بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

بيئة الدستور الجديد
ظلال العسكر
المتغير الخارجي
إستراتيجية الحكم

تتلاقى، إلى حد كبير، البيئة التي يتم فيها وضع دستور الجمهورية الثانية في مصر حاليا مع نظيرتها التركية التي تم في ظلها وضع الدستور الثالث للجمهورية التركية عام 1980 والذي لا يزال ساريا إلى حين استبداله بآخر جديد عما قريب.

فعقب انقلابه العسكري الثالث عام 1980، شرع الجيش التركي في وضع دستور جديد وسط حالة من الخلل البين، وقتذاك، في موازين القوى السياسية بين العسكريين المهيمنين على كافة مفاصل السلطة من جهة، والمدنيين الذين تم إقصاؤهم وتعزيز تبعيتهم للعسكر من جهة أخرى.

وعبر المادة 35 من الدستور الجديد الذي أقر عام 1982 والمادة 85 من قانون الخدمة الداخلية، منح الجيش التركي نفسه حق حماية الأمة والدستور والجمهورية العلمانية، وهو ما اتخذ منه العسكر تكئة للتدخل في الحياة المدنية بحجة الحيلولة دون خرق الدستور والإخلال بعلمانية الدولة، ومن ثم شرعوا في توظيف القضاء لإغلاق الأحزاب الإسلامية وإسقاط الحكومات المدنية المنتخبة عبر انقلابات عسكرية دامية وما بعد حداثية، فضلا عن إجهاض أية خطوات إصلاحية تتخذها الحكومة المدنية لتوسيع هامش الحريات الشخصية والعامة كالسماح للمحجبات بدخول الجامعات، وهو ما دفع بحكومة أردوغان إلى تحري السبل الكفيلة بتعديل تلك النصوص الدستورية منذ أعوام قليلة مضت.

بيئة الدستور الجديد
وفي مصر اليوم، وبرغم ما تطويه المرحلة الانتقالية من مغريات بسبر أغوار قضية العلاقات المدنية العسكرية توطئة لتحديد ملامحها وتأطيرها دستوريا قبل عروج البلاد إلى الجمهورية الثانية، لا تبدو البيئة السياسية ملائمة لبلورة صيغة مناسبة أو نمط مقبول لتلك العلاقات في الدستور الجديد بما يليق بمصر الثورة وبالجمهورية الديمقراطية المدنية.

فإلى جانب الحاجة الملحة للاستقرار السياسي والرسوخ المؤسسى، تحتاج الصياغة الملائمة للعلاقات المدنية العسكرية السوية إلى تكافؤ في المواقف التفاوضية بين طرفيها، علاوة على توفر حد أدنى معقول من التوافق والاتساق لدى كل منهما. وفي حين يتمتع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقدر، لا بأس به، من الاتساق والتناغم بين أعضائه فيما يخص طرق ومرامي التعاطي مع المدنيين خلال مرحلة ما بعد مبارك، تبدو القوى السياسية المدنية مفتقدة إلى متطلبات كهذه.

لا تبدو البيئة السياسية ملائمة لبلورة صيغة مناسبة أو نمط مقبول للعلاقات المدنية العسكرية في الدستور الجديد بما يليق بمصر الثورة وبالجمهورية الديمقراطية المدنية

فلم تتحرر القوى والأحزاب السياسية المدنية من براثن الانقسام والتشرذم بجريرة أزمة الثقة المزمنة فيما بينها، فضلا عن اللهث وراء السلطة والمصالح الحزبية الضيقة. ناهيك عن غياب التوافق بين تلك القوى حول مسألة تقليص النفوذ السياسي للمجلس العسكري، وافتقادها للقدرة على بلورة إستراتيجية تفاوضية واضحة معه حول هذا الشأن وفق منهج تدرجي تطمينى كما في حالات دولية حققت نجاحات ملفتة على هذا الدرب كإسبانيا والبرازيل.

وقد وصل الحال ببعض تلك الأحزاب والقوى إلى الاستقواء بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مواجهة الصعود السياسي الملفت لتيار الإسلام السياسي بشتى أطيافه، الأمر الذي يفاقم من عملية تسييس الجيش ويوسع من فرص انخراطه بالعملية السياسية، وتدجينه لبعض القوى المدنية متذرعا بغياب البديل المدني الوطني الذي يمكن تسليم السلطة إليه حالة انسحاب العسكريين كلية من المشهد السياسي.

وبدورها، تعاني المؤسسات المدنية المنتخبة ديمقراطيا من اهتزاز في شرعيتها، فبينما حل مجلس الشعب بحكم المحكمة الدستورية العليا لعوار في قانون انتخابه، لا يزال الرئيس المدني المنتخب يصارع قوى مدنية وعسكرية وسلفية لانتزاع صلاحياته على خلفية التزامه بوثيقة العهد التي توجب عليه إشراك قوى ثورية ومدنية في اختيار طاقم مساعديه ووزرائه، بالتزامن مع وجود إعلان دستوري مكمل يجعل من المجلس العسكري شريكا له في إدارة البلاد.

وتتجاوز مخاطر وضع الدستور المصري الجديد في ظل أجواء سياسية غير مواتية ومواقف تفاوضية غير متكافئة بين المدنيين والعسكريين من جهة وبين القوى المدنية وبعضها البعض من جهة أخرى، مجرد كون المجلس العسكري غير بعيد عن تشكيل الحكومة الجديدة أو صوغ الدستور السادس، ليتجلى في إمكانية استغلال أكثر الأطراف الفاعلة تنظيما وشعبية على الساحة كالمجلس العسكري أو التيار الإسلامي، لهذا الخلل الناجم عن حالة الفراغ الدستوري والمؤسسي وغياب التوافق بين القوى المدنية، لتحقيق مآرب فئوية ربما تحيد بالثورة عن مسارها وتجهض عملية التحول الوليد والقلق نحو الديمقراطية والحكم المدني.

فمن جانبه، يمكن للمجلس العسكري أن يطرح نفسه، بدعم من بعض القوى السياسية المدنية المغرضة، كنقطة توازن في النظام السياسي أو حكم بين السلطات والأطراف السياسية بما قد يستتبع دورا سياسيا أصيلا له ينص عليه في الدستور الجديد كحماية الشرعية الدستورية أو الديمقراطية أو الدولة المدنية. وهو الأمر الذي ربما يتخذ منه المجلس لاحقا مسوغا ومبررا للتدخل السافر في العملية السياسية والحياة المدنية وتقويض الممارسة الديمقراطية عبر صيغ شتى وآليات متنوعة بذريعة حماية ما هو منوط به حمايته حسب نصوص الدستور.

ومن زاوية أخرى، يتخوف قطاع، لا يستهان به من المصريين، جراء احتمال تحول حزب الحرية والعدالة، إذا ما اكتملت قبضته على مفاصل السلطة، إلى "حزب وطني جديد " مهيمن ومتسلط لا يتورع عن الاستحواذ على كافة مؤسسات السلطة كما الهيئة التأسيسية المعنية بصوغ دستور الجمهورية الثانية.

كما لا يتردد في محاصرة حرية الرأي والتعبير، حيث حركت رئاسة الجمهورية وقيادة جماعة الإخوان دعوات قضائية ضد مؤسسات إعلامية وصحفية مصرية بارزة بتهمة نشر أخبار كاذبة ضد الرئيس والجماعة بغرض تشويه صورتيهما والتطاول عليهما بألفاظ يعاقب عليها القانون، بغرض إثارة الفوضى.

ويستشهد هذا القطاع في طرحه بشكوى دوائر ليبرالية تركية وامتعاض منظمات حقوقية أوروبية مما يفعله أردوغان وحزبه في تركيا هذه الأيام من محاولات تكميم بعض الأفواه المعارضة والتضييق على الصحف والفضائيات التي تنتقد سياساته، بالتزامن مع تنامى الاستياء الشعبي من مسودة حزب العدالة للدستور الرابع لتركيا، والتي يرى محللون ليبراليون أتراك أنها قد تجعل منه دستورا للإسلام السياسي المهيمن حاليا، بنسخة أتاتوركية أقل عسكرية وأدنى علمانية، أكثر منه دستور مدني ديمقراطي يحترم الموزاييك الحضاري للدولة التركية.

ظلال العسكر
ظل الجيش في تركيا يلتمس السبل الكفيلة بإجهاض الحكم الإسلامي، حتى جاء حزب العدالة والتنمية ليسد هذه السبل من خلال إنجازاته الاقتصادية ونجاحاته السياسية التي أوجدت له ظهيرا شعبيا داخليا هائلا ودعما أوروبيا مهما ساعدا بدورهما على إقرار حزمة من التعديلات الدستورية التي قوضت الأساس القانوني لتدخل الجيش في السياسة.

بينما قطع أردوغان شوطا طويلا في تقليص الدور السياسي للجيش التركي بدعم الغرب ومساندة بعض القوى الليبرالية, يبدو الأمر في مصر أكثر صعوبة وتعقيدا أمام الرئيس مرسي

وبعدما عكف العسكر على استخدام المحكمة الدستورية العليا لمحاصرة تيار الإسلام السياسي إثر إعادة تشكيلها بموجب دستور 1982، إذ قضت بحل حزب الرفاه ومن بعده حزب الفضيلة الإسلاميين بتهمة تهديد النظام العلماني للبلاد، قام أردوغان بإدخال إصلاحات على قانونها ودورها حتى باتت أقرب إلى مثيلاتها في دول الاتحاد الأوروبي.

أما في مصر، فقد لاحت نذر صراع على الصلاحيات بين البرلمان المنحل ثم الرئيس المنتخب من جانب والمجلس الأعلى للقوات المسلحة إضافة إلى القضاء وقوى علمانية وثورية من جانب آخر، وشخصت أبصار كلا الطرفين صوب الدستور الجديد توخيا لتضمينه نصوصا تعزز موقف كل جبهة وتخدم تطلعاتها.

وقد عكس اختيار المستشار أحمد مكي وزيرا للعدل بالحكومة الجديدة وما استتبعه ذلك من استياء نادي القضاة مقدار الاحتقان بين القضاء وجماعة الإخوان، وحجم مخاوف تلك الأخيرة من تحول المحكمة الدستورية العليا المصرية إلى أداة في يد المجلس العسكري لتقويض الرئيس المنتخب وحزبه وجماعته على غرار ما حدث في الحالة التركية، خصوصا بعد صدور أحكام من تلك المحكمة بحل مجلس الشعب وكذا الهيئة التأسيسية لدستور الثورة.

ويجوز الادعاء بأن ردود أفعال القوى المدنية والعلمانية المعارضة حيال صعود تيار الإسلام السياسي، بمختلف صوره، قد تشابهت إلى حد كبير في كل من مصر وتركيا، سواء تلك المتعلقة بلجوء بعضها للاستقواء بالجيش في مواجهة الإسلاميين، أو جنوح البعض الآخر لعقد صفقات وظيفية وتحالفات مرحلية معهم، بعد أن أخفقت أطياف المعارضة المختلفة في تشكيل جبهة موحدة تحول دون اكتساح الإسلاميين لأية انتخابات على أي مستوى.

وبينما قطع أردوغان شوطا طويلا في تقليص الدور السياسي للجيش التركي بدعم الغرب ومساندة بعض القوى الليبرالية بالتزامن مع وجود قيادات عسكرية بارزة متفهمة لهذا التطور "الحتمي" كالجنرال حلمي أوزكوك رئيس أركان الجيش التركي عام 2003، يبدو الأمر في مصر أكثر صعوبة وتعقيدا أمام الرئيس مرسي ، بسبب عدم توفر تلك المعطيات ووجود نداءات لاستبقاء دور الجيش في السياسة من قبل دوائر شعبية وسياسية، خصوصا مع حداثة عهد البلاد بالحكم المدني وتعثر الرئيس المنتخب في التصدي للتحديات التي أعقبت سقوط نظام مبارك.

المتغير الخارجى
يمكن القول إن الحالتين التركية والمصرية قد شهدتا تطبيقا واضحا لإستراتيجية واشنطن الجديدة الرامية إلى دعم الحكومات المدنية المنتخبة ديمقراطيا على حساب النخب العسكرية، التي لم تعد تحظى بقبول شعبي في الداخل أو تأييد من الخارج، وبعد أن تكشف لها مدى تواضع الفوائد التي جنتها الإستراتيجية الأميركية جراء انخراط جيوش المنطقة في اللعبة السياسية، وتدني عوائد إدارة النخب العسكرية الحاكمة لملف العلاقات مع إسرائيل.

وعلى خلاف الحالة التركية، عمدت الإدارة الأميركية في الحالة المصرية بعد ثورة يناير 2011 إلى استبقاء التنسيق مع المجلس العسكري، الذي تربطه بواشنطن تحالفات وثيقة وتفاهمات عميقة، كما يشاطر الرئيس المنتخب إدارة البلاد في ظل الفراغ المؤسسي والدستوري التي تعاني منه مصر ما بعد مبارك، فضلا عن تضاؤل ثقة دوائر أمنية أميركية في نوايا الإخوان المسلمين وتوجهاتهم المرتقبة حيال واشنطن وتل أبيب وطهران، على عكس الحال بالنسبة لحكومة حزب العدالة التركي.
وبينما لا يتورع الإخوان المسلمون عن الاستفادة من الدعم الأميركي في مواجهة العسكر والقوى الثورية والعلمانية، خصوصا بعد فوز مرشحهم في الانتخابات الرئاسية بصعوبة وبفارق ضئيل في الأصوات ، نجح حزب العدالة التركي في أن يجعل من التأييد الشعبي المتنامي بجريرة إنجازاته المتعاظمة قاعدة أساسية وعريضة لشرعيته تسبق وتفوق أي دعم خارجي في مواجهة خصومه.

إستراتيجية الحكم
بحصافة يحسد عليها، استفاد حزب العدالة التركي من أخطاء الأحزاب الإسلامية التي سبقته، فتجنب الاصطدام بخصومه من العسكر والقوميين والعلمانيين والقضاء، فلم يتعرض في بداية عهده لقضايا خلافية شائكة كالهوية أو الحجاب أو العلمانية أو دور الجيش في السياسة، وإنما بدأ الحزب بتحقيق إنجازات تنموية أوجدت بدورها له شعبية جارفة ساندته في صراعه لاحقا مع أولئك الخصوم.

حاول الإسلاميون استغلال تفوقهم الانتخابي لإعادة تشكيل المجتمع وهيكلته وفقا لرؤاهم المتباينة, فطرح السلفيون تصورا مثيرا للمادة الثانية من الدستور

أما في مصر، وقبل تحقيقهم أية إنجازات ملموسة على أرض الواقع، استدرج الإخوان المسلمون لصدام مع منافسيهم من العسكر والعلمانيين والثوريين والقضاء، شكل مجلس الشعب أرضا خصبة له. ومبكرا، انزلق حكام البلاد الجدد إلى مستنقع القضايا الشائكة بإثارتهم لقضية الهوية قبل التنمية والديمقراطية، إذ حاول الإسلاميون استغلال تفوقهم الانتخابي لإعادة تشكيل المجتمع وهيكلته وفقا لرؤاهم المتباينة. فطرح السلفيون تصورا مثيرا للمادة الثانية من الدستور واقترحوا إقامة محكمة شرعية عليا للبت في مدى مطابقة القوانين والدستور لأحكام الشريعة الإسلامية، كما رفضوا تعيين نائب قبطي للرئيس وطالبوا بحقائب وزارية بعينها.

تبقى الإشارة إلى أن مستوى الحراك السياسي والمرونة الفكرية لدى حزب العدالة التركي أعلى بكثير من نظيره في حزب الحرية والعدالة المصري. فبينما نجح الأول في تلقيح برنامجه وتطعيم هيكله بعناصر وأفكار ليبرالية ويسارية أحدثت توازنا مهما في بنيته وحررته من إسار الطابع الإسلامي البحت، ليغدو حزب يمين وسط ليبرالي، عجزت جماعة الإخوان المسلمين، حتى الآن على الأقل، عن تشكيل تحالف سياسي متناغم ومستقر سواء مع باقى أطياف تيار الإسلام السياسي أو مع قوى ثورية ومدنية، فيما لا تزال الجماعة، وعلى خلاف حزب العدالة التركي، تفتقر للوفرة في الكوادر السياسية على نحو بدا جليا في تعثر تشكيل الحكومة الجديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك