ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني



نتابع يوميا سيلا من التصريحات المتعلقة بالثورة السورية (الأزمة بحسب التعبير الدبلوماسي السائد)، يتطوع بإطلاقها حشد من الدبلوماسيين الأميركان والغربيين، وهو ما يثير حيرة المراقب العادي وأسئلته بشأن حقيقة موقف الغرب من الثورة السورية، لاسيما أن صراخ البعض وترديدهم لحكاية المؤامرة لا يكاد يتوقف.

بين يوم وآخر نسمع أحدهم يقول إن التدخل العسكري ضرورة، بينما يتطوع آخر برفض الفكرة، وثالث يقول إن الأمر قابل للتفكير، وهكذا دواليك.

يدينون المجازر بشكل شبه يومي ويكررون أن على النظام السوري أن يرحل، ثم يتحدثون عن الخلاف مع الموقف الروسي، لكنهم لا يقدمون أي شيء للثورة مما يمكن تقديمه دون قرار من مجلس الأمن، ذلك الذي يُتخذ ذريعة لرفض التدخل في الشأن السوري، الأمر الذي يمنح النظام فرصة الاستمرار في سياسة القتل والتدمير اليومية.

يذرف مسؤولون غربيون دموع التماسيح على الضحايا السوريين، ثم يشرعون في استعراض ما قدموه من دعم لهم. وحين تستمع إليهم لا يخطر ببالك غير أن تقول لكل واحد منهم "تبا لك، أهذه مساعدات تستحق الذكر؟!"

يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارات يقول إنها تشدد العقوبات على نظام دمشق، في حين يعلم الجميع أنها لا تؤثر كثيرا عليه في ظل الدعم الإيراني السخي، ومعه الروسي، فضلا عن أن سياسة العقوبات هذه لم تجد نفعا مع إيران وقبلها العراق لكي تكون فاعلة في سوريا في ظل خطوط الإمداد الكثيرة، من دون أن يعني ذلك أنها لم تؤثر على الوضع الاقتصادي الذي يعاني الاختناق بفعل الكلفة الباهظة للمواجهة مع الثورة.

يذرف مسؤولون غربيون دموع التماسيح على الضحايا السوريين، ثم يشرعون في استعراض ما قدموه من دعم للسوريين. وحين تستمع إليهم لا يخطر ببالك غير أن تقول لكل واحد منهم "تبا لك، أهذه مساعدات تستحق الذكر؟!"، وهي التي لا تتعدى بضع عشرات من الملايين من الدولارات التي يسمع الناس بها ولا يرونها مع بعض أجهزة الاتصال كما يتردد دائما، وهي أجهزة تستخدم للمراقبة أكثر منها لدعم الثوار.

في ظاهر المواقف الغربية هناك قدر من التعاطف اللفظي، وهناك بعض فتات الدعم الذي يذهب الجزء الأكبر منه إلى اللاجئين (ما دفعته دول أوروبية لا يساوي أحيانا ما دفعه واحد من كبار المحسنين العرب للاجئين)، وهناك انتقاد دائم للمواقف الروسية والصينية والإيرانية وتحذير من استمرار الدعم العسكري (لاسيما الإيراني) مع إشارات لطبيعة ذلك الدعم وحجمه ونقاط مروره، وتحذير من بعضها كما هو حال الممر العراقي، لكن باطن تلك المواقف يبدو مختلفا إلى حد كبير، فثمة رفض قوي لأي شكل من أشكال التسليح الذي يعين الثورة على الحسم وليس مجرد الصمود.

لا نعني هنا بالرفض، رفض تزويد الثوار بالسلاح، بل عدم السماح للجهات الداعمة للثورة بتزويدها بالسلاح أيضا، أي أن هناك فيتو غربي على رفع سقف التسليح، وهذا الفيتو يكبل يد تركيا ويد بعض العرب أيضا، لأن أيا من هؤلاء لا يريد تحمل المسؤولية وإغضاب واشنطن والغرب.

لا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يضاف إليه التركيز المفرط على مسألة الجهاديين في الثورة السورية. فبينما يتحدث العارفون عن نسبة لا تتجاوز خمسة في المائة في أعلى التقديرات (وهم مقاتلون متدينون ينتمي بعضهم للتيار السلفي الجهادي)، تصر الدوائر الغربية على رفعها إلى حد مذهل، حتى وصل الحال بجراح فرنسي إلى حد القول لوكالة رويترز إن نصف من عالجهم في حلب كانوا من الجهاديين.

ولا تكاد وسائل الإعلام الغربية تخلو في أي يوم من تقارير تركز على هذا الجانب، وبالطبع في سياق من تبرير رفض الدعم، بل في سياق من التخويف من الثورة ومآلاتها أيضا.

هناك إلى جانب ذلك العمل الاستخباري اليومي الذي تقوم به الأجهزة الأميركية والبريطانية لاختراق المجموعات العاملة في الثورة بدعوى تدريبها وتأهيلها لمرحلة ما بعد الأسد، وهناك بعض الاستقطابات التي تحول دون تشكيل قيادة موحدة للكتائب العاملة على الأرض، فكلما تحاور الغربيون مع ضابط كبير وأشعروه بالدعم "كبر رأسه" وفق التعبير الدارج وأصبح يتحدث كأنه زعيم الثورة.

هناك أيضا ذلك التركيز المفرط على مسألة السلاح الكيمياوي، وربما دخل هذا في الجانب المعلن من الدبلوماسية الغربية الذي يفضح عمليا نوايا الغرب حيال الثورة، والذي يركز على حماية الكيان الصهيوني أكثر من حماية الشعب السوري من المجازر والتدمير

في هذا السياق يأتي الإصرار الفرنسي على سبيل المثال على إيجاد دور لمناف طلاس رغم أنه لا يبدو أن هناك أحدا مقتنعا به في دوائر الثورة، مع أن الأمر لا يتعلق بشخصه، وإنما بعموم التدخلات التي تأتي بنية الاختراق أكثر من نية مساعدة الثوار.

هناك أيضا ذلك التركيز المفرط على مسألة السلاح الكيمياوي، وربما دخل هذا في الجانب المعلن من الدبلوماسية الغربية الذي يفضح عمليا نوايا الغرب حيال الثورة، والذي يركز على حماية الكيان الصهيوني أكثر من حماية الشعب السوري من المجازر والتدمير.

هذا هو البُعد الأهم، الذي تحدثنا عنه عشرات المرات، أعني البعد المتعلق بالمصلحة الصهيونية التي تركز على أسئلة المستقبل المتعلقة بسوريا، وحيث لا يريد الصهاينة مما يجري غير إطالة أمد المعركة من أجل تدمير البلد وإشغاله بنفسه لعقود.

لو أرادت واشنطن تغيير الموقف الروسي والصيني لما أعجزها ذلك، ولو أرادت مد الثورة بالأسلحة التي تعين على الحسم لما احتاجت إلى قرار من مجلس الأمن، ولكن مصلحتها في استمرار الوضع، أعني مصلحة الكيان الصهيوني التي تحكم قرار السياسة الخارجية في الولايات المتحدة.

من هنا يمكن القول إن تحولات موقف واشنطن والغرب مرتبطة بقراءتهم لتطورات الوضع على الأرض، إذ إن إمكانية تدخلهم المباشر في اللحظات الأخيرة للسيطرة على الأمور ليست مستبعدة، اللهم إلا إذا فاجأتهم الثورة بحسم سريع، أو فاجأهم النظام بانهيار مماثل أيضا.

لذلك كله تشعر بالازدراء من تلك الأصوات التي لا تزال تتحدث عن "المؤامرة الكونية" على نظام المقاومة في سوريا، لأن المؤامرة الحقيقية هي على سوريا بنية تدميرها. ومن يدمرها هو المسؤول وليس الشعب الذي خرج يطلب الحرية ويردد "سلمية"، "سلمية"، قبل أن يتساقط الآلاف من أبنائه شهداء في الشوارع والساحات، الأمر الذي اضطره إلى الدفاع عن نفسه بحمل السلاح.

المصدر : الجزيرة