجد بعض الصعوبات المرحلية أمام الجميع، لكن العلاقات تسير إلى الأمام".

- نجاح الرئيس مرسي في الحيلولة دون تفاقم الأزمة، إذ هرع لاتخاذ خطوات فعالة لتأمين السفارة الأميركية بالقاهرة حالت دون وصول الأمور إلى ما انتهت إليه في بلدان أخرى كليبيا واليمن كما أدان أعمال العنف والعدوان التي طالت مباني دبلوماسيين وموظفين أميركيين في أي مكان، وألغت جماعة الإخوان المسلمين تظاهرة مليونية كانت قد دعت إليها احتجاجا على الفيلم المسيء للرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما تبرأت غالبية القوى السياسية والإسلامية من أعمال العنف التي طالت مبنى السفارة الأميركية، محملة المسؤولية لجهات داخلية وخارجية تريد الوقيعة بين النظام الجديد في مصر وواشنطن وتأجيج الفتنة بين المسلمين والأقباط.

وردا على ذلك، لم يتأخر مسؤولون أميركيون في الإشادة بتعاطي السلطات المصرية مع الأزمة، حيث ارتأت فيكتوريا نولاند أن المسؤولين المصريين تصرفوا بإيجابية شديدة مع أحداث السفارة الأميركية بالقاهرة، بتوفيرهم مستوى الأمن الإضافي الذي يحمي السفارة وطاقمها.

يجب أن يدرك قاطنو البيت الأبيض القادمون أن تغيرا حقيقيا قد طال أروقة الحكم في القاهرة بحيث لم يعد قرار السياسة الخارجية حكرا على فرد بعينه أو مؤسسة بذاتها

وحتى اكتمال تبلور النمط المستقر للعلاقات المصرية الأميركية بأفول العام الجاري، يظل التحدي الأبرز أمام طرفيها ماثلا في ضرورة انعتاق المصريين في نظرتهم لواشنطن من تأثير التداعيات السلبية لغابة الخبرات المؤلمة والمسارات المتعرجة التي تتقاطع مع علاقاتهم المنفردة بها، وأن يدرك قاطنو البيت الأبيض القادمون أن تغيرا حقيقيا قد طال أروقة الحكم في القاهرة بحيث لم يعد قرار السياسة الخارجية حكرا على فرد بعينه أو مؤسسة بذاتها، كما توارى ارتكان القيادة المصرية لتوسل الرضا الأميركي باعتباره بديلا عن الشرعية السياسية المنبثقة من الشعب والدستور.

الأمر الذي يفرض على القاهرة السعي لتعزيز سمت الندية وتبادل المنافع في علاقتها بواشنطن وتحرير تلك العلاقات من الاستبطان المزمن لفكرة الآخر المستعمر الساعي دائما للاستتباع والهيمنة، كما يوجب على واشنطن استيعاب انعكاسات التطور الجوهري على العلاقات مع القاهرة مستقبلا، والتفكير جديا في التخلي عن الإصرار على استتباع النظام المصري، من خلال دعم صعود تيار الإسلام السياسي، أو تقديم مساعدات اقتصادية وإسقاط ديون، أو حتى عبر ممارسة الضغوط على الحكام من خلال أوراق ربما يطالها التقادم عما قريب كحقوق الإنسان والتحول الديمقراطي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك