ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

تمر القضية الفلسطينية بواحدة من أسوأ المراحل التي مرت بها خلال العقود الماضية (نقول واحدة لأن هناك مراحل أخرى سيئة أيضا). وفي المقابل يمر الاحتلال الصهيوني بواحدة من أكثر مراحله ارتياحا على صعيد الداخل، ولولا المخاوف التي يطرحها الربيع العربي لكانت الأكثر ارتياحا واسترخاءً منذ عقود، فقد تمتع بهدوء أمني غير مسبوق منذ عام 2006 وربما 2004 بعد أن انتهت انتفاضة الأقصى عمليا بوصول المجموعة القيادية الجديدة إلى سدة القيادة الفلسطينية مع ما تعرضت له قوى المقاومة من إنهاك إثر الضربات المتلاحقة منذ ربيع عام 2002.

تنهض حالة التيه الفلسطيني الجديدة على عاملين كبيرين، تتقاسمهما الحركتان الكبريان في التاريخ الفلسطيني الحديث (فتح وحماس)، الأولى بارتكابها لجريمة أوسلو عام 1993، والثانية بتورطها في دخول انتخابات (أوسلو) عام 2006

تمكن الكيان الصهيوني في ظل هذه الحالة من الهدوء والاسترخاء من تجاوز الأزمة المالية العالمية كما لم يحدث مع أية دولة في العالم، في حين واصل سياسات الاستيطان والتهويد على الأرض دون رادع.

تنهض حالة التيه الفلسطيني الجديدة على عاملين كبيرين، تتقاسمهما الحركتان الكبريان في التاريخ الفلسطيني الحديث (فتح وحماس)، الأولى بارتكابها لجريمة أوسلو عام 1993، والثانية بتورطها في دخول انتخابات (أوسلو) صيف عام 2006، وهي الانتخابات التي سبق أن رفضت دخولها أيام الشيخ أحمد ياسين عام 1996 وفق تنظير سياسي متميز منح الحركة مصداقية عالية في الشارع الفلسطيني لم يسبق لها مثيل رغم الضربات الكبيرة التي تعرضت لها بعد ذلك وحتى عام 2000، حين اندلعت انتفاضة الأقصى بعد وصول مسار أوسلو جداره المسدود في قمة كامب ديفد صيف عام 2000.

وفي حين تمكنت فتح من ترميم صورتها بعد جريمة أوسلو بمشاركتها في انتفاضة الأقصى التي حاول من خلالها ياسر عرفات تصحيح المسار فانتهى مقتولا بالسم بتواطؤ من رفاق له في الحركة، فإن الموقف ما لبث أن عاد إلى مستنقعه من جديد عندما تسلم من تآمروا وحاولوا الانقلاب عليه مقاليد الأمور في الحركة معيدين قطار أوسلو إلى سكته التي رسمها المحتلون.

أسس أوسلو لسلطة مصممة لخدمة الاحتلال بحسب تعبير الكاتب الإسرائيلي عكيفا الدار. وكان طموح ياسر عرفات أن يتمكن من تحويل تلك السلطة إلى دولة بمرور الوقت، لكنه اكتشف بعد رحلة سبع سنوات استحالة ذلك، فالقبول بما عُرض عليه في كامب ديفد 2000 كان يعني انتحارا سياسيا، مما اضطره إلى تغيير البوصلة والانسجام مع شعبه في انتفاضة الأقصى، لكن الاحتلال كان أقوى، في ظل إصراره على الجمع بين التفاوض والحفاظ على السلطة والمقاومة في آن معا، من دون حسم الوجهة بشكل كامل، وانتهى الأمر إلى يأس الصهاينة من التفاهم معه فقتلوه بعد أن تخلصوا من أعمدة القيادة الحمساوية أيضا (الشيخ ياسين، الرنتيسي، جمال منصور، جمال سليم، إبراهيم المقادمة، إسماعيل أبو شنب، صلاح شحادة).

منذ عام 2004 عاد مسار أوسلو إلى سكته وعادت السلطة إلى عملها الأصلي كسلطة مصممة لخدمة الاحتلال، تمنحه الأمن والأمان وتريحه من الوجه القذر للاحتلال، ممثلا في إدارة السكان، وتحمل الأعباء الاقتصادية والسياسية والأمنية المترتبة على ذلك.

طبعا جاء ذلك في ظل تنظير سياسي بائس يتحدث عن "الكارثة" التي ألحقتها المقاومة المسلحة بالشعب الفلسطيني، إلى جانب التعويل على المفاوضات والضغط الدولي من أجل الحصول على دولة وفق الثوابت التي يروج لها القوم (دولة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس وعودة اللاجئين).

مضت السنوات ولم يحصل محمود عباس على الدولة العتيدة رغم التنازلات الهائلة التي قدمها في القدس مع التخلي عن عودة اللاجئين وتبادل الأراضي بما يعني بقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية (وثائق التفاوض التي فضحتها الجزيرة أثبتت ذلك كله).

رغم ذلك، لم يغير الرجل مساره، ولا يزال رغم التهويد والاستيطان واصطدام المفاوضات بالجدار المسدود، لا يزال يصر على رفض المقاومة المسلحة، مع حديث بائس عن مقاومة سلمية لا تعني كما يفهمها العقلاء اشتباكا مع جنود الاحتلال وحواجزه وعصيان مدني، بل مجرد مظاهرات موسمية لا تؤثر شيئا في المحتلين.

خلال مرحلة عباس تمت عملية توريط حماس في المشاركة في الانتخابات، وهي المشاركة التي أصرَّ عليها الأميركان وشجَّعها الإسرائيليون، ورأتها الحركة حماية لبرنامج المقاومة (اتخذ قرار المشاركة بغالبية محدودة في أطر الحركة الشورية، مع غياب لحسابات الفوز، بدليل أن قيادة حماس كانت قد أخذت مع قرار المشاركة في الانتخابات قرارا آخر بعدم المشاركة في الحكومة).

خلال هذه المرحلة كان الاحتلال قد بدأ منذ عام 2003 تنفيذ ما عُرف بخطة شارون التي سماها (الحل الانتقالي البعيد المدى)، والذي يقضي بالانسحاب من قطاع غزة (ساهم ذلك في قرار حماس المشاركة في الانتخابات)، وبعد نجاح التجربة، يتم الانسحاب تدريجيا من المناطق التي يتركها الجدار في الضفة الغربية لتكون دولة مؤقتة، وليترك التفاوض على ما يسمى قضايا الحل النهائي لسنوات طويلة، بحيث يصبح المؤقت دائما مع بعض الرتوش.

الحسم العسكري (منتصف عام 2007)، حشر حماس عمليا في قمقم قطاع غزة تاركا الضفة، والأهم مسار القضية برمته في يد محمود عباس يتحكم فيه كيف يشاء

هذا المسار انسجم معه تماما محمود عباس دون أن يعلن قبول الدولة المؤقتة، لكنه عمليا كان يمنح الإسرائيليين الأمن مقابل حصوله على سلطات الإدارة والأمن في المدن واحدة تلو الأخرى وصولا إلى ما كان عليه الحال عشية انتفاضة الأقصى، وهو ما أصبح قريبا من واقع الحال هذه الأيام.

التطور الجديد الذي حصل بعد تورط حماس في تشكيل حكومتها الأولى والثانية مع فتح هو الحسم العسكري (منتصف عام 2007)، والذي حشر الحركة عمليا في قمقم قطاع غزة تاركا الضفة، والأهم مسار القضية برمته في يد محمود عباس يتحكم فيه كيف يشاء مع استمراره في إدانة "الانقلاب الأسود" لحماس.

الحسم العسكري شرخ الساحة الفلسطينية أكثر من ذي قبل، ووضع حماس أسيرة القطاع والحصار الذي تمكنت بمرور الوقت من التعامل معه وإنشاء كيان يبدو أنه أصبح واقعا مريحا بالنسبة لبعض قياداتها السياسية في القطاع، ولاسيما بعد الآفاق الجديدة التي فتحتها الثورة المصرية من حيث إمكانية الفتح الدائم للمعبر.

بمرور الوقت أصبح قطاع غزة الذي يحافظ على الهدوء خشية الردود الإسرائيلية بعد النتائج التي انتهت إليها حرب 2008/2009، أصبح من الناحية العملية أشبه بدولة جوار كما هو حال سوريا ولبنان (بعد اليونيفيل) ومصر والأردن.

في الضفة الغربية كان وضع حماس في أسوأ حالاته من حيث استمرار الضربات الموجهة من الاحتلال ومن السلطة، أولا بعد عملية الوهم المتبدد واختطاف شاليط، وثانيا بعد الحسم العسكري وحتى الآن.

في ظل هذه الأوضاع البائسة كان الاحتلال مرتاحا، إذ لا مقاومة من الضفة الغربية، ولا مقاومة من قطاع غزة، في حين تعيش القضية ثنائيتين، الضفة والقطاع وحماس وفتح، ولا قيادة يمكنها حمل القضية نحو أفق جديد في ظل الربيع العربي الذي فتح آمالا عريضة في المدى المتوسط على الأقل لإعادة تصحيح مسار القضية والعلاقة العربية مع الكيان الصهيوني.

اليوم يمكن القول إنه لا قيادة السلطة (وهي ذاتها قيادة فتح ومنظمة التحرير) يمكنها القول إنها تمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولا حماس يمكنها ادعاء ذلك، بصرف النظر عن حجم تمثيل كل منهما لفلسطينيي الداخل والشتات (في الداخل تتقاربان كما في انتخابات 2006 التي حصلت فيها حماس على حوالي 44% مقابل 41.5% لفتح في القائمة النسبية، أما في الخارج فيصعب حسم الموقف، وإن بدت حماس في وضع أفضل بسبب انتشار الصحوة الإسلامية وحضور الإخوان في الأردن الذي يؤوي الجزء الأكبر من اللاجئين).

ما هو الحل لهذه المعضلة، معضلة وقوع القضية أسيرة المراوحة وخدمة المحتل بالحفاظ على أمنه، وبالطبع في ظل الربيع العربي الذي أشرنا إلى ما يفتحه من آفاق وفرص؟

لا حل إلا بالاعتراف بأن القضية تعاني من مشكلة قيادة، وبالتالي ضرورة العمل على إيجاد تلك القيادة بالسرعة الممكنة كي تقرر هي المسار الذي ينبغي أن يختطه الفلسطينيون من أجل إعادة الاعتبار لقضيتهم وإخراجها من عنق الزجاجة، واستثمار الربيع العربي ومعه تطورات المشهد الدولي وتراخي القبضة الأميركية على العالم، في تحقيق انتصار أولي يتمثل في دحر الاحتلال عن الأراضي المحتلة عام 67.

لإيجاد هذه القيادة لا بد من إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بحيث تغدو ممثلا لكل الفلسطينيين في الداخل والخارج عبر انتخابات حرة، مع التخلي عن فكرة المجلس التشريعي، بل تحويل السلطة برمتها إلى سلطة إدارية تدار بالتوافق في الضفة والقطاع ولا دخل لها بالشأن السياسي الذي يُترك للقيادة المنتخبة.

يشكل هذا التطور ردا على تهميش الشتات الفلسطيني واختصار أوسلو للشعب الفلسطيني بأولئك الموجودين في الضفة والقطاع، في ذات الوقت الذي يشكل فيه خروجا من مستنقع أوسلو والسلطة العاملة لصالح الاحتلال، لأن الخيار المتوقع للشعب الفلسطيني لن يغادر مسار المقاومة والانتفاضة الشاملة في كل الأرض الفلسطينية (مع التحام الشتات ومساعدة الجماهير العربية) من أجل فرض انسحاب بلا قيد أو شرط من الأراضي المحتلة عام 67 يكون مقدمة لتحرير شامل.

لا بد من قلب الطاولة في وجه مسار أوسلو برمته وإعادة الوضع إلى طبيعته في العلاقة مع المحتل، وهو ما يراد اليوم تشويهه، عبر تحويل الصراع إلى نزاع حدودي بين دولتين جارتين

سيقال إن هناك لقاءات واتفاقات تتعلق بإعادة تشكيل منظمة التحرير، وهو قول صحيح، لكن ما يريده عباس عمليا هو انتخابات المجلس التشريعي فقط في الضفة والقطاع لكي يستعيد القيادة من جديد ويضم القطاع إلى الضفة في مساره العبثي الذي سينتهي بدولة مؤقتة كما هو مخطط شارون (لن يعترف بذلك، لكنه واقع الحال، لاسيما إذا حصل على اعتراف أممي بدولة بصفة مراقب، وربما كاملة العضوية بموافقة إسرائيلية لاحقا ليغدو الصراع مجرد نزاع حدودي بين دولتين).

لا بد من مشروع متكامل لانتخابات فلسطينية في الداخل والخارج دون استثناء أي بلد (الربيع العربي سيسمح، أو يفرضه)، من أجل تشكيل القيادة الجديدة. وإلى حين تحقيق ذلك ليس أمام حماس إن أرادت الحفاظ على مصداقيتها واستعادة ما فقدته سوى دعوة فتح إلى كلمة سواء تعيد الأخيرة إلى دورها باعتبارها حركة تحرر.

والكلمة السواء هي في رأينا تحويل السلطة في الضفة والقطاع إلى سلطة إدارية (تدار بالتوافق)، مع إطلاق انتفاضة شاملة في كل الأرض الفلسطينية، الأمر الذي سيضع العالم العربي أمام مسؤولياته بضغط الجماهير ويستثمر الربيع العربي وصحوة الشعوب.

الخلاصة أننا في حاجة إلى قيادة للشعب الفلسطيني، في ذات الوقت الذي لا بد فيه من قلب الطاولة في وجه مسار أوسلو برمته وإعادة الوضع إلى طبيعته في العلاقة مع المحتل، وهو ما يراد اليوم تشويهه (شوّه بالفعل)، عبر تحويل الصراع إلى نزاع حدودي بين دولتين جارتين، وستكتمل المصيبة بعد حصول سلطة عباس على اعتراف بدولة غير عضو في الأمم المتحدة، ذلك الاعتراف الذي يراد تصويره على إنه إنجاز تاريخي (ألا يصورون مجرد طلب الاعتراف بأنه بطولة وعمل ثوري؟!). 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك