عبد الرحمن الجيتاوي

عبد الرحمن الجيتاوي

تختزل نيويورك حراك عالمنا ومؤثراته. وكما خلعت روما وبيزنطة أسماءهما على حقب بأكملها فصار العصر رومانياً أو بيزنطياً، تنطلق من نيويورك المؤثرات الثقافية والإعلامية والاقتصادية فيصبح عصرنا "نيويوركياً" بامتياز: تنهار أسواقه عندما تفلس رُهُون وول ستريت العقارية. وتسقط دولتان فيه عندما يسقط برجان في منهاتن. ويهرع المراهقون في كل مكان لتغيير نعالهم عندما تقرر نوادي تايمز سكوير الرقص بأحذية "الهش ببيز".

تَمور نيويورك بالأفكار والمبادرات والصرعات وثمانية ملايين من البشر، منهم أمان علي وبسام طارق وباميلا جلر وروبرت مردوخ ونينا روزنوالد. ولكل منهم قصة تتقاطع مع قصص الأربعة الأخرين.

أمان وطارق شابان مسلمان قاما برحلة سمياها "ثلاثون مسجدا في ثلاثين يوما"، حيث خططا للإفطار في ولاية ومسجد مختلفين خلال كل يوم من أيام رمضان

ونبدأ بأمان وطارق وهما شابان في العشرينيات. يعمل طارق في إحدى وكالات الدعاية بنيويورك. فيما يشق أمان طريقه في الإعلام والكتابة الصحفية. كان الاثنان في طريقهما إلى مدينة فارجو في داكوتا الشمالية في شهر رمضان قبل عامين. وفجأة اصطدمت سيارتهما بصخرة، وتعطلت في منطقة مهجورة تفتك الدببة بمن فيها إذا حل المساء.

بدأ الشابان يشعران بالقلق خوفا من أن يُفشِل التأخير مهمتهما. كانا في رحلة سمياها "ثلاثون مسجدا في ثلاثين يوما"، حيث خططا للإفطار في ولاية ومسجد مختلفين خلال كل يوم من أيام رمضان. موّل الرحلة جمهور من المتابعين عبر الإنترنت.

الفكرة انطلقت في السنة السابقة حيث قام الاثنان بزيارة مسجد مختلف داخل نيويورك للصلاة والإفطار مع مغرب كل يوم رمضاني. كان مدهشا لهما ولقراء مدونتهما تنوع عادات ولغات وأطعمة مسلمي نيويورك عربا وآسيويين وأفروأميركيين وأوروبيين وغيرهم. لقيت تجربتهما اهتماما وتشجيعا فقررا التخطيط لرحلتهما التالية.

غير أن هذا العطل المفاجئ لم يكن في الحسبان. يعيد الإنسان تقييم خططه عندما يُمتحن. لماذا يترك شابان في مقتبل العمر أعمالهما وعباداتهما ليقطعا مسافة تزيد على نصف محيط الكرة الأرضية؟ وهل كان جائزا شرعاً "شد الرحال" إلى مساجد أميركا؟ ثم هل هذا توقيت مناسب لتعريف الأميركيين بمساجد أميركا في أوج الاعتراضات الشهيرة -في ذلك الوقت- على مشروع مسجد نيويورك؟

الحملة المضادة لمسجد نيويورك تستحق التحليل. فعندما صدر التصريح بإقامة المسجد في منطقة قريبة من مكان برجيْ التجارة، بدأت الصحفية النيويوركية باميلا جلر الكتابة في مدونتها رافضة للفكرة. كانت تعترض وحيدة كصوت نشاز لأشهر عديدة. لكن الأمر تغير عندما تبنّت وسائل إعلام روبرت مردوخ الفكرة من خلال فوكس نيوز وغيرها.

وبذلك انطلقت حملة رفض مسجد "انتصار الإرهابيين" كما سماه غُلاة اليمين. والتحق جمهور المسيحيين الصهيونيين بالحملة وعلا الصراخ والعويل حتى أصبح الموضوع قضية وطنية. وفي النهاية اضطر المسلمون لتحوير المشروع. وأُجبر الرئيس أوباما على اتخاذ موقف من الموضوع (أو موقفين مختلفين في الواقع). كما أصبح الحصول على تصريحات بناء المساجد في أميركا أمرا أكثر صعوبة.

مراحل هذه الحملة تمثل حالة نموذجية لآلية عمل حملات الإسلاموفوبيا. تتكرر نفس الخطوات كل مرة مع اختلاف الأشخاص.

أعد الأميركيان آلي كلفتون وفايز شاكر تقريرا مهما حول الموضوع أسمياه "الخوف كمؤسسة". التقرير يصدم قارئه إذ يكتشف أن السواد الأعظم من حملات الإسلاموفوبيا يتم إنتاجها في خمس مؤسسات تقوم على عدد محدود من أشباه الباحثين والإعلاميين، كباميلا جلر. ويتم تمويلها بصورة رئيسة من ست جهات قدمت 40 مليون دولار خلال العقد السابق. الشبكة تتركز في نيويورك، ومن القائمين على تمويلها نينا روزنولد التي سمتها مجلة نيشن "أم الإسلاموفوبيا الحنون".

المشاهدات التي نقلها أمان وبسام استحوذت على اهتمام كبير, حيث كتب أحدهم معلقا: "كشخص نشأ كاثوليكيا، أحب أن أقول إنني تعلمت من رحلاتكما عن الإسلام والمسلمين خلال فترة قصيرة أكثر مما تعلمت من كل خبراتي السابقة"

كان طارق وأمان يدركان حساسية الرحلة. وبينما هما في سيارتهما المتعطلة وموعد الإفطار يقترب، أدركا أنه لن يمكنهما الوصول إلى فارجو في الموعد المخطط. وأن فرصتهما الوحيدة هي البحث عن مسجد قريب. عثرا باستخدام الهواتف الذكية على إشارة مبهمة تدل على وجود مقبرة إسلامية في مدينة لا تبعد كثيرا اسمها "روس"، وأسعفهما القدر بمن جاء وقبل بنقلهما.

وفي روس أرشدهما قسيس إلى سيدة ترعى المقبرة. وهناك فوجئا بقبور لمسلمين سوريين سكنوا البلدة النائية أوائل القرن الماضي وبنوا مسجدا صغيرا أعيد تجديده. وبعد بحث اكتشف الاثنان أنهما وجدا صدفة ما يعتقد البعض أنه موقع أقدم مسجد بُني في أميركا لغرض العبادة. صلى الاثنان وتجول أمان في المكان قارئا الأسماء على شواهد القبور: نظيرة كردي، إبراهيم عمر، فاطمة ملر...، وكتب فيما بعد واصفا مشاعره "احتاج عقلي لثوان ليدرك أن ثمة دموعا تنساب على وجهي. كم كنت متأثرا وخجلا إذ لم أكن أعرف شيئا يذكر عن الموقع".

انطلق الاثنان بعد اكتشافهما ذاك، واكتملت الرحلة بثلاثين مسجدا كما خططا. غير أن المشاهدات التي نقلاها استحوذت على اهتمام كبير. كتب أحدهم معلقا "كشخص نشأ كاثوليكيا، أحب أن أقول إنني تعلمت من رحلاتكما عن الإسلام والمسلمين خلال فترة قصيرة أكثر مما تعلمت من كل خبراتي السابقة".

ونجحت الرحلة إعلاميا. لم تبق وسيلة إعلام أميركية رئيسة لم تتحدث عنها. وفي رمضان التالي عندما قرر الاثنان القيام برحلة جديدة لزيارة بقية الولايات، أرفقت شبكة "سي أن أن" مندوبين لمرافقتهما. كما ألهمت الفكرة شبانا آخرين فنشأت مشاريع مشابهة في ماليزيا وهولندا وكندا وغيرهم.

أثبتت الرحلة أن الرد الأفضل على الحملات السلبية هو العمل الإيجابي. من السهل أن يستسلم المرء للواقعية الاعتذارية ودواعي الحذر والتفهم حتى ينتهي في مربع اللاجدوى واللاموقف. لكن الصعب أن نترك بصمة ذكية في عالم لا يفرض علينا واقعا بل يتشكل بحسب تفاعلنا معه.

أمان وبسام -اللذان ينحدران من أصول باكستانية- هما جزء من مجتمع المسلمين الأميركيين المتنوع. ومبادرتهما واحدة من آلاف تندفع ببراءة رسالية وتؤسس لهوية أميركية إسلامية متصالحة مع نفسها ومحيطها.

الخطاب الإسلامي الأميركي يتسم بالإيجابية، ويستخدم لغة التيار الأميركي العام الذي يتأسس على الاحتفاء بالمنجز الإنساني وتقبل التنوع والتفاؤل بالمستقبل.

احتفت نيويورك تايمز قبل سنوات بالشاعرة الأميركية مهجة كهف، وهي ابنة أحد الإخوان المسلمين السوريين الذين فروا من بطش الأسد الأب قبل عقود. تقول مهجة في قصيدة "لطيفة" واصفة تشكّل الهوية المسلمة الأميركية:

امرأة مسلمة من الكاريبي
تأكل سلطة بطاطا هنغارية بالبابريكا
في حفل زفاف عروس أميركية باكستانية لرجل من الباهاماز
حيث يلتقي جورج واشنطن بهارون الرشيد
وتتناوب "الله اكبر" مع أغنية الدو-وب "إنها تتألق"
عندها يصب النيل والفرات في وادي باسيك

نستذكر في رمضان شواهد التاريخ, ستُتابع صناعة الخوف مكرها وسيتابع المسلمون الأميركيون تقدمهم, ولكل خططه وحساباته

يتوطن الإسلام في السياق الأميركي متكئا على أجيال من المسلمين الجدد ليسوا منزوين ولا اعتذاريين. مجتمعهم زاخر بالمبدعين في كل المجالات. صعود العرب والمسلمين لمكانتهم الحقيقية في الحياة الأميركية هو حتمية تاريخية. فلا يمكن أن يستمر إلى الأبد التناقض الغريب بين نجاحات العرب والمسلمين الأميركيين الفردية مهنيا وأكاديميا واجتماعيا من جهة، والفشل الجماعي لهم سياسيا وإعلاميا من جهة أخرى.

نستذكر في رمضان شواهد التاريخ. ستُتابع صناعة الخوف مكرها وسيتابع المسلمون الأميركيون تقدمهم. ولكل خططه وحساباته. ولكن ثمة قدر غلاب وسنن كونية لا تضيع أجر العاملين. ورب ضارة نافعة. فكما اصطدمت سيارة طارق وأمان بصخرة مما قادهم إلى أهم كشوفهم، فلربما تقود حملات الإسلاموفوبيا لتحفيز المسلمين والتئام جهودهم، مما يؤدي أخيرا إلى لحظة اختراق تُخرج المسلمين من "خزانتهم" إلى مجتمعهم الأميركي فعلا وتفاعلا. وعندها سيحين موعد إفطار عصرنا "النيويوركي" بمعنى جديد يُذهب ظمأ أجيال في أميركا وخارجها لعدالة طال انتظارها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك