مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني



السيناريوهات والاحتمالات

أهداف الجريمة

الآثار والتداعيات

شكلت جريمة استهداف الجنود المصريين المتمركزين في سيناء صدمة مدوية للأوساط الفلسطينية والمصرية، وخصوصا في ظل التقارب الكبير الذي طرأ مؤخرا بين حركة حماس التي تدير قطاع غزة وبين السلطات المصرية، وإعلان الرئاسة المصرية عن عدد من التسهيلات في سبيل تخفيف الحصار المفروض على أهالي القطاع.

وهكذا بدا أن الجريمة المدويّة تستهدف خلط الأوراق بشكل كامل في إطار العلاقة المتبادلة بين مصر وقطاع غزة، وإعادة تشكيل التفاصيل والملابسات الحاكمة لمشهد المعالجة المصرية لأزمة قطاع غزة إلى نقطة الصفر من جديد.

ومن هنا يصبح البحث في ماهية الجهة المتورطة في تنفيذ الجريمة، وتناول أهدافها والآثار والتداعيات التي يُتوقع أن تترتب عليها، أمرا ملحا لتفكيك تشابكات وتعقيدات مشهد العلاقة المصرية الفلسطينية التي ينتصب دوما في خلفيتها المعطى الإسرائيلي الذي يلعب أدواره المكشوفة والخفية دون انقطاع.


البحث في ماهية الجهة المتورطة في تنفيذ الجريمة، وتناول أهدافها والآثار والتداعيات التي يُتوقع أن تترتب عليها، أمر ملح لتفكيك تشابكات وتعقيدات مشهد العلاقة المصرية الفلسطينية التي ينتصب دوما في خلفيتها المعطى الإسرائيلي

السيناريوهات والاحتمالات
تشير المعطيات الأساسية التي كشفت عنها المصادر الأمنية المصرية إلى وقوف مجموعات مسلحة من بدو سيناء وعناصر عربية أخرى تابعة لما يسمى تنظيم السلفية الجهادية خلف الجريمة.
وفي الوقت ذاته أشارت قوى مصرية وفلسطينية بأصبع الاتهام إلى الموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء تنفيذ الجريمة.

بين هذا وذاك، بالإمكان رسم ثلاثة سيناريوهات لا غير حول طبيعة الجريمة، والأرضية التي استندت إليها، والجهة أو الجهات المستفيدة منها.

ويتمثل السيناريو الأول في أن تكون الجريمة ذات طبيعة مصرية خالصة، بمعنى أن يكون المهاجمون ينتسبون إلى بدو سيناء وربما إلى مقاتلين عرب كما تشير بعض المعطيات، ويتحركون بوحي مزدوج من الفكر المتشدد من جهة، والعداء المستحكم بينهم وبين الدولة المصرية من جهة أخرى.

ويشترك السيناريو الثاني مع السيناريو الأول في ذات التفاصيل، ويضاف إليها اشتراك بعض العناصر الفلسطينية في الهجوم.

أما السيناريو الثالث والأخير فيستند إلى أحد السيناريوهين السابقين، ويضاف إليه عنصر التوجيه الإسرائيلي بشكل غير مباشر، مما يعني استثمارا إسرائيليا لفوضى انتشار مجموعات السلفية الجهادية في سيناء وحالة العداء الكامنة في نفوس جزء لا بأس به من البدو القاطنين فيها بهدف إشعال صواعق التفجير في وجه الدولة المصرية.

ويبدو السيناريو الأخير أقرب السيناريوهات إلى الواقع، وأكثرها رجحانا ومواءمة للمعطيات السياسية والميدانية.

فقد أثبتت العديد من الوقائع السابقة أن بدو سيناء والمجموعات المسلحة التابعة للسلفية الجهادية أو الناشطين الذين يحملون فكر تنظيم القاعدة ويتخذون من شبه جزيرة سيناء مقرا لهم، غير بعيدين عن يد الاختراق والتوجيه الإسرائيلي.

فوق ذلك، فإن التحذير الإسرائيلي من وقوع عملية في سيناء قبل ثلاثة أيام من وقوع الهجوم على الجنود المصريين، وسحب السياح الإسرائيليين من هناك، وإعلانها أنها أبلغت السلطات المصرية بنية خلايا مسلحة في سيناء تنفيذ عملية كبيرة، وإخلاء معبر كرم أبو سالم لحظة الهجوم، واعتراف قيادات عسكرية إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي كان على علم مسبق بالعملية وأنه لم يفاجأ بالمهاجمين وأن قواته كمنت لهم حين حاولوا دهم المعبر، وأن قائد المنطقة الجنوبية الجنرال "روسو" كان يتابع الأمر من خلال غرفة عمليات عسكرية.

كل ذلك يلقي بظلال كثيفة من الشك حول دور سلطات الاحتلال في توجيه الجريمة، ويرسم آفاقا حول إمكانية عبث الأصابع الإسرائيلية في دفع وتوجيه المجموعات المسلحة لتنفيذها.

تتأسس المعطيات الميدانية سالفة الذكر على الموقف الإسرائيلي الرسمي في تعليقه على الهجوم وحجم الاستفادة الإسرائيلية من وراء تنفيذ الجريمة، إذ أن إسرائيل هي المستفيد الأول والأكبر منها ابتغاء تحقيق أهداف سياسية وأمنية وعسكرية وإستراتيجية لا تخفى على أحد.

حملت الثورة المصرية معطيات جديدة كان أبرزها سقوط الرئيس مبارك الذي شكل حليفا إستراتيجيا لإسرائيل وصعود الرئيس مرسي الذي يناصب إسرائيل الكره والعداء

أهداف الجريمة
تشتمل الجريمة وفق السيناريو الراجح الذي تعبث فيه الأصابع الإسرائيلية على أهداف سياسية وأمنية وإستراتيجية ذات تماس مباشر بالعلاقات الإسرائيلية المصرية، والعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، والعلاقات الإسرائيلية المصرية الفلسطينية.

سياسيا، تستهدف الجريمة جس نبض واختبار رد فعل الموقف المصري الرسمي في ظل العهد الرئاسي الجديد.

فهذه هي المرة الأولى التي تُختبر فيها السياسة المصرية الرسمية عقب فوز محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين بالانتخابات الرئاسية، وفي ضوئها سوف تتحدد المعايير والأسس الناظمة للموقف والسلوك السياسي الإسرائيلي تجاه الدولة المصرية.

وليس بخاف على أحد أن السلوك الإسرائيلي التقليدي الذي دأبت إسرائيل على انتهاجه ضد غزة طيلة عهد مبارك قد اتسم بالأريحية الكاملة والدعم المصري الرسمي المطلق، فيما حملت الثورة المصرية معطيات جديدة كان أبرزها سقوط الرئيس مبارك الذي شكل حليفا إستراتيجيا لإسرائيل وصعود الرئيس مرسي الذي يناصب إسرائيل الكره والعداء.

لأجل ذلك، تشتد الحاجة الإسرائيلية إلى فهم طبيعة مواقف وسلوك وردات فعل الرئيس مرسي تجاه الملف الأمني الأكثر حساسية في إطار العلاقة المتوترة بين الطرفين.

أمنيا، تعيش إسرائيل هاجس الأوضاع الأمنية السائبة داخل سيناء، وترى في سيطرة الجماعات المسلحة ونشاطاتها الواسعة فيها خطرا كبيرا يتهدد الدولة العبرية وحدودها المجاورة، وتتحدث دوائرها الأمنية والعسكرية والاستخبارية عن حلقات تهريب واسعة للأسلحة داخل سيناء على إيقاع تنسيق أمني مصري إسرائيلي رسمي تراه تل أبيب دون المستوى.

لذا، فإن استهداف الجيش المصري في سيناء يشكل أقصى حالات الابتزاز الأمني الإسرائيلي للموقف المصري، ودعوة لمضاعفة الجهد الأمني المصري الرامي إلى كبح جماح الجماعات المسلحة الناشطة فيها، فضلا عن تطوير آفاق التنسيق والتعاون الأمني المشترك بين مصر وإسرائيل بشأن ضبط ساحتها وإخضاعها لسيطرة الدولة المركزية.

تدرك القيادة الإسرائيلية أنها لا تستطيع أن تحرك ساكنا تجاه السياسة المصرية الجديدة الآخذة في التبلور تجاه قطاع غزة وحركة حماس، والتي ستتمخض عن رفع الحصار عن القطاع نهاية المطاف

ومن هنا فإن التحذير الشديد الذي وجهته تل أبيب إلى القاهرة عقب جريمة سيناء من أنها سوف تضطر للعمل بنفسها داخل سيناء ما لم تقم القاهرة بذلك مع ما يجره ذلك من مخاطر، يجسد بكل جلاء الرؤية الإسرائيلية الأمنية للتعامل مع ملف سيناء، وخصوصا في ظل الإعلان الإسرائيلي الصريح والسافر بأن إسرائيل تعيد الآن بناء استخباراتها داخل سيناء بعد إهمال دام ثلاثين عاما.

إستراتيجيا، تبدو إسرائيل أشد ما تكون انزعاجا من إرهاصات فك الحصار عن قطاع غزة الذي تتخذ منه إسرائيل أداة إستراتيجية لتركيع حماس وكسر إرادة الصمود لدى أهالي القطاع الذين يشكلون عقبة كأداء في وجه السياسات والمخططات الإسرائيلية الهادفة إلى طمس وتصفية القضية الفلسطينية.

ويسود قيادات الدولة العبرية شعور بالعجز البالغ والاستياء الكبير تجاه التقارب العملي والتحسن المطرد على شكل ومضمون العلاقة التي تربط حماس مع القيادة المصرية الجديدة، ويدركون أنهم لا يستطيعون أن يحركوا ساكنا تجاه السياسة المصرية الجديدة الآخذة في التبلور تجاه قطاع غزة وحركة حماس، والتي ستتمخض عن رفع الحصار عن القطاع في نهاية المطاف.

وهكذا، فإن المساس بالعلاقة التي دخلت طور التحسن المطرد بين مصر وحماس والتي تركت انعكاساتها الإيجابية نسبيا على أهالي القطاع في الأيام الأخيرة عبر تحسين ظروف السفر عبر معبر رفح، وزيادة كمية الوقود القطري، والوعد المصري بحل مشكلة كهرباء غزة جذريا على ثلاث مراحل، تشكل حاجة إستراتيجية إسرائيلية خلال المرحلة الراهنة.

ولن يكون سيناريو استهداف الجيش المصري سوى السيناريو الأفضل إسرائيليا لإحداث الوقيعة بين مصر وحماس، والعمل على زج قطاع غزة في أتون أزمة جديدة مع المصريين تفضي إلى خلط الأوراق من جديد، وتقضي على أي أمل أو فرصة في رفع الحصار عنه خلال المرحلة المقبلة.

الآثار والتداعيات
تتوزع آثار وتداعيات جريمة سيناء على العلاقة الفلسطينية المصرية في بعدها الرسمي، والعلاقة الفلسطينية المصرية في بعدها الشعبي، والعلاقة المصرية الإسرائيلية في بعدها الأمني.

فعلى صعيد الآثار والتداعيات المتوقعة على العلاقة الفلسطينية المصرية الرسمية فإن الأمر يراوح بين سيناريوهين: الاحتقان أو الانفراج، فالاحتقان بدت أماراته على السلوك المصري الرسمي عقب الجريمة حيث بادرت السلطات المصرية إلى إغلاق معبر رفح، ومنعت الفلسطينيين من دخول أو المرور عبر الأراضي المصرية، وبدأت حملة واسعة لتدمير بعض الأنفاق الحدودية بين مصر وقطاع غزة، وأوقفت توريد السولار القطري لمحطة توليد الكهرباء الرئيسية في غزة، بما يضاعف معاناة أهالي غزة ويدفع بالأمور نحو مزيد من التوتر والاحتقان.

أما سيناريو الانفراج المرجح فيبدو ماثلا على المدى القريب، وخصوصا في ظل عدم ثبوت علاقة غزة بجريمة سيناء، تخطيطا أو تنفيذا، وحرص الرئاسة والحكومة المصرية على حل تداعيات جريمة سيناء بشكل موضوعي، وإعلانها البحث في البدائل الكفيلة بوضع ملف معابر غزة بما لا يتعارض مع الأمن القومي المصري.

وفي ذات الإطار يُتوقع أن تشهد الجهود المصرية الخاصة بملف المصالحة الفلسطينية الداخلية حالة من الجمود تأثرا بالوضع الميداني الملتهب، مما يعني أن المصالحة الفلسطينية وما يتعلق بها من ملفات سوف تبقى رهينة الموقف والعلاقة الفلسطينية المصرية الرسمية، وانعكاساتها الإيجابية أو السلبية على السواء.

وعلى صعيد العلاقة الفلسطينية المصرية الشعبية فقد أثمرت جريمة سيناء ثمارا خبيثة للغاية تمثلت في شيوع أجواء من التحريض الأعمى في كثير من وسائل الإعلام المصرية ضد حركة حماس وحكومتها بشكل خاص، وأهالي قطاع غزة بشكل عام.

توقيت وطبيعة جريمة سيناء وملابساتها الميدانية وانعكاساتها السياسية والإستراتيجية أكبر من قدرة أي جهة أو تنظيم أيا كان

ويبدو أن الأمور قد تستغرق وقتا ما كي تنجو غزة وأهلها من حمم الإعلام المصري التحريضي، وخصوصا في ظل موجة الغضب العارمة التي اجتاحت الشارع المصري بشكل عام عقب الجريمة.

أما عن تداعيات الحدث على صعيد العلاقة المصرية الإسرائيلية فإن ما جرى سوف يجبر الأجهزة الأمنية المصرية على وضع ملف سيناء على رأس الأولويات الأمنية، ويجعل من تطهيرها من الخلايا المسلحة وبؤر التمرد على سلطة الدولة المركزية هدفا أسمى خلال المرحلة القادمة.

وكان لافتا ما صدر من تصريحات على مستويات إسرائيلية عقب الجريمة توقعت أن تشهد مستويات التنسيق الأمني بين الطرفين: المصري والإسرائيلي جدية واضحة خلال المرحلة المقبلة، بما يعزز الرؤية والمصلحة الإسرائيلية إزاء ضرورة ضرب معاقل المسلحين في سيناء وبسط سيطرة الجيش المصري عليها بشكل كامل.

غير أن التغييرات الأخيرة التي أجراها الرئيس المصري على قيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية المصرية، وخصوصا إطاحته برئيس المخابرات العامة مراد موافي ورئيس المجلس العسكري ووزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي، ورئيس الأركان سامي عنان، كبحت الحماسة الإسرائيلية حول آفاق التعاون الأمني في سيناء، واضطرها للاعتراف بضرورة الاعتماد على الذات لمواجهة التحديات الماثلة في سيناء خلال المرحلة المقبلة.

وأيا كان الأمر، فإن توقيت وطبيعة جريمة سيناء وملابساتها الميدانية وانعكاساتها السياسية والإستراتيجية أكبر من قدرة أي جهة أو تنظيم أيا كان، وهو ما ينبغي أن يخضع للمراجعة المصرية الرسمية باتجاه حشر الاحتلال الإسرائيلي في الزاوية، وإبطال الأهداف التي يسعى لتحقيقها، وقطع الطريق على أي محاولة لتغيير قواعد المعادلة الحاكمة للمشهد الراهن لصالح الرؤية الإسرائيلية بخصوص الوضع في قطاع غزة وسيناء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك