صالح النعامي

صالح النعامي

صحفي وباحث فلسطيني

مؤشرات التورط
مجموعات قابلة للاختراق
التوظيف الإسرائيلي
توظيف الفلول

صدم الهجوم الذي استهدف مساء الأحد الماضي (5/8/2012) الجنود المصريين المتمركزين في محيط مدينة رفح، الرأي العام العربي بوحشيته وبربريته وانتفاء مسوغاته الدينية والأخلاقية ومبرراته المنطقية.

وفي الوقت ذاته أثار الكثير من الأسئلة حول الدوافع الحقيقية للجهة التي نفذته، ومآرب الأطراف التي سارعت لتوظيفه لصالحها.  ومما لا شك فيه أن كل المؤشرات تؤكد أن الكيان الصهيوني هو أكثر الأطراف استفادة من هذه الجريمة، حيث بدا كأنه كان ينتظر هذا الحدث المؤلم ليحاول تحقيق أهداف إستراتيجية وضعها على رأس أولوياته.

ونحن هنا سنحاول الإجابة على الأسئلة التالية: ما هي مؤشرات التورط الإسرائيلي في الجريمة؟ وما السمات العامة التي تجعل الجماعات التي تنتمي إليها المجموعة التي نفذت الهجوم، ذات قابلية للاختراق والتوجيه من قبل الأجهزة الاستخبارية؟ وكيف وظفت إسرائيل الحادث؟

مؤشرات التورط
إن هناك الكثير من المؤشرات الظاهرة التي تؤكد أن إسرائيل كانت على علم مسبق بما جرى في رفح بشكل دقيق، وأن الأمر لم يكن مجرد توفر معلومات عامة مسبقة غير محددة لديها عن الجريمة وتفاصيلها، كما زعم المتحدثون باسم الحكومة الإسرائيلية.

السلوك الإسرائيلي بعد تنفيذ الجريمة بدا كأنه يسير وفق خطة محكمة، حيث شنت إسرائيل حملة إعلامية مركزة من أجل استنفاذ أكبر قدر من المكاسب الإستراتيجية والسياسية

فقد أصدرت "هيئة مكافحة الإرهاب" التابعة لديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيرات عاجلة بمغادرة السياح الإسرائيليين سيناء قبل ثلاثة أيام من الهجوم، بحجة أن هناك معلومات مؤكدة حول نية "إرهابيين" ضرب أهداف إسرائيلية في سيناء. وأصدر الجيش الإسرائيلي تعليمات مشددة لسكان مستوطنة كيرم شالوم المتاخمة لمعبر كرم أبو سالم بالتزام الملاجئ قبل تنفيذ العملية، علاوة على أن طائرات الاستطلاع بدون طيار لم تغادر قبل ساعات من العملية أجواء مثلث الحدود بين غزة ومصر والكيان الصهيوني.

إلى جانب ذلك، بدا السلوك الإسرائيلي بعد تنفيذ الجريمة كأنه يسير وفق خطة محكمة، حيث شنت إسرائيل حملة إعلامية مركزة، تبادل فيها كبار الوزراء والقادة العسكريين الأدوار من أجل استنفاذ أكبر قدر من المكاسب الإستراتيجية والسياسية من هذه الجريمة.

مجموعات قابلة للاختراق
إن مؤشرات التورط الإسرائيلي في ما حدث في رفح مرتبطة بشكل أساسي بالسمات العامة "للمجموعات الجهادية" التي ادعت إحداها المسؤولية عن تنفيذ الهجوم. فهذه المجموعات التي انتشرت مؤخراً في المنطقة -وتحديداً في سيناء- تجعلها أكثر قابلية للاختراق والتوجيه المباشر وغير المباشر من قبل الأجهزة الاستخبارية (ليس بالضرورة الإسرائيلية فقط).

فهذه التنظيمات ذات أطر تنظيمية فضفاضة، ولا تملك نسقاً قيادياً ناظماً يوجهها ولديه قدرة على فرض رقابة حقيقية وفعالة على المنتسبين إليها. وقد أسهم ذلك في تفريخ وتوالد الكثير من هذه المجموعات، دون أن يكون من اليسير التحقق من مدى تطابق أهدافها المعلنة وأهدافها الحقيقية.

فيكفي أن يتم الإعلان عبر الإنترنت عن ولادة إحدى هذه المجموعات بعد أن تنسب إلى نفسها عملا ما، ثم تختفي حتى بدون أن يكون الأمر مقترنا بإجراء أمني اتخذ ضدها، وكأن المطلوب منها فقط القيام بهذا العمل والتلاشي بعد ذلك. ومما ضاعف من سهولة اختراق هذه المجموعات حقيقة أن منتسبيها عادة من ذوي التحصيل العلمي المتواضع، والذين لم يسبق لهم خوض غمار تجارب العمل المقاوم، مما أفقدهم في كثير من الأحيان الحس الأمني الذي يدفع دائماً إلى إبداء الحذر وطرح الأسئلة الصحيحة وعدم منح الثقة بسهولة.

وتدل التجربة التاريخية على أن المخابرات الإسرائيلية حاولت اختراق هذه المجموعات، حيث إن الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت اتخذت قراراً في مايو/أيار 2006 باعتبار ما أسمته في حينه "تنظميات الجهاد العالمي"، أحد مصادر التهديد الإستراتيجي لإسرائيل، وكلفت جهاز الموساد بمواجهة هذه التنظيمات وتركيز العمل ضدها.

ومن نافلة القول إن أحد متطلبات مواجهة هذه التنظيمات والتي حرص الموساد على الوفاء بها، محاولة اختراق هذه التنظيمات ليس فقط لإحباط ما تخطط له من عمليات، بل وتوجيهها للقيام بهذا الفعل أو ذاك.

والحقيقة أن هناك تجارب تؤكد سهولة اختراق هذه التنظيمات، ففي العام 2002 عرض الأمن الفلسطيني شهادة فتى فلسطيني لا يتجاوز عمره 17 عاما، كان يعتقد بأنه يعمل ضمن مجموعة "جهادية"، وتبين له فيما بعد أن الشخص الذي اتصل به وقدم نفسه على أنه أحد قيادات العمل "الجهادي" في الخارج، لم يكن سوى ضابط مخابرات إسرائيلي.

التوظيف الإسرائيلي
حرصت إسرائيل على الإسراع في توظيف جريمة رفح لتحقيق أهدافاً إستراتيجية تندرج ضمن مساعي الكيان الصهيوني للتعويض عما فقده من أوراق في أعقاب تفجر ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في أعقاب ثورة 25 يناير في مصر. وقد بدت مظاهر التوظيف الإسرائيلي للجريمة على النحو التالي:

صناع القرار في تل أبيب معنيون بتقليص هامش المناورة أمام الرئيس مرسي وإحراجه داخلياً لإجباره على التراجع عن التفاهمات التي توصل إليها مع رئيس حكومة غزة

أولاً- محاولة ضرب العلاقة بين مصر وقطاع غزة، والتي انتقلت إلى عهد جديد في أعقاب الثورة المصرية وانتخاب الرئيس محمد مرسي، وذلك عبر الزعم أن جهات في غزة على علاقة بجريمة رفح، علما بأن معلق الشؤون العسكرية في القناة الإسرائيلية الثانية روني دانئيل ونظيره في القناة العاشرة ألون بن دافيد أكدا أنه لا يوجد لدى الأجهزة الأمنية الصهيونية أي دليل يربط قطاع غزة بما جرى في رفح.

ومن الواضح أن صناع القرار في تل أبيب معنيون بتقليص هامش المناورة أمام الرئيس مرسي وإحراجه داخلياً لإجباره على التراجع عن التفاهمات التي توصل إليها مع رئيس حكومة غزة إسماعيل هنية، والمتعلقة بتخفيف مظاهر الحصار على القطاع، من خلال الادعاء بأن غزة ترد على خطوات مرسي الإيجابية تجاهها باستهداف الأمن القومي المصري.

ثانياً- تأليب الرأي العام المصري على المقاومة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص حركة حماس. وقد بات هذا الهدف على رأس أولويات القيادة الإسرائيلية، باعتبار أن تحقيقه يسهم في تمكين إسرائيل من تنفيذ مخططاتها العدائية ضد قطاع غزة.

فقد أكدت كل التقييمات التي قدمتها هيئات التقدير الإستراتيجي في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية للمستوى السياسي الحاكم في تل أبيب، أن تنفيذ حملات عسكرية واسعة ضد قطاع غزة في أعقاب الثورة المصرية بات أمراً بالغ الصعوبة، بسبب الدور الكبير الذي بات يلعبه الرأي العام المصري في توجيه صناع القرار في القاهرة.

وقد أكدت توصيات جميع الدراسات التي أصدرها مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أن الرأي العام المصري قد يدفع قيادته إلى إعادة فتح اتفاقية كامب ديفد إذا تم تنفيذ حملة عسكرية كبيرة على قطاع غزة. وتحذر هذه الدراسات من أن ردة فعل الجمهور المصري يمكن أن تسهم في تراجع مصر كلياً عن الاتفاقية، علما بأن إسرائيل ترى في هذه الاتفاقيات مركبا مهما في الأمن القومي الصهيوني. من الواضح أن تقديم المقاومة الفلسطينية كشريك في جريمة رفح، يأتي للتأثير على توجهات الرأي العام المصري من القضية الفلسطينية.

ثالثاً- تفترض إسرائيل أن مثل هذه العمليات ستقلص من قدرة القيادة المصرية الجديدة على تقييم السياسة المصرية الخارجية وإعادة بلورتها على أسس مغايرة تماماً لتلك التي كانت قائمة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، لا سيما في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وقد عبر عن ذلك بشكل فج وبدون مواربة، وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قال إن مصر مطالبة بتعلم الدرس مما جرى في رفح ومواجهة "الأعداء الحقيقيين لمصر".. بالطبع يقصد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

رابعاً- شرعت إسرائيل فوراً في توظيف جريمة رفح في ابتزاز الرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث شرع ديوان نتنياهو في اتصالات بقيادات ديمقراطية وجمهورية في الكونغرس الأميركي للضغط على أوباما ليقوم بدوره في الضغط على الرئيس مرسي وقادة العسكر في مصر ومطالبتهم بعدم إحداث أي تغيير على ظروف الحصار على قطاع غزة والعلاقة مع حركة حماس.

ويفترض نتنياهو أن أوباما المعني بإعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية، سيعمل كل ما في وسعه من أجل استرضاء قادة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة عبر الاستجابة لمطالب إسرائيل. وقد دعت بعض النخب الإسرائيلية الرئيس أوباما إلى توظيف المساعدات المالية لمصر لإرغام قيادتها الجديدة على مواصلة الشراكة الإستراتيجية مع إسرائيل كما كانت في عهد مبارك، بزعم أن هذا ما يفرضه الواقع الأمني في سيناء.

خامساً- تنطلق إسرائيل من افتراض مفاده أن عملية رفح ستضعف الرئيس مرسي على الصعيد الداخلي، وستقلص من قدرته على استعادة صلاحياته التي سلبها قادة العسكر. ومما لا شك فيه أن إسرائيل ترى في احتفاظ قادة العسكر بمجمل صلاحيات الحكم مصلحة إستراتيجية لها. وقد عبر عن ذلك بشكل صريح وواضح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بنيامين بن إليعازر الذي يوصف في تل أبيب بأنه "مهندس العلاقات المصرية الإسرائيلية"، حين قال إن "عدم خسارة العسكر الصلاحيات لصالح قيادة مدنية منتخبة في مصر أحد أهم متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي" (صحيفة ذي ماركير الإسرائيلية، 27/4/2012).

ومن نافلة القول إن إسرائيل معنية تماماً بمفاقمة الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها مصر لتكرس مأزق مرسي. ومما لا شك فيه أن جريمة رفح ستمس السياحة التي تعد أحد أهم المرافق الاقتصادية.

إن التاريخ يدلل بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل كانت مسؤولة عن عمليات أكثر تطرفاً من جريمة رفح، فقط من أجل تحقيق مكاسب إستراتيجية. فقد بات الآن في حكم المؤكد أن جهاز الموساد وبناءً على تعليمات من رئيس وزراء إسرائيل الأول دافيد بن غوريون، فجر أواخر أربعينيات ومطلع خمسينيات القرن الماضي عشرات الكنس اليهودية في أرجاء العراق، بعدما تبين أن أغلبية اليهود العراقيين يرفضون الهجرة إلى فلسطين المحتلة.

توظيف الفلول
للأسف أن أوضَح مثال على النجاح الجزئي للرهانات الإسرائيلية آنفة الذكر، كان ردة فعل النخب المحسوبة على فلول مبارك، لا سيما تلك التي تسيطر على وسائل الإعلام المصرية التي بدت كما لو كانت تنتظر بفارغ الصبر مثل هذه الجريمة لكي تجاهر بإضفاء الشرعية على سياسات القمع والحصار التي كان ينتهجها نظام مبارك ضد الشعب الفلسطيني.

الفلول الذين يسيطرون على معظم الإعلام المصري الخاص والرسمي أصروا على تلقف الرواية الرسمية الإسرائيلية، واستغلوها ليس في مهاجمة غزة وحماس، بل مهاجمة الرئيس مرسي لنهش شرعيته

ففي الوقت الذين انبرى فيه عدد من الصحفيين الإسرائيليين لدحض مزاعم نتنياهو بأن هناك علاقة بين غزة وجريمة رفح، أصر الفلول الذين يسيطرون على معظم الإعلام المصري الخاص والرسمي على تلقف الرواية الرسمية الإسرائيلية، واستغلوها ليس في مهاجمة غزة وحماس، بل بشكل أساسي الرئيس مرسي لنهش شرعيته وتبرير مواصلة تجريده من الصلاحيات والتشكيك في ولائه الوطني. واللافت أن هذا الإعلام هو ذات الإعلام الذي صمت صمت أهل القبور في رمضان الماضي عندما قتلت إسرائيل ستة من الجنود المصريين.

وأخيرا.. فإن توظيف إسرائيل وفلول مبارك جريمة رفح البشعة لا يعني بحال من الأحوال تحرر القيادة المصرية من مسؤولياتها بفرض السيادة المصرية على جميع مناطق سيناء، ومواجهة التنظيمات الإجرامية بكل حزم وقوة، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين الدولة المصرية وأهالي سيناء بشكل يغير البيئة التي تسمح لهذه التنظيمات بالترعرع.

وفي الوقت ذاته، هناك حاجة ماسة إلى أقصى درجات التنسيق والتعاون الأمني بين مصر وحكومة غزة، بعد طرح كل الخيارات التي تضمن تقليص هامش المناورة أمام المجموعات المارقة -وضمن ذلك دراسة وضع بدائل لوجود الأنفاق- بشكل يعمل على تحسين البيئة الأمنية بشكل جذري.

لكن على كل الأحوال يجب عدم السماح بتحقيق رهانات إسرائيل على جريمة رفح بمحاصرة غزة واستعادة الشراكة الإستراتيجية بين مصر والكيان الصهيوني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك