طارق أحمد حمّود

طارق أحمد حمّود

طارق أحمد حمّود

يحلو لبعض الكتاب أن يصوروا لنا الحراك العربي وفق عموميات سياسية اعتدناها طوال 60 عاماً، وأن يربطوا كل تطور يطرأ على واقعنا الإقليمي -داخلياً أو خارجياً- بالاستعمار ومؤامراته ووجوده المستمر المتمثل في "إسرائيل". ومن البساطة بمكان، وأحياناً من العمق التحليلي، أن نربط الأحداث الجسام التي نمر بها سياسياً، بقضية فلسطين التي لم تخرج يوماً من الخطاب السياسي العربي كليا، وإن تفاوتت مستويات التناول لها بين مرحلة وأخرى وطبيعة ذلك التناول.

واليوم بعد مرور أكثر من سنة ونصف على انطلاق قطار الربيع العربي الذي يبدو أنه لم يحسم بعد محطته الأخيرة، وجدنا تحليلاتٍ حاولت الالتفاف على الواقع لتثبت حضور القضية الفلسطينية في حراك الشارع العربي في هذه الثورات، من منطلق التوفيق بين التوجه الشخصي تاريخياً وتطورات المرحلة الحالية، مستندين إلى التدليل على فكرتهم بعلَمٍ رُفع هنا أو شعار أطلق هناك، لم يكن في حقيقة الأمر سوى الاستثناء مقارنة بمضمون الحراك العام.

اليوم بعد مرور أكثر من سنة ونصف على انطلاق قطار الربيع العربي، نجد تحليلات حاولت الالتفاف على الواقع لتثبت حضور القضية الفلسطينية في حراك الشارع في الثورات العربية

وكان أهم عامل في التدليل المنطقي على هذا الاتجاه، أن الثورات بداية اجتاحت تونس ومصر كنظامين أقرب ما يكونان لفكرة التعايش مع واقع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين نظرياً وعملياً، سراً وعلانية، ثم امتد الحراك إلى ليبيا لتأكل الثورة من حقيقة ذلك التحليل قليلاً، إذ إن نظام القذافي لم يُعرف له وجه حقيقي وموقف واضح، وأهم ما ميّزه في هذه الجزئية هو التقلب الذي كان متناسباً مع عقلية وطبيعة العقيد الراحل.

لكن الأمور بدأت تأخذ اتجاهاً عكسياً مع وصول الأمور إلى سوريا التي تميزت طوال الفترة الماضية بدعمها للمقاومة واحتضانها لقياداتها في دمشق، ثم ما تبع ذلك من دعم حزب الله لموقف النظام السوري. وربما سيراكم من هذا الفصام لحاق السودان بالركب، وكان هروب هذا الرأي في اتجاهين لا ثالث لهما سوى الاعتراف بأن حضور القضية الفلسطينية في خطاب الثورات العربية لم يكن بمستوى التوقعات.

فالاتجاه الأول كان في إطار التدليل حول حقيقة المؤامرة في ثورة سورية للهرب من الحائط الذي واجه الرأي القائل أن الثورات واجهت الدول التي استعدت المقاومة، فيما اتخذ آخرون اتجاهاً أعقد في تدليلهم أن النظام السوري كان يقف ضد المقاومة كما نظام مصر مبارك وتونس زين العابدين، ومن دون أن ندخل في تفاصيل براهين أيٍ من الاتجاهين سنرى أن أسباب الحراك الشعبي فيما اتفقت عليه كلمة الغالبية من المراقبين تكاد تتفق حول المضمون الاجتماعي والمحلي سياسياً لمختلف الثورات العربية.

فالقاسم المشترك في كل البلدان التي تعرضت وتتعرض لموجات المد الثوري العربي، تميُّزها بمستوى عالٍ من الفساد والظلم الاجتماعي وقمع الحريات. أما على مستوى الموقف السياسي فنخطئ لو اعتبرنا الموقف واحداً، خصوصاً ما يتعلق بالسياسية الخارجية التي لا يمكن أن تراها لأي دولة عربية بدون موقف واضح من القضية الفلسطينية سلباً أو إيجاباً، والطابع الاجتماعي للثورات العربية جعلها تغلّب الهم الداخلي على الخارجي في محاولة منها لاستبدال الأولويات التي عاشتها خلال العقود الستة الماضية.

القضية الفلسطينية كانت مفتاح شرعية أي نظام حكم، ومبرر أي انقلاب عسكري، ومعطى مهم لكل خطاب سياسي لزعيم عربي، لصرف النظر عن أي أولوية أخرى. ولم تكن بعض الأنظمة التي سارت علناً فيما بعد ضد كل الخيارات الوطنية الفلسطينية -مثل مصر مبارك- لتتخذ نهجها بدايةً بمعاداة التيار المقاوم الفلسطيني، إلا بعد أن وطدت حكمها بالأجهزة الحزبية التي تروج ما تريد، وأجهزة القمع التي تقنع من لا يقتنع بالتي هي أحسن، وبرلمان صوري ينطق باسم المغلوب على أمرهم، وهو ما يجعلنا نخلص إلى أن النظام العربي الرسمي الدكتاتوري لم يكن له بدٌ من استخدام وظيفي للقضية الفلسطينية في خطابه السياسي من جانبين:

الأول- متعلق بطبيعة المبررات التي جاءت به إلى الحكم، فانقلابات الجنرالات في الدول العربية والتي سميت ثورات في حينها، كانت جميعها تنطلق من قاعدة فشل الأنظمة التي سبقتها بالدفاع عن فلسطين أو مسؤوليتها عن الهزيمة، خصوصاً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

الثاني- أن خفض وتيرة الاستخدام الوظيفي للقضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي سيكون من شأنه لفت انتباه الشارع إلى أولويات محلية أخرى، ليس أقلها الحريات والحقوق الاجتماعية التي ستهدد مستقبل النظام الحاكم. وقد تفاوت هذا الاستخدام فيما بعد لدى بعض الأنظمة، مثل مصر التي تناولت القضية من زاوية خيار السلام بعدما أقنعت شارعها بحرب أكتوبر 1973 إلى أن انتهت الصلاحية عام 2011.

ربما كان متوقعاً اليوم حضور أكبر للقضية الفلسطينية في خطاب الثورات، خصوصاً مع وصول بعض الثورات إلى نتائج عملية بدأت تنقلها إلى حيز الدولة المدنية الحديثة كما في تونس ومصر، إلا أن الرئيسين المنصف المرزوقي ومحمد مرسي لم يتطرقا لفلسطين في خطاباتهما ما بعد السلطة كما توقع كثير من الحالمين، وكانت هذه من مواضع رمي السهام عليهم. ولكن بالمقارنة مع منطق الاستخدام الوظيفي للقضية الفلسطينية في شعارات الأنظمة البائدة، سنجد أن اختلاف السبب يعني اختلاف الاستخدام.

لا حاجة اليوم للمرزوقي ولا لمرسي في شرعية من خلف الخطابات الحماسية بشأن فلسطين, فكلاهما اكتسب الشرعية من الشارع ومن الثورة

فلا حاجة اليوم للمرزوقي ولا لمرسي في شرعية من خلف الخطابات الحماسية التي تتوعد اليهود برميهم بالبحر، ولا بالصلاة في الأقصى لتخدير الشعب عن مطالبه الأساسية في العيش الكريم، فكلاهما اكتسب الشرعية من الشارع ومن الثورة بالطريقة الديمقراطية لا بطريقة ثورة الانقلابات العسكرية، وهي القناعة ربما لديهم كما لدى شريحة واسعة من الشعوب العربية، أن الطريق إلى فلسطين يكمن في التحول الديمقراطي في حياة الشعوب العربية كما تشهد تونس ومصر حالياً.

إذ لا شك في أهمية القضية الفلسطينية لدى الشعوب العربية التي قادت الثورات بدون أي جنرال، والقضية مجرد ترتيب منطقي للأولويات لدى الشعوب العربية على الأقل بعد تجربة أولويات المرحلة السابقة التي امتدت طوال ستة عقود، وهنا لا نختلف كثيراً مع أصحاب الرأي الذين حمّلوا الثورات العربية أعلام فلسطين رغماً عنها، إلا أننا نرى فلسطين في ضمير هذه الثورات من زوايا مختلفة تماماً بعيداً عن مقاربة الشعارات ودون أعلام فلسطينية في الميادين.

فعدم رفع العلم الفلسطيني والهتاف للأقصى ليس صورة عاكسة لمضمون لهذه الثورات، كما أن خطاب الدولة ما بعد الثورة ليس معيارياً للنظر في حجم حضور القضية الفلسطينية لديه في المرحلة الانتقالية الأولى التي تزخر بملفات لا حصر ولا عد لها، فترسيخ حالة التحول الديمقراطي لدى الدول العربية وإتاحة المجال لذلك كي يصبح جزءاً من حياتها أكثر مما كانت عليه الحياة تحت بسطار (حذاء) الجنرالات، هو ضمانة الوصول الحتمي إلى فلسطين، وليس الخطابات التي لم يعطينا منتقدوها اليوم في زمن الثورة نتائج آلافٍ منها قبل الثورة كانت فيها فلسطين حاضرة في كل سطر.

في زمن الثورة الحقيقية التي تنتصر ثم تُخرج قائدها، لا الثورة التي يقودها جنرال ثم يُخرج شعبها، يمكن لنا أن نتحدث عن مستقبل لفلسطين، فحرف بوصلة الثورة المؤسسة غير ممكن بعكس الثورات ذات الجمهور المعلّب التي حكمت الشعوب العربية باسم الزعيم الملهم للثورة وأجهزته.

ثورات الربيع العربي -وفيما رأيناه في تونس ومصر على الأقل- تبشر بأنها ثورات ترتيب لا ثورات تعليب.. ترتيب لأولويات الشعب التي تجعله يفكر عن نفسه فيقرر ويختار، ومأسسة هذه الحالة هي التي تكفل اختيار الشعوب لطريق القدس، لأنها الشعوب التي لم تخيب أملنا فيها، حتى في أحلك اللحظات التي فقدنا فيها الأمل بالشعوب، انطلقت لتعيد الاعتبار لسنن التاريخ التي كاد الناس أن يكفروا بها، وهي السنن التي تقول إن طريق الأقصى يمشيه أحرار العرب لا مسجونوهم بلقمة العيش أو الأمية والجهل.

وفي العموم فإن خطاب الدولة ما بعد الثورة لن يخرج بأكثر مما خرج به خطاب مرسي في ميدان التحرير فيما يتعلق بفلسطين، بحكم الأسباب التي فجرت الثورات إذا اتفقنا على الطابع الاجتماعي لها، والحضور العملي لا الشعاراتي للقضية الفلسطينية فيها سيبقى مرهوناً بمدى ترسيخ هذه الدولة لسلطة الشعب الذي أنشأها ويحدد مسار السياسة الداخلية والخارجية فيها، بعكس ثورات (انقلابات) العسكر التي حدثت لأسباب سياسية بحتة عنوانها هزيمة العرب في الدفاع عن فلسطين.

القلق على فلسطين في مرحلة الثورات العربية ليس في وجودها في خطاب الثورة أو عدمه في المرحلة الأولى، وإنما في انحراف هذا الخطاب للاهتمام بالقضايا الخارجية  على حساب الداخل

فلم يكن ممكناً غياب فلسطين عن خطابها ولو شكلياً حتى باتت الهم الوحيد خارجياً، في حين عززت سلطة الانقلاب العسكري حكم الفرد بمؤسسات وأجهزة تجعل من الرجوع إلى الخلف أشبه بالمستحيل، ولذا فإن الخوف على حضور القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي للثورة ما بعد مرحلة الدولة، ليس تخوفاً منطقياً، وربما يكون أحياناً جزءا من تعلقنا ببقايا الإرث البائد للحكم الفردي الذي عودنا على الإدمان على الشعارات والتصفيق لها حتى لو كانت نتائجها مدمرة.

والقلق على فلسطين في مرحلة الثورات العربية ليس في وجودها في خطاب الثورة أو عدمه في المرحلة الأولى، وإنما في انحراف هذا الخطاب للاهتمام بالقضايا الخارجية -التي يجب أن لا تهمل- على حساب أساسيات الحالة الداخلية التي ما عادت تحتمل أن تبقى على هامش أولويات الدولة.

ثورة اليوم ثورة شاملة لأنها بدأت بقضايا الداخل، إذ إنها خطت لنفسها المسار الطبيعي والمنطقي لنهوض أي تجربة سياسية في العالم، بينما الثورة التي تريد تعويم قضايا خارجية على حساب أولوياتها الداخلية كانت نتائجها كارثية، وليس أقل من التدليل عليها في أنظمة الاستبداد التي سقطت، والتي كانت نتاج ثورات صفق لها الشعب وأخذت من قوته وحياته، ولم تبقِ له سوى التفكير بخبز الصباح إذا حلّ المساء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك