عارف أبو حاتم

عارف أبو حاتم

كاتب وصحفي يمني

حزب واحد لتيارات متعددة
المؤتمر السابع.. علامة فارقة
باجمال.. الاستثناء في حياة المؤتمر
تداعيات حل المؤتمر
الاحتفاء الجريح

تمر الذكرى الثلاثين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام في اليمن، والحزب يعيش أسوأ مراحله السياسية، وأضعف قدراته المادية والتنظيمية، نتيجة خروجه من السلطة التي تربع على عرشها منذ تأسيسه في أغسطس/آب 1982 حتى أواخر العام الماضي، عقب الثورة الشعبية في 2011م التي أطاحت بنظام الرئيس علي عبد الله صالح.

حزب واحد لتيارات متعددة
تأسس المؤتمر الشعبي العام في شمال اليمن على يد الرئيس علي عبد الله صالح في العام 1982 كضرورة وطنية لإخماد نيران الاحتراب الداخلي، وتشكيل كيان سياسي جامع لكل التكتلات والتيارات السياسية، اليسارية والقومية والإسلامية، والإعلان عن تشكيل مؤتمر شعبي عام، تحكمه آلية تنظيمية واحدة تسمى "الميثاق الوطني"، وبذلك أخمدت حروب الجبهات الداخلية المتعددة، وشهد الشطر الشمالي حالة من الاستقرار السياسي.

وفي مايو/أيار 1990 كان المؤتمر "الشمالي" الشريك الآخر مع الحزب الاشتراكي "الجنوبي" في تحقيق الوحدة الاندماجية بين شطري اليمن، وهي خطوة وطنية كبيرة.

إحدى سلوكيات ذلك النصر دفعت بالرئيس صالح وحزبه الحاكم إلى التعامل مع الجنوب كغنيمة حرب، وجرى إقصاء كوادر وقيادات الحزب الاشتراكي من مؤسسات الدولة

غير أنها لم تتم وفق أسس مدروسة، ما جعلها تشهد توتراً سياسياً حاداً بعد ثلاث سنوات من تحقيقها، انتهى التوتر بحرب صيف 1994م بين الجنوب ممثلاً بالحزب الاشتراكي وشركائه، وهم التيار الراغب بالانفصال عن دولة الوحدة، والشمال ممثلاً بالمؤتمر الشعبي وحلفائه، انتصر فيها الأخير وحافظت اليمن على بقاء وحدتها.

إحدى سلوكيات ذلك النصر دفعت بالرئيس صالح وحزبه الحاكم إلى التعامل مع الجنوب كغنيمة حرب، وجرى إقصاء كوادر وقيادات الحزب الاشتراكي من مؤسسات الدولة، ونُهبت مساحات شاسعة من أراضي الجنوب، لصالح أفراد نافذين في الحزب الحاكم.

وفي لحظة ما من نشوة ذلك النصر شعر المؤتمر الحاكم ورئيسه أنه أصبح على كل شيء قدير، وبالتالي لم يأبه لنصائح الداخل وتقارير الخارج المتعلقة بتضخم الفساد وتزوير الانتخابات وغياب الشفافية، وتعطيل فاعلية القضاء، ما جعل المؤتمر الشعبي هو الحزب المتفرد بصنع قرارات الدولة، وتحديد سياستها.

المؤتمر السابع.. علامة فارقة
مثلت مخرجات المؤتمر العام السابع للجمعية العمومية للمؤتمر الشعبي المنعقد في مدينة عدن في نوفمبر/تشرين الثاني 2005م علامة فارقة في مسيرة الحزب، ففي هذا المؤتمر تنافس النافذون وشيوخ القبائل ورجال الأعمال على الترشح لعضوية اللجنة العامة "المكتب السياسي" للمؤتمر الحاكم، مدفوعين بقناعة أن المؤتمر هو حزب المستقبل، والأقدر في الحفاظ على بقاء مصالحهم، وأن الانخراط في قيادة هذا الحزب يعني المزيد من الكسب السياسي والتجاري، والتوسع في النفوذ الاجتماعي.

وإزاء ذلك لم تضع اللائحة الداخلية للمؤتمر الشعبي نصاً تنظيمياً يحدد قوام أعضاء اللجنة الدائمة "اللجنة المركزية"، حتى تظل مفتوحة لاستقبال الوافدين والنازحين سياسياً من أحزابهم، والملتحقين بالمؤتمر الحاكم طمعاً في المال والجاه والنفوذ.

ومع ذلك يحتفظ المؤتمر الشعبي بميزته الفريدة بين الأحزاب السياسية اليمنية الفاعلة، وهي أنه يمنياً خالصاً في النشأة والمولد، فيما بقية الأحزاب السياسية: الناصري والبعث والاشتراكي والإصلاح "الإخوان المسلمون" كلها امتدادات لتيارات سياسية خارجية.

ولأن المؤتمر الشعبي خليط من تيارات سياسية متعددة جمعتها المنافع والمصالح، لم يكن بين أعضائه حساسية التراتب التنظيمي في تولي المواقع القيادية، فبمجرد إعلان الدكتور أحمد بن دغر الانشقاق عن الحزب الاشتراكي تم تعيينه عضواً في المكتب السياسي للمؤتمر، ولاحقا أسند إليه موقع الأمين العام المساعد، وسلفه في ذات الموقع عبد الملك منصور كان من قيادات الإخوان المسلمين قبل الوحدة، وتولى طارق الشامي رئاسة الدائرة الإعلامية للمؤتمر عقب خروجه من حزب الحق، وهذا دليل على أن المؤتمر الشعبي لم يتقيد بأيديولوجيا معينة، ومنهج تنظيمي محدد.

علي صالح -رئيس الدولة ورئيس المؤتمر وقتها- فهم أن باجمال أراد أن يوصل له رسالة مفادها أن حزبك يعيش على هيبة الدولة، ويقتات من مالها العام، وإذا فُصِلت مؤسسات الدولة عنه سينتهي ويتحول إلى حزب عدمي

باجمال.. الاستثناء في حياة المؤتمر
وكانت إحدى مخرجات المؤتمر السابع هي صعود رئيس الحكومة عبد القادر باجمال إلى موقع الأمين العام للمؤتمر الشعبي، خلفاً لمهندس سياسات المؤتمر خلال العقدين الماضيين الدكتور عبد الكريم الإرياني، وفهم باجمال من ترقيته الحزبية أن هناك نية لدى الرئيس صالح لعزله من رئاسة الحكومة، خاصة بعد تهديدات باجمال المتكررة، بإخراج "وثائق تكشف الجميع"، لذلك بدأ باجمال أولى خطواته الحزبية الجريئة بالسعي للفصل بين الحزب الحاكم ومؤسسات الدولة.

وهذه الخطوة من الناحية السياسية والتنظيمية مهمة جداً، حتى يستقيم أمر المؤتمر الشعبي تنظيمياً، ويتم ترتيب صفوفه بعيداً عن طوابير المنتفعين والملتحقين رغبة في المال والوظيفة، وثانيها ترويض المؤتمر على العمل الحزبي والسياسي خارج مؤسسات القرار، فالمؤتمر حزب لا يعيش ولا يكسب سياسياً واجتماعياً إلا من خزينة المال العام والوظيفة العامة، ومن توجيه مسؤوليه لمؤسسات الدولة، ولو قُدِرَ لخطوة باجمال أن تتم في 2007 لكانت أجدى وأنفع لمصلحة تماسك كيان المؤتمر.

لكن علي صالح -رئيس الدولة ورئيس المؤتمر وقتها- فهم أن باجمال أراد أن يوصل له رسالة مفادها أن حزبك يعيش على هيبة الدولة، ويقتات من مالها العام، وإذا فُصِلت مؤسسات الدولة عنه سينتهي ويتحول إلى حزب عدمي.

وما زاد من يقين صالح بخبث نوايا باجمال تصريحات الأخير اللاحقة، والتي قال فيها: "أنا بنيت أحزابا ودمرت أحزابا"، في إشارة تهديدية منه إلى قدرته على تدمير المؤتمر الحاكم، وقد صدق في جزء من تهديده، فقد أفقد المؤتمر قيمته وقدرته على المناورة والكسب السياسي، من خلال أمرين؛ الأول: مضاعفة كمية الفساد المالي والإداري في حكومة المؤتمر، حتى تفشل في تحقيق برنامجها الانتخابي، وتتسع مساحة النقمة الشعبية تجاه الحزب الحاكم، وقد أشارت وثائق ويكيليكس إلى أن الدول والصناديق المانحة ضغطت على الرئيس صالح بضرورة عزل باجمال لما شكله من حالة فساد مرعبة داخل بنية الدولة اليمنية.

والأمر الآخر: عمل باجمال على تغذية المؤتمر بكوادر وقيادات فاسدة وفاشلة سياسياً، ومحروقة شعبياً، أمثال سلطان البركاني المحسوب على الرئيس صالح، والذي أتاح له باجمال مساحة أوسع للتحرك تنظيمياً، وعبد الرحمن الأكوع، وحمود عباد، ويحيى الراعي، أو تصعيد جيل الشباب المفتقرين للخبرة السياسية والتنظيمية إلى مواقع قيادية عليا أمثال يونس هزاع، وطارق الشامي، وعارف الزوكا، وحافظ معياد، وياسر العواضي.

لم يسترح الرئيس صالح من إزعاج باجمال إلا عقب إصابة الأخير بجلطة دماغية في أبريل/نيسان 2008 أثناء وجوده في سنغافورة لتسلم جائزة أبطال الأرض البيئية الممنوحة من الأمم المتحدة

في مقابل ذلك تم إقصاء وتهميش جيل الخبرة والحكمة داخل المؤتمر الشعبي أمثال أحمد الأصبحي وعبد السلام العنسي ويحيى العرشي وصالح عباد الخولاني وحسين الحبيشي ومحمد الفسيل.

وزاد من نقمة باجمال تجاه المؤتمر بعد عزله من رئاسة الحكومة بطريقة مهينة، ففي أثناء اجتماعه مع أحزاب المعارضة اليمنية جاءته الأخبار من الصحفيين الحاضرين أن الرئيس صالح أصدر للتو قراراً بتكليف وزير الثروة السمكية الدكتور علي مجور بتشكيل حكومة جديدة.

ولم يسترح الرئيس صالح من إزعاج باجمال إلا عقب إصابة الأخير بجلطة دماغية في أبريل/نيسان 2008 أثناء وجوده في سنغافورة لتسلم جائزة أبطال الأرض البيئية الممنوحة من الأمم المتحدة.

تداعيات حل المؤتمر
من العسير القول إن الثورة الشعبية اليمنية قد أطاحت بالمؤتمر الشعبي من السلطة التي ولد في أحضانها قبل ثلاثين سنة، فهو حتى الآن لا يزال ممسكاً بنصف حقائب حكومة الوفاق الحالية، وفقاً للآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية الخاصة بالتسوية السياسية الناجمة عن ثورة التغيير الشعبية، ولا يزال أغلب محافظي المحافظات من المحسوبين على المؤتمر.

ومن العسير -أيضاً- القول إن المؤتمر الشعبي قد أصبح محروقاً سياسياً، وإن ما تبقى من قيادته وقواعده ليسوا أكثر من "فلول"، وذلك لأن ثورة التغيير لم تكن مكتملة الأركان وناجحة مائة بالمائة، لأنها ثورة انتهت إلى تسوية سياسية بين طرفين، ولم تتمكن من إخراج صالح وحزبه الحاكم من المشهد السياسي نهائياً، وهذا ما جعل المؤتمر يحافظ على الحد الأدنى من تماسكه التنظيمي، رغم الهزات العنيفة التي تعرض لها أثناء ثورة التغيير، وانشقاق العشرات من قياداته.

وأي تفكير بحل المؤتمر الشعبي سيكون تأسيساً لمرحلة انتقامية ليس في مقدور اليمن احتمالها، بل ربما يقود حل المؤتمر إلى تصفية حسابات، وإراقة دماء، وإدخال اليمن في دوامة أزمات جديدة، فهذا حزب عمره ثلاثون سنة وله جماهيره وقواعده، وعملية استئصاله لا تعني غير السير وفقاً لسياسة الإقصاء والتهميش التي انتهجها صالح عقب انتصاره في حرب 1994، وهي سياسة قادته إلى خارج أسوار القصر الرئاسي.

وفضلاً عن ذلك لا يمكن استثناء أي من الأحزاب السياسية اليمنية في فهم الديمقراطية والأغلبية الحاكمة على أنها مصادرة حق الآخر وتهميشه ومحاربة مصالحه.

قبل يوم واحد من احتفال المؤتمر بذكرى التأسيس التقى الرئيس هادي برئيس وأعضاء البرلمان، وأبلغهم أن الحزب يسير إلى نهايته في ظل وجود "طرف" يسعى لتسميم الحياة السياسية وعرقلة المبادرة الخليجية

الاحتفاء الجريح
خلال يومي 3 و4 سبتمبر/أيلول الجاري احتفل المؤتمر الشعبي بالذكرى الثلاثين لتأسيسه في ظل مقاطعة واسعة من قيادته العليا، أبرزها النائب الأول لرئيس المؤتمر الفريق عبد ربه منصور هادي رئيس الجمهورية، واعتذار عدد من السفراء العرب والأجانب والأحزاب السياسية الحاكمة في عدد من الدول عن الحضور في ذكرى التأسيس، وذلك كنوع من الضغط السياسي على الرئيس السابق علي صالح رئيس المؤتمر الشعبي حتى يعتزل العملية السياسية وفقاً للمبادرة الخليجية والسماح للتسوية السياسية باستكمال مراحلها دون وضع عراقيل وعقبات.

ومن المؤكد أن النائب الثاني لرئيس المؤتمر الدكتور عبد الكريم الإرياني هو من يقود سياسة هادئة نحو فرض عزلة سياسية على الرئيس السابق صالح، من خلال توجيه وزراء المؤتمر في حكومة الوفاق بمقاطعة اجتماعات صالح الحزبية، والالتفاف حول الرئيس هادي، واعتبار بقاء صالح في المؤتمر عبئا عليه، وتقديم المؤتمر الشعبي أمام الدول الراعية للمبادرة كحزب مفكك سياسياًً.

هذا فضلاً عن أن أدبيات المؤتمر تنص على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الحزب، وصالح لم يعد رئيساً للجمهورية، والمؤتمر ليس ملكية خاصة، بل كيان سياسي شعبي متماسك تنظيمياً، ثم أن المصلحة المؤتمرية الحزبية والشخصية تقتضي الآن الالتفاف حول الرئيس هادي.

ويبدو أن الخلافات الحادة بين الرئيس هادي وسلفه صالح قادت هادي إلى تعيين رئيس الحكومة السابق علي مجور سفيراً لليمن لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف، قطعاً للطريق أمام صالح الذي يعتزم تعيين مجور أميناً عاماً للمؤتمر الشعبي.

وقبل يوم واحد من احتفال المؤتمر بذكرى التأسيس التقى الرئيس هادي برئيس وأعضاء البرلمان، وأبلغهم أن الحزب يسير إلى نهايته في ظل وجود "طرف" يسعى لتسميم الحياة السياسية وعرقلة المبادرة الخليجية، في إشارة واضحة إلى سلفه صالح.

ويقف المؤتمر الشعبي اليوم أمام مفترق طرق إما أن يستمر ويتجدد بتجدد الحياة ويتغير منسجماً مع جملة المتغيرات المحلية والدولية، ويدفع نحو إعادة هيكلته والبحث عن قيادة جديدة، وحيوية، وإما أن يبقى تحت معطف المسنين والمحروقين شعبياً وسياسياً، وبالتالي يتحول من مؤتمر شعبي إلى مؤتمر عائلي، ومن ملكية جماهيرية إلى قطاع شخصي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك