حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

مرسي وصراع التوجهات
جدلية الانتماء والهوية
فلسفة وأدوات الحركة الجديدة

يبدو أن المنطقة الأفريقية بما فيها دول الأطراف العربية مثل الصومال وجيبوتي وجزر القمر قد سقطت -ولعقود خلت- من الإدراك المصري العام سواء على مستوى النخبة الحاكمة أو مستوى الحوارات اليومية المعتادة.

ويكفي أن ننظر إلى مسألة وفاة رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي في 20 أغسطس/آب 2012 وكيف عالجها الإعلام المصري كما لو كانت حدثا عابراً لا يستحق أكثر من الإعراب عن المواساة والتعازي للشعب الإثيوبي الصديق.

ألم تنشغل أجهزة الإعلام المصرية بكافة أنواعها وتوجهاتها بقضية الإعلامي توفيق عكاشة، أو المتهم بأنه كبير البلطجية المدعو صبري نخنوخ، أكثر من اهتمامها بدلالات وانعكاسات ما يحدث في كل من إثيوبيا والصومال والسودان على الأمن القومي المصري.

لقد استبشر بعض العارفين بالشأن الأفريقي خيراً بتعيين هشام قنديل رئيسا لوزراء مصر بحسبان أنه يعيد الاعتبار لملف مياه النيل في السياسة المصرية الجديدة بعد ثورة يناير. بيد أن متابعة توجهات وممارسات حكومة قنديل تؤكد على أن مصر الجديدة لا تزال أسيرة ميراث نظام مبارك في تعامله مع قضايا الجوار الأفريقي.

ولا يخفى أن مراجعة السير الذاتية والخبرات العملية للفريق الرئاسي المصري الجديد لا تنبئ بأننا أمام إمكانية ظهور مهندس للعلاقات المصرية الأفريقية في مرحلة ما بعد مبارك.

مرسي وصراع التوجهات
إن مصر الجديدة لا يمكن أن تقبل بسياسة الانكفاء على الذات أو الخروج قليلاً بالانفتاح على غزة على الرغم من أهميته. فمطالب التغيير الجارفة في مصر الثورة تسعى لتحقيق الريادة في المواقع الجيوسياسية المؤثرة في العوالم الثلاثة الآسيوية والأفريقية والأميركية اللاتينية.

حسم الخيار الإستراتيجي لمصر بعد الثورة لابد وأن ينطلق من حديقة مصر الخلفية في أفريقيا والتي تشكل ظهيراً إستراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه

وعليه فإن عنوان التغيير القادم الذي يتعين على الرئيس مرسي المضي قدماً فيه هو التوجه جنوباً بمعناه العام، أي الجنوب الإستراتيجي الذي ينطوي على معنى أكثر شمولية عن المعنى الجزئي الذي يعبر عنه التوجه شرقاً صوب آسيا أو التوجه جنوباً صوب أفريقيا.

وأحسب أن حسم هذا الخيار الإستراتيجي لمصر بعد الثورة لابد وأن ينطلق من حديقة مصر الخلفية في أفريقيا والتي تشكل ظهيراً إستراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه. ويمكن في هذا السياق إقامة شراكة مصرية جنوب أفريقية بما يؤدي إلى إحياء خط القاهرة الكاب بعد تخليصه من مضمونه الاستعماري.

ولعل المأمول هنا هو تخطيط صانع القرار المصري لضرورة الانضمام لركب الدول الصاعدة في النظام الدولي التي تمثلها مجموعة (بريكس) وهي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.

وإذا استثنينا زيارة الرئيس مرسي لكل من الرياض وأديس أبابا يمكن اعتبار زيارته  للصين وإيران نقطة انطلاق لأجندة مصرية خارجية جديدة تقوم على مبدأ الشراكة الإستراتيجية، وهو الأمر الذي يستلزم القيام بخطوات أخرى جديدة.

فمما لا شك فيه أن النظام الدولي يتغير لصالح قوى جديدة على رأسها روسيا والصين كما يبين من السلوك التصويتي لهاتين الدولتين في مجلس الأمن الدولي بخصوص الأزمة السورية. ولعل ذلك يمثل فرصة سانحة أمام مصر للخروج من تحت عباءة التأثير الأميركي الموروث أو على الأقل دعم الموقف التفاوضي المصري في مواجهة العملاق الأميركي.

لقد استشعرت الولايات المتحدة نفسها الخطر الداهم على مصالحها الأفريقية من قبل القادمين الجدد مثل الصين وايران والهند وتركيا فانشغل عقلها الإستراتيجي بالبحث عن مخرج من خلال تبني إستراتيجية أميركية كبرى في أفريقيا خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وقد انعكس ذلك الاهتمام في الجولات الرئاسية الأميركية في أفريقيا كما حدث في جولة الرئيس كلينتون الأولى في ست دول أفريقية عام 1998، وهو التوجه الذي استمر خلال إدارة الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما.

بل إن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون سارت على نفس الدرب بقيامها بجولة أفريقية موسعة أوائل أغسطس/آب 2012 استمرت أكثر من عشرة أيام زارت خلالها دولاً مضطربة مثل جنوب السودان وأوغندا، وأخرى مهمة في تحالفات أميركا الإقليمية مثل كينيا وجنوب أفريقيا والسنغال. فهل يفكر الرئيس مرسي خارج الصندوق القديم ويقوم بجولات أفريقية مكوكية لدول مهمة في القارة السمراء لم تطأها قدم رئيس مصري من قبل؟

جدلية الانتماء والهوية
على الرغم من حقائق الجغرافيا والتاريخ والانتماء الحضاري التي تؤكد على أن مصر دولة أفريقية قبل أن تكون دولة عربية بل وأن الدعوة الإسلامية نفسها قد وصلت إلى الحبشة قبل أن تصل إلى المدينة المنورة، فإن مصر لا تزال تشهد صراعات في الرؤى والهويات.

وأظن أن اختزال الانتماء المصري في المكون العروبي فقط أمر لا يستقيم مع تعدد المواريث الحضارية التي أسهمت في تأسيس  الشخصية المصرية منذ القدم.

واللافت للانتباه أن قضية الانتماء الأفريقي لمصر لم تثر أي حوار مجتمعي في عملية وضع الدستور الجديد الذي وقع أسير رؤى وانقسامات حزبية وطائفية ضيقة حولت الجدل العام إلى مجرد اختلافات بين التيارات الإسلامية والعلمانية.

إن على مصر الجديدة بزعامة الرئيس مرسي أن تبتعد عن تبني سياسات "الأفرقة" أي إضفاء الطابع الأفريقي -تجملاً- على توجهات مصر الخارجية لأن ذلك يستبطن في حقيقته التمايز الثقافي والحضاري المصري مقارنة بالدول الأفريقية الأخرى غير العربية ومآلات سياسات الأفرقة غير محمودة العواقب.

أفضت سنوات الانكفاء المصري الطويلة على الذات والابتعاد عن المحيط الأفريقي إلى إحداث قطيعة تاريخية بين العرب والأفارقة رسختها مجموعة من الصور الذهنية السلبية

إننا في مصر جزء من عوالم متعددة  أبرزها كما عبرت عنها مصر الناصرية الدوائر الثلاثة: العروبة والأفريقانية والإسلام. وعليه فإن أفريقانية التوجه المصري تعبر عن أصالة الانتماء والهوية وتجعل مصر جزءا لا يتجزأ من محيطها الأفريقي الطبيعي.

لقد أفضت سنوات الانكفاء المصري الطويلة على الذات والابتعاد عن المحيط الأفريقي إلى إحداث قطيعة تاريخية بين العرب والأفارقة رسختها مجموعة من الصور الذهنية والأنماط الجامدة السلبية المتبادلة بين الشعبين العربي والأفريقي.

فلننظر على سبيل المثال كيف يتم تصوير كل من العربي والأفريقي في المقررات الدراسية السائدة. ولعل ما يعبر عن هذه الحالة المأساوية التي وصل إليها الإدراك الشعبي المتبادل هو ما ذهبت إليه إحدى الصحف الرياضية المصرية في احتفالها بفوز أحد الأندية المصرية على منافسه الأفريقي حيث جاء العنوان صادماً "انتصار الفراعنة على عبيد أفريقيا".

ولا شك أن التعامل مع هذا الموروث السلبي يحتاج إلى مبادرات شجاعة وإرادة سياسية ومشاركة مجتمعية بما يعني تضافر كل الجهود لدعم الانتماء الجنوبي لمصر. وأحسب أن على رأس الأولويات هو تبني خطاب إعلامي وثقافي جديد تجاه أفريقيا، والنظر إليها من الداخل وليس باعتبارنا كياناً خارجياً ومتمايزاً عنها.

فلسفة وأدوات الحركة الجديدة
لقد آن الأوان أن يميط الرئيس مرسى اللثام عن وجه مصر الأفريقي ويقود بنفسه عملية بناء المشروع الإستراتيجي المصري في القارة الأفريقية. ولعل ذلك يتطلب مبدئياً إحداث تغييرات جوهرية على فلسفة وبنية مشروع النهضة الذي تبناه الرئيس مرسي وحزب الحرية والعدالة لبناء مصر الجديدة حيث إن البعد الأفريقي فيه يتسم بالغموض الشديد.

وأحسب أن مداخل الإصلاح التي يتعين تبنيها في انطلاق المشروع النهضوي المصري في بعده الأفريقي متعددة، ولكن يمكن التركيز على أربعة مداخل أساسية على النحو التالي:

المدخل الفكري والقانوني: إذ يتعين على إدارة الرئيس مرسي تبني رؤية فكرية وفلسفية واضحة حول علاقات ومصالح مصر الأفريقية بما يضمن بناء إستراتيجية كبرى في مصر في محيطها الأفريقي، حيث يكون معلوما ماذا تريد مصر من أفريقيا وماذا يريد الأفارقة من مصر في إطار شراكة جديدة تقوم على الاحترام وتبادل المنافع.

ويرتبط بذلك ضرورة إحداث تعديلات في بنية التشريعات والقوانين المعوقة للتوجه المصري جنوباً. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى القوانين التي تحكم قبول الطلاب الوافدين من أفريقيا أو التبادل الثقافي والتعليمي بين الجامعات المصرية والأفريقية الأخرى.

المدخل المؤسسي: حيث يرتبط بالرؤية والفلسفة الجديدة عملية إصلاح مؤسسي على نطاق واسع في كافة الأجهزة الحكومية وغير الحكومية المعنية بالحركة المصرية في أفريقيا. ولتحقيق قوة الدفع اللازمة ينبغي إنشاء هيئة عليا للشؤون الأفريقية تكون تابعة لرئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء المصري. أضف إلى ذلك أن تتولى الدبلوماسية المصرية -وهي ذات تاريخ عريق- مسؤوليتها التاريخية في إدارة الملفات الأفريقية المرتبطة بالأمن القومي المصري بعد أن استحوذت عليها أجهزة الأمن والاستخبارات لفترات زمنية طويلة.

المدخل الإعلامي والثقافي: إذ لا يخفى أننا بحاجة إلى خطاب إعلامي وثقافي جديد لإعادة الاعتبار للدور المصري في أفريقيا ولتوعية المواطن العادي وحتى صانع القرار بأهمية القضايا الأفريقية لمصر. ولا شك أن هذا الخطاب الجديد يتحمل مسؤولية تصحيح الرؤى والصور الذهنية السالبة التي أثرت على مسيرة التواصل الحضاري بين مصر وأفريقيا.

ربما تكون مصر دولة فقيرة في مواردها المالية لكنها غنية بمواردها البشرية والطبيعية ومصادر قوتها الناعمة، وهي كلها مداخل مهمة لتحقيق الرؤية المصرية الجديدة في أفريقيا

المدخل الشعبي: والذي يضمن تضافر الجهود الحكومية جنباً إلى جنب مع مؤسسات المجتمع المدني لاستعادة وجه مصر الحضاري في أفريقيا. ولا يخفى أن كثيرا من المبادرات المصرية السابقة المتعلقة بالتكامل الاقتصادي مع السودان أو التعاون مع دول حوض النيل لم تحقق النجاح المطلوب بسبب غياب هذا البعد الشعبي في حركة مصر الخارجية.

ربما تكون مصر دولة فقيرة في مواردها المالية لكنها غنية بمواردها البشرية والطبيعية ومصادر قوتها الناعمة، وهي كلها مداخل مهمة لتحقيق الرؤية المصرية الجديدة في أفريقيا. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى أهمية إعادة النظر في كل من مؤسستي الأزهر والكنيسة من أجل استعادة دورهما التاريخي في أفريقيا، كما أن القاعدة العلمية المصرية في كافة التخصصات والمجالات يمكن أن تكون وسيلة للتأثير على عقول وقلوب الأفارقة تجاه مصر.

إن الرئيس مرسي "الأفريقي" بحاجة إلى تقديم أوراق اعتماده أفريقياً في ثلاث مناطق أساسية هي: السودان بدولتيه وباقي دول حوض النيل، لما لهذه المنطقة من أهمية أمنية وإستراتيجية مرتبطة بملف مياه النيل والأمن القومي المصري، والمنطقة الثانية هي تجمع غرب أفريقيا الذي يضم أكبر كتلة إسلامية في أفريقيا، وهو ما يشير إلى الارتباط الثقافي والحضاري بين مصر وهذه المنطقة، أما المنطقة الثالثة فهي الجنوب الأفريقي بما تمثله من دلالات حول مشروع النهضة الذي أسس له الرئيس السابق ثابو مبيكي.

فهل يفعلها الرئيس محمد مرسي ويزور جوبا والخرطوم، ويتجه غربا إلى جزيرة جوريه في السنغال حيث يعلن رفضه للممارسات الاستعمارية وتضامنه مع أبناء أفريقيا في نضالهم ضد الاسترقاق والاستغلال الغربي، ثم ينهي جولته بزيارة تاريخية للرئيس نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا لتأسيس مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الجنوب أفريقية. لا شك أن ذلك كله سوف يظل حلماً مشروعاً لكل مصري بعد ثورة يناير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك