عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر

نبوءة لغوية أحسب أن السيد رجب طيب أردوغان يشاركني الجزمَ بدقتها وذكائها، وهي النبوءة التي قالها الكاتبُ الإسبانيُ المرموقُ -الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1989- كاميلو خوسيه سيلا (1916-2002م)، إذ تنبأ بأن أربع لغات فقط هي التي ستكون قادرة على التلبس بسمات اللغات العالمية في سياق ثورة التقنية والاتصالات، وهي: الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية.

تؤكد دراسات حديثة أن اللغة العربية أضحت اللغة السادسة في الموقع الشهير تويتر، مع وجود عشرات المؤشرات الأخرى للنمو الكبير لهذه اللغة في الفضاء الافتراضي (الإنترنت)

وسندرك في ثنايا المقال -دون أن نقصد التتبع التفصيلي أو الإحالة المباشرة- أن ثمة معضّدات متضافرة على تصديق تلك النبوءة، ومن ذلك على سبيل المثال التقارير التي تفيد بأن اللغة العربية هي الأسرع نمواً في مواقع الشبكات الاجتماعية، وقد أكدت ذلك الدراسة الحديثة التي نشرتها شركة سيميوكاست، وتشير فيها إلى أن اللغة العربية أضحت اللغة السادسة في الموقع الشهير تويتر، مع وجود عشرات المؤشرات الأخرى المؤكدة للنمو الكبير لهذه اللغة في الفضاء الافتراضي (الإنترنت)، وفي السياق العالمي بكافة جوانبه الاقتصادية والعلمية والثقافية، على الرغم من ضآلة عدد العرب إذ لا يشكّلون أكثر من 5% من إجمالي السكان في العالم، وهذا الأمر يقودنا إلى التساؤل: كيف إذن يُتوقع للغة العربية أن تحقق مستويات عالية؟ لأن العربية بكل بساطة هي "اللغة الحضارية" لعموم المسلمين البالغ تعدادهم قرابة 1.4 مليار، وهي كذلك للعرب غير المسلمين أيضاً.

ولكونها "اللغة الحضارية" يجيء مقالي هذا لا ليخاطب طيب أردوغان فحسب، بل ليخاطب كافة "الإخوة في الحضارة العربية الإسلامية"، سواء كانوا مسلمين من غير العرب (كالأكراد والماليزيين والإندونيسيين والنيجيريين والهنود والبكستان وغيرهم) أو عرباً من غير المسلمين، وليستحثهم على دفع "الفاتورة اللغوية الحضارية"، كاملة غير منقوصة. وما أعظم القول القرآني في تقرير إبانة العربية وعلو شأنها في نقل الدلالة المقدسة: "وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين" [الشعراء: 192-195].
 
إذن، إذا كان الخطاب في هذا المقال عاماً، فلمَ التوجه بعنوانه إلى السيد أردوغان على وجه التحديد؟ كان ذلك لأسباب عدة، ولعل من أهمها أنني وقفت على فضاءات "تركية" غابت بل غيّبت فيها اللغة العربية، وكانت في "الخطوط التركية" على وجه الخصوص، حيث سافرت مؤخراً على تلك الخطوط في بعض الرحلات الدولية الطويلة، وتعجبت كثيراً لعدم إدراج اللغة العربية ضمن اللغات الرئيسة في المادة المعروضة على متن تلك الرحلات، وقد لاحظت أن أيقونة تشغيل المادة المعروضة في الشاشة تجود على المسافر بثماني لغات، وليس من بينها العربية، في حين وجدت بجانب الإنجليزية لغات أوروبية ولغات أخرى لا تقارن أهميتها بالعربية.

وأنا أكتب هذه الرسالة التي أوجهها مباشرة لطيب أردوغان وفريقه العامل الذي أثق بنضج رؤيته الحضارية، أضع في اعتباري أن ثمة من قد تأخذه "الأوربة" أو "التتريك" إلى ضفاف تهمّش فيها الضاد وتقصى، إلا في سياقات ضيقة؛ لا تعبر عن حقيقة كونها اللغة الحضارية للأتراك، فإلى أولئك الأصدقاء أقول: هل نحن فعلاً بحاجة إلى استحضار حجج إضافية لاعتبار العربية لغة حضارية في تركيا وغيرها من الدول الإسلامية غير العربية؟ الحقيقة لا أدري عن مدى الحاجة، ولكنني سأورد -على أي حال- بعض الاعتبارات ولا أقول أحججاً، إذ إننا كلنا في صف واحد في "نهاية الكلمة".   

أولاً: اللغة العربية هي من أقدم اللغات المعمرة في العالم، بل هي الوحيدة التي حافظت على أبنيتها ومقوماتها اللغوية -بما في ذلك منظومتها الصوتية والصرفية والنحوية- فترة تزيد على ١٨ قرناً، في مشهد لغوي يبهر علماء اللسانيات ويدهش كل متأمل في مسائل اللغة وأسرارها. ومن ثم فإن إدراج الإخوة الأتراك للعربية يعني أنهم يشاركون في الاحتفاء السرمدي الأبدي بهذه اللغة الخالدة.

ثانياً: اعتماد العربية بوصفها لغة حضارية للأتراك –وبقية المسلمين من غير العرب– يعين على تقوية المكانة الأممية للغة العربية، بما في ذلك المؤسسات الدولية، وتدعيم استمرار العربية ضمن اللغات المعتمدة في تلك المؤسسات، خاصة في ظل تقاعس بعض العرب عن التحدث بالعربية في بعض المحافل والفعاليات الدولية، الأمر الذي جعل البعض يتساءل عن معقولية الاستمرار في تحمل تلك المؤسسات لكلفة اعتماد العربية وما يصاحبها من أعمال ترجمة ونحوها.

نشهد حالة من "الردة اللغوية" لدى شرائح اجتماعية في عالمنا العربي، سواء بالاستخدام غير المبرر للعاميات والرطانات في مواضع لا يصلح لها إلا العربية الفصيحة أو بإقحام الكلمات الأجنبية وحقنها في الجسد اللغوي للعربية دونما حاجة

ثالثاً: ثمة مهددات متزايدة للغة العربية، وأشرس تلك المهددات تلك التي تتأتى من قبل بعض أبناء العرب أنفسهم، إذ نشهد حالة من "الردة اللغوية" لدى شرائح اجتماعية في عالمنا العربي، سواء بالاستخدام غير المبرر للعاميات والرطانات في مواضع لا يصلح لها إلا العربية الفصيحة، أو بإقحام الكلمات الأجنبية وحقنها في الجسد اللغوي للعربية دونما حاجة، مع ما يصاحب ذلك من التمرد على الاعتبارات المنهجية التي وضعها العلماء للاقتراض اللغوي بكافة أشكاله وأساليبه وقنواته.

وقد أوصلتنا هذه الحالة الكارثية إلى ما بات يسمى "لغة العربيزي" وهي لغة مهجّنة مشوّهة يلجأ إليها بعض الشباب والشابات ويقترفون فيها جملة من "الخطايا اللغوية"، ومنها كتابة العربية بحروف لاتينية أو كتابة الكلمات الأعجمية بحروف عربية بطريقة تعجن تلك الكلمات وتخمرها ضمن البناء اللغوي للعربية. كما أننا نشهد وضعاً متضعضعاً "للغيرة اللغوية" لدى العديد من الشرائح الاجتماعية والثقافية، إذ خفت لديهم موازين اللغة وباتوا يخرقون أو يسمحون بخرق قواعد العربية.

وإنني أقول للسيد أردوغان وأنا أحمّله شرف العربية في سياقها الحضاري في تركيا: اجعلوا بني قومنا من العرب المستخفين بالعربية يخجلون من أنفسهم حين يرونكم تعتزون بلغتكم الحضارية وتنزلونها قدرها، وإني أحسب أن ذلك سيكون لك انعكاسات كبيرة، ليس على المستويات الشعبية فحسب، بل على المستويات الرسمية أيضاً.

رابعاً: اللغة العربية تُعد من اللغات التي يزداد الطلب العالمي على تعلمها، وتشهد تركيا نفسها -كما تعلمون- نمواً كبيراً في هذا الصدد، ومن مؤشرات ذلك افتتاح بعض معاهد تعليم اللغات مسارات خاصة لتعليم اللغة العربية بطريقة احترافية وفي مستويات بنائية تصاعدية، خاصة أن ذلك مصحوب بنمو مطرد في العلاقات التجارية بين تركيا والعالم العربي. وهنا أشيد بالقرار التاريخي المفصلي لوزارة التربية والتعليم في تركيا، القاضي باعتماد العربية ضمن اللغات الاختيارية التي يتم تدريسها ضمن المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، في نهج حضاري مشرق يستعيد رشده وهويته.

خامساً: الثقافة العربية تتسم بالثراء والتنوع سواء في منجزها وأدبياتها الموروثة أو المعاصرة. ولئن سمحتم لي بالرجوع إلى الحديث عن الفضاء الخاص الذي بدأت به مقالي والمتمثل في "رحلات الطيران"، فإنه يمكن استدراج منافع شتى، وهي تصب في المسار النفعي (البرغماتي) لاستخدام اللغة العربية، وهو مسار لم أشأ البدء فيه لأنه لا يمثل الشق المبدئي في "المسألة اللغوية" بمنظورها الحضاري، ولكنه شق لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه "مدنساً"، فهو حق طبيعي وخيار مشروع يتوخى الإنسان فيه أن يعظم الانتفاع من سائر الأشياء حوله. والمنافع التي يمكن أن تحصل في مجال الطيران كثيرة ومنها:

- نظراً للثراء والتنوع في المادة العربية، فإن الخطوط التركية إن أدرجت تلك المادة في العروض المرئية والمسموعة على متن رحلاتها فإنها ستخلق تنوعاً جميلاً في الباقة المعروضة في رحلات الخطوط التركية بما تحمله من ثراء ثقافي، وتنوع فني بجانبيه المشاهد والمسموع. 

اعتماد العربية لغة حضارية للأتراك –ولغيرهم من المسلمين غير العرب– يتطلب الزيادة في تقدير العربية كما يليق بجلالة قدرها، وتوسيع آفاق بثها في السياقات التي تستلزم ذلك

- ما سبق سيكون له انعكاس إيجابي في البعد التسويقي، الأمر الذي يفيد الخطوط التركية في جلب ركاب أكبر من العرب، فالإنسان العربي ميّال إلى لغته، وسيكون منجذباً أكثر حين يجد أن "كينونته اللغوية" محترمه، وأن "مزاجه الإنساني" محافظ عليه، حيث يستطيع أن يشاهد وأن يطرب بأذنه العربية، وهنا نوصي بأن يكون الاختيار منحازاً للمواد التي تستخدم الفصيح وليس العامي، وفي هذا المسلك درس يلقنه الأتراك لبعض العرب الذين يتقاعسون عن نصرة العربية الفصيحة في مقابل تدعيمهم للعاميات العربية المتشظية. واللغة العربية حين يتم إدراجها يجب أن تكون بُعيد اللغة التركية في الترتيب، لتكون رسالة الأصدقاء الأتراك كما يلي: ها نحن قد وضعنا لغتنا القومية في المقدمة، وتليها مباشرة لغتنا الحضارية.

وأختم بأن اعتماد العربية لغة حضارية للأتراك –ولغيرهم من المسلمين غير العرب– يتطلب الزيادة في تقدير العربية كما يليق بجلالة قدرها، وتوسيع آفاق بثها في السياقات التي تستلزم إبراز تلك اللغة الحضارية المبهرة. وبالحق نطقَ المستشرقُ الفرنسيُ لويس ماسينون (1883-1962) حين قرر أن اللغة العربية تمتلك تركيباً داخلياً فريداً يُعين على التجريد والنزوع إلى الكلية والشمول (وهي سمات لغوية محفزة على أرقى أنواع التفلسف والتفكير)، وكذا فعل مواطنه وزميله في الاستشراق ريجي بلاشير (1900-1973) حين شدّد على أن كل من يتحدث العربية فإنه يمتلك لغة حضارية مميزة. والعربية عندنا –كما تعلمون- إنما هي اللسان وليست العرق، كما في القول النبوي المأثور؛ الذي انحاز إلى الثقافة بتراكميتها وإنسانيتها، وجافى العنصرية بسطحيتها وهمجيتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك