محمد علوش

محمد علوش

إعلامي وكاتب سياسي لبناني

 

من هو ميشال سماحة؟
الأدلة مفبركة، ونقطة على السطر
التهمة ثابتة ومسجلة
العلاقات اللبنانية السورية
أين حزب الله من الخارطة؟

لم يستفق اللبنانيون حتى اللحظة من هول الصدمة التي صفعت وجوههم حين علموا باعتقال الوزير والنائب الأسبق ميشال سماحة على يد شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي يوم الخميس الفائت.

التهمة الموجهة للوزير هي من العيار الثقيل جداً، وزنها لا يقلّ عن الوزن السياسي للموقوف نفسه، وتداعيات حجمها لا تقف عند الحدود السياسية للبنان، وإنما تصل حتى العاصمة السورية دمشق.

التهمة هي "القيام بأعمال إرهابية بواسطة عبوات ناسفة والتخطيط لقتل شخصيات دينية وسياسية".

على خلفية الحادثة اندفع القضاء اللبناني للمرة الأولى منذ ١٩٧٥ للادعاء على اللواء علي مملوك المعين في 24 يوليو/تموز الماضي رئيساً لمكتب الأمن الوطني السوري برتبة وزير خلفاً لآصف شوكت، والمشرف على جميع الأجهزة الأمنية السورية.

وبلغت الحادثة في أهميتها حدّ دعوة الولايات المتحدة لبنان إلى "ضرورة تأمين الشفافية واحترام القواعد الدولية في حال كان هناك أي عمل قضائي محتمل"، قبل أن تدرجها وزارة الخارجية الفرنسية على جدول أعمال زيارة وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس إلى لبنان.

في يونيو/حزيران 2007 وضعت الولايات المتحدة  ميشال سماحة على قائمة الممنوعين من دخول أراضيها بتهمة "رعاية الإرهاب أو العمل على إعادة ترسيخ السيطرة السورية على لبنان

من هو ميشال سماحة؟
"رجل سوريا في لبنان" كان اللقب الأبرز لميشال سماحة الذي كانت تزهو به شاشات التلفزة اللبنانية باعتباره خبيراً إستراتجياً، وضليعاً في خفايا وأساليب أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية.

تعود بداياته السياسية للعام 1964 حين التحق بحزب الكتائب، ثم تدرج ليصبح في عهد رئيس حزب الكتائب أمين الجميل رئيس مجلس إدارة تلفزيون لبنان الرسمي.

خلال الحرب اللبنانية التي اندلعت في العام 1975 كان سماحة من ضمن الوفود الكتائبية التي كانت تزور دمشق.

انشقّ عام 1985 على حزب الكتائب إلى جانب سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، ومن ثمّ إلى جانب إيلي حبيقة في وجه جعجع. تمكن من كسب ثقة السوريين خلال وجودهم في لبنان إلى جانب العلاقات التي كانت تجمعه مع المخابرات الفرنسية بحكم حمله لجنسية أجنبية، الأمر الذي أكسبه ثقة الأسد في ربط ما انقطع بين الأخير والفرنسيين، فعيّنه مستشاراً له للشؤون الفرنسية، شغل عددا من الوزارات في عهديّ الرئيسين إلياس الهراوي، وإميل لحود.

في يونيو/حزيران 2007 وضعته الولايات المتحدة على قائمة الممنوعين من دخول أراضيها بتهمة "رعاية الإرهاب أو العمل على إعادة ترسيخ السيطرة السورية على لبنان".

الأدلة مفبركة، ونقطة على السطر
سؤال طرحته ابتداءً قوى 8 آذار التي تسيطر على الحكومة الحالية. وقبل أن يطّلع على أسباب الاعتقال وملابسات التحقيق ومجرياته، خرج المُنظّرون سياسياً داخل هذه القوى برواية تقوم على أن الوزير سماحة "مستهدف"، لأنه ينتمي إلى مشروع سياسي في لبنان، وأن من يقف وراء هذه اللعبة هي الولايات المتحدة التي فشلت في كسر ظهر النظام في سوريا، فلجأت إلى "ألاعيب أكثر خسّة ودناءة".

ويوجه أصحاب هذا الاتجاه أصابع الاتهام إلى "أدوات أميركا وعملائها في لبنان، لطعن سوريا من خاصرتها عبر تسديد الضربات لحلفاء سوريا العروبة والمقاومة" بعد أن صدر الأمر لأدوات المشروع "الصهيو-أميركي" المتحالف مع العرب من أجل خلط الأوراق والتغطية على فشل مشروعهم في سوريا. بحسب أصحاب الرأي المذكور.

يذهب رئيس كتلة برلمانية في قوى 8 آذار في تحليلاته إلى أن سماحة قد يكون نقل المتفجرات من سوريا إلى لبنان لوضعها على الحدود الشمالية مع سوريا من أجل الحدّ من تهريب السلاح إلى سوريا عبر الأراضي اللبنانية، وهذا كاف لتبرئته ربما!

رواية يتخندق في متراسها منطق قوى 8 آذار، من أقصى يمينه إلى أقصى يساره. ويتساءل هؤلاء: ألم تجد سوريا غير ميشال سماحة، بما يمثل من قامة سياسية كبيرة، لتجعله صندوق بريد سريع لمتفجراتها إلى لبنان؟ وهل كان سماحة بهذه السذاجة حتى يسكت في اختبار أمني بسيط بمثل ما حدث؟ أو ليس هذا الملف تكرارا لسيناريو شهود الزور في قضية اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري؟

أمّا من هم أقلّ قدرة على إنتاج هذا التحليل الإستراتيجي المعقد، فقد لجؤوا إلى أساليب أكثر خفة في الدفاع عن سماحة، فلم يلتفتوا البتة لمضمون التحقيقات والسيناريو المعدّ، ولم يهتموا بما إذا كانت المعلومات المسربة عن سماحة صحيحة أم لا.

فجلّ همهم انصب على طريقة التوقيف والجهاز الذي أوقف سماحة، فرفعوا حناجرهم صارخين: كيف يجوز لجهاز أمني غير قانوني (شعبة المعلومات) أن يقوم بخطف وزير ونائب سابق من منزله، وبطريقة فيها من العنف ما لا نشهده سوى في الأفلام البوليسية؟ وكيف يسمح لجهاز محسوب على فريق 14 آذار بأن يتصرف بعيداً عن الدولة ومؤسساتها؟

لقد تناسى هؤلاء، أو هم أرادوا ذلك، أنه بعيد التوقيف بيومين استقبل رئيس الجمهورية كلاّ من المدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي ومدير فرع المعلومات العميد وسام الحسن وأثنى على جهودهما في إحباط ما قال إنه مخطط جهنمي كاد يشعل لبنان ويهدد وحدته السياسية والاجتماعية.

أكثر من ذلك، يذهب رئيس كتلة برلمانية في قوى 8 آذار في تحليلاته إلى أن سماحة قد يكون نقل المتفجرات من سوريا إلى لبنان لوضعها على الحدود الشمالية مع سوريا من أجل الحدّ من تهريب السلاح إلى سوريا عبر الأراضي اللبنانية، وهذا كاف لتبرئته ربما.

تفيد تسريبات الأجهزة الأمنية بأن تهمة الوزير موثقة بالصوت والصورة، وهي تعتمد على أربعة أشرطة فيديو لسماحة، تمّ تسجيلها له بطريقة سرية بعد مراقبة لصيقة من شعبة المعلومات

التهمة ثابتة ومسجلة
في الوقت الذي ينظر القضاء في القضية -وهو صاحب الكلمة الفصل في إثبات التهمة من عدمها- تفيد تسريبات الأجهزة الأمنية بأن تهمة الوزير موثقة بالصوت والصورة، وهي تعتمد على أربعة أشرطة فيديو لسماحة، تمّ تسجيلها له بطريقة سرية بعد مراقبة لصيقة من شعبة المعلومات، وفي أربعة أمكنة مختلفة، بينها مرأب المبنى الذي يقطن فيه.

وتتضمن مشاهد يتحدث فيها سماحة طالباً نقل المتفجرات لزرعها في عدد من المناطق الشمالية، وأولها منطقة عكار، مشدداً على أن "بشار بدو هيك"، في إشارة إلى الرئيس السوري بشار الأسد.

وما إن بدأت التحقيقات حتى سرت المطالبات بشأن التوسع فيه أو ضمّه للملفات التي تنظر فيها المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه بعد أن كشفت التحقيقات الأولية عن تشابه العبوات الـ24 التي تمّ ضبطها مع تلك التي استخدمت في اغتيال جورج حاوي وسمير قصير، وفي محاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق، وهو ما سيترك أثره على التحقيق الدولي برمته إن صحت هذه التسريبات.

ولن يقف الأمر عند حدود الاغتيالات التي ضربت لبنان منذ العام 2005 وحتى يومنا هذا، بل ربما تشمل الاغتيالات السياسية منذ العام 1975، حيث ربط وليد جنبلاط محاولة اغتياله عام 1983 بوجود الوزير ميشال سماحة في مكان الجريمة التي كانت من تدبير إيلي حبيقة.

العلاقات اللبنانية السورية
من شأن المخطط التفجيري، إن صحّت التهم بشأنه، أن يهدم ما تبقى من سور العلاقات السورية اللبنانية، إذ إن الادعاء على اللواء علي مملوك، يطال هيبة النظام السوري نفسه.

ثم إن الموضوع لم يعد مؤامرة تحيكها جهات استخباراتية أو محكمة دولية تريد النيل من محور المقاومة والممانعة تحت ستار البحث عن الحقيقة والاقتصاص من المجرم، وإنما تآمر على دولة لبنانية على رأسها حكومة لا توصف بالمعادية للنظام السوري وهي ترفع شعار "النأي بالنفس"، بل ربما سلّفت سوريا الكثير في إطار ردّ الجميل لها في مواجهة الحملة التي تتعرض لها.

ومن هنا لا يُنظر إلى الوزير سماحة على أنه فرد قد انزلق إلى رذيلة لضعف في طبيعته البشرية، بقدر ما يشير إلى وجود حالات مستنسخة تنتشر على التراب اللبناني لألف سبب وسبب.

من شأن المخطط التفجيري، إن صحّت التهم بشأنه، أن يهدم ما تبقى من سور العلاقات السورية اللبنانية، إذ إن الادعاء على اللواء علي مملوك، يطال هيبة النظام السوري نفسه

وعلى الرغم من تصريحات وزير الخارجية عدنان منصور المحسوب على حركة أمل بأن الحكومة لن تتخذ أي قرار يتعلق بسوريا قبل صدور حكم قضائي واضح ومعلل بقضية الوزير الأسبق ميشال سماحة.

إلا أن العلاقات السورية اللبنانية مهددة بالفتور إن لم تكن بالانقطاع إذا ما أخذنا بالاعتبار تصريحات رئيس الجمهورية بحسب ما نقل عنه زواره بأن "زمن تهديد لبنان بأمنه من أي جهة كان قد ولى، وليعلم الجميع أن اللعب به هو خط أحمر لن يسمح لأحد بأن يتجاوزه تحت أي اعتبار"، أو تصريحات رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي قال "إننا انتهجنا سياسة النأي بالنفس لقناعتنا بعدم التدخل في شؤون الآخرين، لذلك لن نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا أو بتحويل لبنان مجدداً ساحة لتصفية الحسابات وتصدير الأزمات الخارجية إليه".

لن تقف قوى 14 آذار بعد اليوم في إطار الدعوات لإعادة النظر في العلاقات اللبنانية السورية، بل ستتقدم بخطوات من شأنها ممارسة ضغوطات على الحكومة على أبواب الاستحقاقات النيابية العام القادم، تتمثل بالسعي لإلغاء المجلس الأعلى اللبناني السوري، وطرد السفير السوري من لبنان، والإصرار على استقدام قوات دولية لنشرها على الحدود اللبنانية السورية، بانتظار ما ستؤول إليه الانتفاضة في سوريا.

أين حزب الله من الخارطة؟
هل يريد النظام السوري تصدير أزمته إلى لبنان؟ وهل يناسب ذلك حليفه حزب الله؟ قد لا يكون من السهل الإجابة على السؤال الأول، لكن ما هو مؤكد، على الأقل، بالنسبة لحزب الله أنه يسعى إلى تبريد الصراع المذهبي السني الشيعي، لبنانيا وعربيا، لما لذلك من تأثير كبير على وجوده ومشروعه.

في حين قد يكون من مصلحة غيره تسخين التأزم الطائفي والمذهبي إلى حدود الغليان فالانفجار، انطلاقاً من لبنان مروراً بالعراق، وصولاً إلى كلّ مكان توجد فيه أقلية دينية أو عرقية في الشرق الأوسط برمته، مثل السعودية والبحرين وتركيا وغيرها، هو ما سيسمح بخلط الأوراق، وإعادة ترتيب الأولويات دولياً وإقليماً.

وحينها يصبح إسقاط نظام سياسي ما أو السعي لتحقيق الديمقراطية عند شعوب المنطقة ترفاً فكرياً ومطلباً أفلاطونياً، مقارنة بضرورة استتباب الأمن وتحقيق الاستقرار والحدّ من قوافل الهجرة إلى الشمال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك