غازي التوبة

غازي التوبة

أكاديمي وكاتب فلسطيني



يعاني المناخ الثقافي الإسلامي اضطراباً في التعامل مع مفهوم "العالم" فهو يرفع مشايخ ويخفض آخرين دون معايير موضوعية، ويطلق لقب "العلامة" يميناً ويساراً على من يستحق وعلى من لا يستحق دون أية ضوابط علمية.
 
ويمكن أن نمثل على هذا الموضوع بالدكتور سعيد رمضان البوطي فهو شيخ سوري تخرج من الأزهر، واستلم عمادة كلية الشريعة في جامعة دمشق في وقت سابق فقد رفعه بعض أتباعه إلى مقام عال واعتبروه عالم العصر، ووليّاً ومن الأولياء، وخفضه آخرون.

ونحن حتى نخرج من هذه المواقف الجانحة، سنحاول أن نستخلص بعض المعايير الموضوعية التي تحدد صورة العالم وصفاته معتمدين على المصادر الشرعية من جهة، والتجربة التاريخية من جهة ثانية، ثم سنحاول أن نحكم على الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ونعطيه مكانته الحقيقية.

لقد أعلى الإسلام من شأن العلم لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم "من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما صنع. وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض. حتى الحيتان في الماء. وفضل العالم على الطالب كفضل القمر على سائر الكواكب" (رواه أبو داود والترمذي).

وكانت أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم هي "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم"، (العلق، 1-5).

من مقتضيات الربانية البعد عن الحكام، وعدم الدخول عليهم، وعدم أخذ الأموال والهدايا منهم

وقد أقسم الله تعالى بالقلم الذي هو أداة الكتابة، وهذا دليل على شرف هذه الأداة وعظمتها فقال تعالى "ن والقلم وما يسطرون" (القلم، 1) وأمر الله تعالى رسوله أن يطلب زيادة العلم، فقال تعالى "وقل ربي زدني علماً"، (طه، 114).

وحث القرآن الكريم على التدبر فقال تعالى "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها"، (محمد، 24)، وحث على التفكر فقال تعالى "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، (الزمر، 42)، كما أمر سبحانه وتعالى بالنظر والاعتبار بأحوال الأمم السابقة فقال تعالى "قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين" (الأنعام، 11).

لقد احتوى القرآن الكريم والأحاديث النبوية عشرات الأحاديث والآيات التي تمجد العلم، وتحض على التفكر والتدبر والزيادة من التعلّم، وتعطي أجر المتعلم، ولقد شكل هذا السيل من الآيات والأحاديث ظاهرة العلماء في الأمة، وأصبحت الأمة تقاد بقيادتين هما "قيادة الأمراء"، و"قيادة العلماء".

وقد لعبت "قيادة العلماء" دوراً أساسياً في كيان الأمة الإسلامية، فهي التي عملت على توحيد الأمة من خلال دورها الثقافي والشرعي، وعملت على التصدي لأخطاء الحكام وتجاوزاتهم، وعملت على إكمال تقصيرهم وقصورهم في أحيان كثيرة.

والآن، على ضوء ذلك فما أبرز الصفات التي تؤهل المسلم لكي يكون عالماً في وقتنا الحالي؟ هناك عدة صفات من أهمها أن يكون ربانياً، وأن يكون منحازاً إلى الأمة مهتماً بقضاياها، متفاعلاً مع مشاكلها. وأن يكون عالماً بالقرآن والسنة والفقه والسيرة والتاريخ. وأن يكون عالماً بالعلوم التي نشأت حول تلك المحاور من أصول الفقه ومقاصد الشريعة والبلاغة وعلوم مصطلح الحديث. وأن يكون عالماً بالحضارة الغربية نشأة وتطوراً وتاريخاً وأزمة، وأن يكون مبدعاً في أحد مجالات الفقه أو الشريعة أو الحديث أو علوم القرآن.

ونحن سنوضح الصفتين الأوليتين اللتين يجب أن يتصف بهما العالم وهي: الربانية، والانحياز إلى الأمة، ثم سنرى إلى أي حد حققهما الدكتور محمد سعيد البوطي.

الأولى: الربانية:
تقتضي الربانية أن يطبق العالم تعاليم الإسلام على ذاته وأهله، فيكون معظماً لله وحده، خاضعاً لله وحده، محباً لله أكثر من كل محبوبات الدنيا، خائفاً من نار الله، راجياً جنة الله، مطبقاً لسنة رسول الله، متوخياً الحلال في كل ما يكسب، مبتعداً عن الحرام والمتشابهات، داعياً إلى الله في كل أحواله وأوقاته.

ومن مقتضيات الربانية البعد عن الحكام، وعدم الدخول عليهم، وعدم أخذ الأموال والهدايا منهم، ومن أمثلة ذلك أحمد بن حنبل الذي أقبلت الدنيا عليه في شيخوخته بعد أن ثبت في المحنة وقضى أكثر من عشر سنوات في السجن والتعذيب، فسعى إليه الحكام والولاة، فأغدقوا عليه الأموال، وفتحوا له أبواب كل شيء.

يجب أن ينحاز العالم إلى الأمة ويرتبط بقضاياها وهمومها ومشاكلها، فالإسلام ليس معلومات فقط، فهناك الكثير من المستشرقين لديهم معلومات عن الإسلام أكثر من بعض مشايخ المسلمين

وقد كان هذا امتحاناً أشد من امتحان التعذيب السابق، لكنه صمد للإغراء ولم يرض أن يأخذ شيئاً مما عرض عليه، وقاطع ابنه لأنه رضي أن يأخذ أموالاً من الخليفة، فالخلافة بعد أن يئست منه حاولت مع الابن، لكن الأب عاقب الابن بأن امتنع أن يأكل من عنده، فأحمد بن حنبل كان ربانياً في شيخوخته كما كان ربانياً في محنته وكهولته.

الثانية: الانحياز إلى الأمة وقضاياها:
يجب أن ينحاز العالم إلى الأمة ويرتبط بقضاياها وهمومها ومشاكلها، فالإسلام ليس معلومات فقط، فهناك الكثير من المستشرقين لديهم معلومات عن الإسلام أكثر من بعض مشايخ المسلمين، ومع ذلك لا نعتبرهم علماء لأنهم لا يعيشون هموم الأمة الإسلامية.

فعمر بن عبد العزيز قد أحس خطر ابتعاد الخلافة الإسلامية على الأمة في عدة أمور منها افتقاد العدل في الأموال بين المسلمين، وتفشي عدم المساواة بين رعية الخلافة، والابتعاد عن الشورى في أمور تحديد خليفة المسلمين، لذلك عندما سيقت الخلافة له، سار فيها على نهج يخالف عمن قبله، واجتهد في إرساء قواعد جديدة أعادت نهج الخلافة الراشدة فأقام العدل بين المسلمين.

كذكلك، أعاد ما أخذ بغير الحق، وأنصف المظلومين، ورفع الجزية عن أهل الذمة الذين دخلوا الإسلام، وأراد أن يعيد الخلافة إلى سابق أسسها وركائزها التي تقوم على أن الخليفة هو من يختاره المسلمون، لكن المنية عاجلته ولم يستطع القيام بذلك.

وقد استشعر الشافعي خطر الصراع بين مدرستي الرأي والحديث على الأمة، كما استشرف اضطراب الساحة الفقهية وأخطار ذلك على الأمة، فابتدع علماً جديداً هو "علم أصول الفقه" من أجل تنظيم الساحة الفقهية، وضبط أصول الاجتهاد وتقنين القياس.

أما أحمد بن حنبل فقد استشرف خطر الجهمية والزنادقة وخطر القول بخلق القرآن على الأمة، وتصدى للمأمون عندما تبنى القول بخلق القرآن وألف "رسالة الرد على الزنادقة الجهمية" وكلفه هذا الموقف أن يبقى في السجن لأكثر من عشر سنوات، أما ابن تيمية فقد استشعر أخطاراً متعددة على الأمة منها: خطر التتار، فتصدى له في معركة شقحب.

والآن: هل حقق الدكتور سعيد رمضان البوطي الصفتين السابقتين؟ لنرَ ذلك.

أما بالنسبة للربانية فالدكتور البوطي أخلّ ببعض متطلبات الربانية وهي الابتعاد عن الحكام، فهو على العكس من ذلك كان لصيقاً بحاكم سوريا حافظ الأسد، ثمّ بابنه بشار على مدار أربعين سنة، ومن المعلوم أن حكم سوريا في تلك المرحلة كان حكماً يقوده حزب البعث الاشتراكي، وكان حزب البعث يقوم على معاداة الدين، ويعتبره أصل التخلف والانحطاط، وأن النهضة والتقدم يتطلبان استئصال هذا الدين من كيان المجتمع.

بالنسبة للربانية الدكتور البوطي أخلّ ببعض متطلبات الربانية وهي الابتعاد عن الحكام، فهو على العكس من ذلك كان لصيقاً بحاكم سوريا حافظ الأسد، ثمّ بابنه بشار على مدار أربعين سنة

وقد أقام مناهجه التربوية والإعلامية والإدارية والاقتصادية من أجل تحقيق هذا الهدف، ومع ذلك فإن الدكتور البوطي وهو الشيخ المسلم وقف إلى جانب حافظ الأسد الذي يقود هذا الحزب، وهذا أمر في منتهى الغرابة والخطأ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وقف إلى جانبه عندما اصطدم مع التيار الإسلامي عام 1980، وقتل الآلاف من الشعب السوري، وسجن عشرات الآلاف، ودمّر مدينة حماة عام 1982، وقتل ما يقرب من أربعين ألفاً في تلك المجزرة.

وكان يفترض بالبوطي أن يستنكر هذا القتل والتدمير والإجرام، وإن لم يستطع أن يفعل أن يسكت لا أن يمدح حافظ الأسد ويمجده ويقف إلى جانبه، وقد رد حافظ الأسد التحية إلى البوطي بأحسن منها بأن أعطاه فرصة للظهور بالتلفزيون السوري وفي تمثيل سوريا بالمؤتمرات الخارجية.

أما بالنسبة للانحياز إلى الأمة، فنجد أن البوطي يقف عكس ذلك إلى جانب الحاكم في وجه هذه الأمة التي ثارت على نظام بشار الأسد بمختلف فئاتها وأطيافها ومدنها وقراها.

هذا النظام الذي ألغى الحياة السياسية وألغى الطبقة المتوسطة وهي الطبقة الحية والقادرة على بلورة مشروع سياسي، فقد استطاع حافظ الأسد وابنه بشار تهميشها ومحاصرتها بعد عام 1970 من خلال ربطها بالأجهزة الأمنية المختلفة، وأوجب على مفكريها ومبدعيها أن يخضعوا لتلك الأجهزة.

أما المجال الاقتصادي لهذا النظام فإن الأرقام التي نقلتها المنظمات الدولية عام 2010 مرعبة ومخيفة، فقد ذكرت أنه يعيش 42% من السوريين في مدن الصفيح العشوائية المحيطة بالمدن، وهي محرومة من معظم الخدمات الحياتية في حين أن المتوسط العالمي 8%.

وتوصل التقرير الوطني الثاني عن الفقر وعدالة التوزيع وفق تقرير عام 2010 إلى أن حوالي سبعة ملايين نسمة -أي 34.3% من إجمالي السكان- يعيشون تحت خط الفقر. وتوصل التقرير كذلك إلى أن معدل البطالة وصل إلى 16.5% (3.7 ملايين نسمة عام 2009)، وقد انخفضت قدرة الناس الشرائية بحوالي 28% خلال الأعوام العشرة الماضية.

هناك اضطراب في المناخ الثقافي الإسلامي نحو مفهوم "العالم" وقد عزونا ذلك إلى غياب المعايير الموضوعية، وقد بينا دور "قيادة العلماء" في التاريخ الإسلامي

ويعاني المواطن السوري من تفشي الظلم وانعدام المساواة، ولا يصل إلى حقوقه في أي مجال اقتصادي أو تجاري أو سكني أو مالي بشكل متساوٍ مع المواطن الآخر من أبناء الطائفة العلوية، ولا يصل إلى بعض حقوقه إلا من خلال الأجهزة الأمنية.

ويعاني المواطن السوري من تغوّل الأجهزة الأمنية التي بلغ عددها 17 جهازاً، وبلغ عدد العاملين فيها 365 ألف شخص، وبلغت ميزانيتها ضعف ميزانية الجيش السوري، وشكلت هذه الأجهزة أخطبوطاً أحاط بالمواطن وأحصى أنفاسه، وحاسبه على كل تحركاته وسكناته، وبث الخوف والرعب اللا محدود في كل كيانه، وجعله قلقاً ومتوتراً من أن يقع في قبضة أحدها.

وربط النظام بهذه الأجهزة كل شؤون المواطن من سفر وبيع وشراء وتجارة وتعليم وإعلام. هذا ما جعلها تتغوّل وتصبح كابوساً في عقل المواطن ونفسه.

هذه بعض معالم وضع الحياة في سوريا غداة الثورة ضد نظام الحكم في البلاد، وهي أوضاع مؤلمة ومفجعة ومحزنة. ومع ذلك فإن الشيخ سعيد رمضان البوطي لم يقف إلى جانب الشعب والأمة لتصحيح هذه الأوضاع، لكنه انحاز إلى جانب بشار يدافع عنه وعن حكمه، ويروج أقواله التي تنعق بها أجهزة إعلامه، ويفتي بعدم جواز التظاهر ويدعو إلى طاعة بشار وحكمه، وكرر الخطأ الذي وقع فيه عام 1980 عندما انحاز إلى جانب حافظ الأسد ضد الأمة.

خلاصة القول، هناك اضطراب في المناخ الثقافي الإسلامي نحو مفهوم "العالم" وقد عزونا ذلك إلى غياب المعايير الموضوعية، وقد بينا دور "قيادة العلماء" في التاريخ الإسلامي، ثم بينا الصفات التي يجب أن يتحلى بها الشخص حتى يستحق اسم "العالم"، وفصلنا في صفتين هما: "الربانية" و"الانحياز إلى الأمة" وطبقناهما على الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، فوجدنا أنه لم يتصف بهما، ويترتب على انعدام الاتصاف بهاتين الصفتين أنه غير جدير باسم "العالم".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك