نادية سعد الدين

نادية سعد الدين

باحثة وأكاديمية

تؤشر المظاهرات الشعبية العارمة في الضفة الغربية المحتلة ضد ارتفاع الأسعار وتضخم الضرائب لمسارات التحرك المحتملة داخل الساحة الفلسطينية، إزاء انسداد الأفق السياسي وتعثر خطوات المصالحة، ووسط أزمة اقتصادية خانقة وليدة الاحتلال الإسرائيلي والاحتكام لتجليات أوسلو المجحفة والارتهان لسياستي صندوق النقد والبنك الدوليين.

وترتبط مؤشرات التحرك بمفاعيل المضمون والمسار والقاعدة الجماهيرية، بينما يدخل في محدداته عناصر الاحتلال والسلطة والقيود الخارجية. فإذا كان الحراك الشعبي قد أخذ بناصية "الغلاء" عنواناً للتظاهر، فإنه لم يتوقف عنده، حيث انتفض المحتجون، سواء منهم المتظاهرون أم المعبّرون عن استيائهم بأشكال ووسائل أخرى مثل شبكة التواصل الاجتماعي أم أولئك الذين لجؤوا إلى أسلوب مغاير للتعبير حينما أحرق شاب نفسه على شاطئ غزة وحاول آخران الأمر ذاته في الضفة.

وذلك بعدما بلغ الحال سوءاً خطيراً، أمام عجز السلطة الفلسطينية عن مواجهة التزاماتها المالية وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات، وتفشي البطالة والفقر والإغراق في الديون والقروض والأنماط الاستهلاكية، وتضرّر القطاع الخاص، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، ونقص السيولة وتراكم العجز واعتماد المؤسسات على تبرعات المانحين.

تأتي تلك التحركات ضمن مسار ثوري للتغيير، حتى وإن اتسم بالبطء تارة، وبالخمود والسكون طوراً، قياساً بالفترة الطويلة الواقعة بين مارس/آذار 2011 حينما شهدت الأراضي المحتلة مظاهرات مطالبة بإنهاء الاحتلال، وبين مطلع العام الحالي

وقد دفع هذا الوضع المتردي بالمحتجين والمتظاهرين لرفع سقف مطالب "التغيير" بصورة غير مسبوقة، لتشمل مقعد رئيس الحكومة بالرحيل، وتحميل سياسته، التي استقر عليها خمس سنوات متتالية، منها تسع سنوات وزيراً للمالية، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.

ولم يكن ذلك الحراك وليد الساعة، وإنما تمتد أصوله إلى مطلع العام الحالي حينما نزل المتظاهرون إلى الشارع ضد قانون الضرائب الذي تراجعت الحكومة عن تنفيذه، بينما علت أصوات مسيرتين جابتا مدينة رام الله في نهاية يونيو/حزيران والأول من يوليو/تموز الماضيين للتظاهر ضد زيارة كانت مقررة لنائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شاؤول موفاز قبيل استقالة حزبه "كديما" من الحكومة، وللتنديد بسياسة القمع الوحشي والاعتقالات التعسفية، وذلك قبل الاعتداء عليهما من جانب قوات الأمن ومكافحة الشغب التابعة للسلطة الفلسطينية.

وتأتي تلك التحركات ضمن مسار ثوري للتغيير، حتى وإن اتسم بالبطء تارة، وبالخمود والسكون طوراً، قياساً بالفترة الطويلة الواقعة بين مارس/آذار 2011 حينما شهدت الأراضي المحتلة مظاهرات مطالبة بإنهاء الاحتلال، وبين مطلع العام الحالي دون تجاوز تحركات شعبية تمت خلالهما، بما يجعله مرشحاً للاستمرارية حتى وإن تمكنت الحكومة من إخماد وتيرته بإجراءات شكلية ولقاءات موسعة لامتصاص النقمة الشعبية، كما حدث سابقاً مع قانون الضرائب، فما لم يتم إحداث تغيير جذري في السياستين الاقتصادية والسياسية فإن البيئة الحاضنة للتصعيد ستظل قائمة.

ولا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يشكل عنصراً أساسياً في الأزمة الحالية عبر استعماره فلسطين، وسيطرته على مواردها الطبيعية، وتحكمه بمفاتيح الاقتصاد وهيمنته على قطاعه، وتحكمه في المعابر والحدود والتجارة الخارجية، وحرية الحركة والتنقل وشل الحياة في الضفة الغربية بالجدار العنصري والطرق الالتفافية والمستوطنات المترامية ومحاصرة قطاع غزة وعزل مدينة القدس وحرمان السلطة من عائداتها السياحية وضرب حركتها التجارية، والسيطرة على 62% من مساحة الضفة في المناطق المسماة "ج"، رغم أن الإمكانيات الاستثمارية موجودة فيها وأيضا المياه والزراعة والصناعة وغيرها، في حين أن السلطة محاصرة في منطقة "أ" وهي مساحة المدن والقرى والمخيمات، بحيث بات الاحتلال يستخدم فلسطين "كحديقة خلفية" له يوظفها متى شاء وكيفما أراد، بما يخدم مصالحه الاقتصادية والأمنية.

وتكمن الإشكالية هنا في اتفاق أوسلو (1993)، الذي قاد إلى خلق مأزق متراكم، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله، أو لاختلال موازين القوى لصالح الاحتلال فقط، وإنما، أيضاً، لإصرار الأخير على تحكيم هذا الخلل في عملية فرض تسوية لا تحقق الحدّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية المشروعة في التحرير وتقرير المصير، مما أحدث مأزقاً حرجاً ومساراً تفاوضياً متعثراً حيناً وجامداً أحياناً كثيرة، وأوضاعاً متدهورة في الأراضي المحتلة، وأذرعاً اقتصادية احتلالية مؤطرّة بمرجعية اتفاق باريس الاقتصادي (عام 1994) الذي كان من المفترض أن يبلغ عمره الافتراضي مع انتهاء المرحلة الانتقالية عام 1999، وأن يعاد تقييمه كل ستة أشهر، إلا أن كلا الأمرين لم ينجز قط.

أسفر تراجع دعم المانحين والإجراءات الإسرائيلية وبعض السياسات الحكومية الفلسطينية، عن عجز مالي بلغ 1.3 مليار دولار، في حين أدت سياسة الأخيرة، بالتشاور مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى رفع الضرائب وتجميد الحوافز المالية

أدى ذلك، بطبيعة الحال، إلى تراكم أوضاع اقتصادية متدهورة عبر السنوات، حتى بلغت حداً خطيراً، حيث تراجعت نسبة النمو في الأراضي الفلسطينية من 9% عام 2010 إلى 3% عام 2011، علماً بأن النمو الاقتصادي في الأعوام السابقة كان نتيجة المساعدات الدولية وليس بسبب القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، في حين وصلت البطالة في الضفة إلى 20% وفي غزة 40%، وبلغ الفقر 30% و47% على التوالي، حيث لا يتعدى دخل الفرد الفلسطيني 800 دولار في غزة و1300 دولار في الضفة الغربية، مقابل 30 ألف دولار في الكيان الإسرائيلي، بما يكشف الفجوّة بين الأسعار وحجم المداخيل، في ظل مجتمع تشكل فئة الشباب فيه النصف، حيث تحتاج السلطة إلى توفير مليون وظيفة خلال 6 و7 سنوات قادمة لاستيعاب حجم الخريجين المتزايد.

وقد أسفر تراجع دعم المانحين والإجراءات الإسرائيلية وبعض السياسات الحكومية الفلسطينية، التي تحتاج إلى مراجعة، عن عجز مالي بلغ 1.3 مليار دولار، في حين أدت سياسة الأخيرة، بالتشاور مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى رفع الضرائب وتجميد الحوافز المالية المعطاة من خلال قانون تشجيع الاستثمار، واستفحال الغلاء الذي شمل السلع الغذائية الأساسية وأسعار الطاقة والمحروقات، وتضخم فاتورة كبيرة على القطاع العام بمبلغ 4 مليارات دولار، وفق تقديرات اقتصادية، تشكل نتاج تراكم مستحقات للقطاع الخاص وصندوق التقاعد الفارغ والاستدانة من البنوك وحجم ديون كفلتها السلطة من بعض الصناديق والدول المانحة.

لقد زاد خلال الآونة الأخيرة تأثير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على السياسة الاقتصادية الفلسطينية متجلياً في نواتج المشهد الفلسطيني الراهن، والخلل في هيكلية الموازنة العامة للسلطة، حيث يذهب 34% من إجمالي 3.6 مليارات دولار للأمن، بينما يتوزع الباقي على القطاعات الأخرى الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية، أي على حساب تطوير البنية التحتية والحفاظ على النسيج المجتمعي وزيادة المشاريع الموّلدة لفرص العمل والمؤمنة لقاعدة إنتاجية واسعة.

وهذه العقيدة الأمنية، الاستثنائية لسلطة تحت الاحتلال، تشمل حماية أكثر من نصف مليون مستعمر في 180 مستوطنة، وتأمين مستلزمات التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، وملاحقة عناصر المقاومة، وتوفير متطلبات الجنرال الأميركي وعناصره في الضفة الغربية المحتلة.

لأن الوضع الاقتصادي ليس بمعزل عن الوضع السياسي المأزوم، فقد قررت القيادة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة بطلب الاعتراف "بدولة غير عضو" في المنظمة الدولية، رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ولكنه لن يحل المشكلة جذرياً

قد تكون السلطة عاجزة عن إدارة الشأن الداخلي تحت الاحتلال، ومكبلة بقيود أوسلو واتفاق باريس وسياستي صندوق النقد والبنك الدوليين، في ظل ابتزاز المال السياسي الأميركي، في وقت تهدد فيه واشنطن بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية المقدرة بنحو 475 مليون دولار سنوياً إذا ذهبت إلى الأمم المتحدة لطلب العضوية غير الكاملة، أي "دولة غير عضو"، في المنظمة الدولية، ولكنها مستعدة لضخ 100 مليون دولار في الضفة الغربية لإشاعة أجواء التعددية والديمقراطية، عبر خبرائها الأجانب، وإجراء الانتخابات المحلية التي تنشغل السلطة حالياً بالتحضير لها في الضفة دون القدس وغزة..

بينما الدعم المالي، في أغلبه، مسيّس ومشروط بأجندات لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، تماشيا مع سياسة الاحتلال الذي يريد الإبقاء على التبعية الاقتصادية والسياسية الفلسطينية لكيانه المحتل، ويسارع في خطوات فرض الأمر الواقع لمنع قيام الدولة الفلسطينية المتصلة والمستقلة، ذات الاقتصاد المستقل.

غير أن حكومة رام الله، التي تصمّ آذانها عن مطالب الحراك الجدية بذريعة محدودية الخيارات جراء الوضع المالي الصعب ما لم تصل المساعدات والتمويل، تستطيع القيام بإجراءات تساهم في تجفيف حالة الارتهان لسياسة البنك وصندوق النقد الدوليين وتحافظ على استقلالية الاقتصاد الفلسطيني وتلبي المطالب المحقة للمحتجين والمتظاهرين، وذلك عبر الأخذ بجملة حلول شعبية وطنية ونقابية، قدرت أوساط اقتصادية خبيرة تكلفتها بثمانية ملايين دولار شهرياً تقريباً، مثل إلغاء اتفاق باريس وضبط التسرب الضريبي الذي يكلف خزينة السلطة سنوياً أكثر من 250 مليون دولار..

وذلك إلى جانب توسيع قاعدة الاستيفاء الضريبي، الذي تستثنى منه شرائح وفئات منتجة، والتراجع عن فرض ضرائب جديدة على المواطنين والمستثمرين، ووقف التقشف، وإلغاء زيادة الأسعار، وإعادة توزيع الموازنة، وتمكين القطاع الخاص، وإعادة النظر بالاتفاقيات المجحفة بحق الفلسطينيين وعدم التعاطي مع سياسة الأمر الواقع التي يفرضها الاحتلال، وحث المانحين على دفع التزاماتهم المالية.

ولأن الوضع الاقتصادي ليس بمعزل عن الوضع السياسي المأزوم، فقد قررت القيادة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف "بدولة غير عضو" في المنظمة الدولية، رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ولكنه لن يحل المشكلة جذرياً..

لأن الحال السيئة لا تصيب سوى الفئات المجتمعية الفقيرة والمهمشة، وربما تقارب الطبقة المتوسطة الآخذة بالتآكل في المجتمع الفلسطيني لصالح الانضواء في إطار الفقراء والمعوزين،  فإن النقمة الشعبية آخذة في التنامي

فالمسعى الأممي لن يقيم الدولة، ولن يضمن انضمامها إلى الأمم المتحدة، ولن يضيف الكثير من الامتيازات المتحصلة راهنا لمنظمة التحرير، كما سيكون مجرد قرار آخر غير ملزم، ما لم تضغط الإدارة الأميركية على دول تعترف بدولة فلسطين لعدم التصويت لصالح القرار عند طرحه، بينما تنذر الأزمة الاقتصادية بالزيادة، حيث لا تعتبر حديثة العهد وإنما نتيجة سياسات متواصلة طيلة السنوات الأخيرة، وقد تجد الحكومة نفسها عاجزة عن أي حل جذري، في ظل سياستها المنتقدة التي ترتكن إليها، والمرجعية الخارجية التي تحتكم لها.

ولأن الحال السيئة لا تصيب سوى الفئات المجتمعية الفقيرة والمهمشة، وربما تقارب الطبقة المتوسطة الآخذة بالتآكل في المجتمع الفلسطيني لصالح الانضواء في إطار الفقراء والمعوزين، وتستثنى منها الفئة "المستحدثة" من الأغنياء والمتنفذين وطلاب المال والسلطة على حساب الغالبية العظمى من الشعب، فإن النقمة الشعبية آخذة في التنامي، أمام الفساد والمحاباة وسرقة المال العام وتفاوت الفرص لصالح الواسطة والمحسوبية والتحكم بسياسة التعيينات في المناصب الحكومية العليا، وتهميش السلطتين التشريعية والقضائية، وإضعاف النظام السياسي وتداخل السلطات، وليس فصلها، والتغول الأمني..

وذلك كله في ظل الاحتلال وغياب الكيانية الوطنية السيادية والمستقلة، وتكرّس الانقسام، وتفتت التجمعات السكانية بفعل الاستيطان والطرق الالتفافية والجدار العنصري والانفصال الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

إذا كان الحراك الشعبي قد قارب منتصف "ربيع فلسطيني" آتٍ بمحركات دفع سياسية واقتصادية احتلالية حاضرة، في زمن ثورات التغيير ومطالب الإصلاح، ما لم تجهضه محددات فلسطينية وإجراءات إسرائيلية وقيود خارجية، فإن ربيعه لن تكتمل دورته إلا بدحر الاحتلال وعودة اللاجئين الفلسطينيين وتقرير المصير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك