نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

طبيعة الدولة في باكستان
السلطة.. انتزاع أم تقاسم؟

منذ وقت مبكر من عمر ثورة 25 يناير المصرية تكهن بعض المحللين بأن ترعى الولايات المتحدة الأميركية إقامة نموذج للدولة في مصر يتخذ من ديمقراطية باكستان -لا تركيا الكمالية كما تردد- قدوة له، حيث يحدد للجيش وضع خاص يكاد ينفصل به عن جسد الدولة في تصريف شؤونه، مع الاحتفاظ بديمقراطية شكلية في الشارع السياسي يتداول السلطة خلالها بعض الأحزاب المدنية، وتبقى اليد العليا للعسكر في الهيمنة والتدخل في السياسة وغيرها من شؤون البلاد في أي وقت.

وقد تقلبت الأحوال بالثورة المصرية من مرحلة إلى أخرى، جزرا حتى كادت تتلاشى، ومدا حتى بدا أنها على أبواب النصر التام وتحقيق أهدافها الكاملة، وفي كل الأحوال كان النموذج الباكستاني يطل برأسه صراحة أو خلال التوريات المختلفة، فيبدو أقرب ما يكون أحيانا، وأبعد كل شيء أحيانا أخرى.

المجلس العسكري هو الجهة الأساسية الراعية للجهود التي تدفع بالأحداث في مصر في اتجاه النموذج الباكستاني، مع معاضدة واضحة من بعض التيارات والنخب المدنية

وبدا الجيش المصري -متمثلا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في الفترة الانتقالية التي أعقبت تنحي مبارك- هو الجهة الأساسية الراعية للجهود التي تدفع بالأحداث في مصر في اتجاه النموذج الباكستاني، مع معاضدة واضحة من بعض التيارات والنخب "المدنية" التي رأت الجيش بديلا أفضل لها من الإسلاميين المتقدمين نحو سدة الحكم، أو رأت أنها لن تحتفظ بمواقعها إلا في ظل نظام سياسي يقوم على نفس الأصول العامة التي قام عليها النظام السابق على الثورة.

وما تحاوله هذه السطور هو قراءة فرص نجاح نموذج الدولة الباكستانية في فرض نفسه على الحالة المصرية الحالية أو فشله في ذلك في ظل التطورات الأخيرة، خاصة بعد تنصيب الرئيس المنتخب محمد مرسي رسميا بقراءته القسم أمام المحكمة الدستورية العليا في 30 يونيو/حزيران المنصرم.

طبيعة الدولة في باكستان
كانت نشأة "جمهورية باكستان الإسلامية" سنة 1947 استجابة لأوضاع مضطربة ربطت أكبر كتلتين سكانيتين في الهند قبيل رحيل الاحتلال البريطاني عن شبه القارة، وهما: الهندوس، والمسلمون. إلا أن نشأة الدولة الجديدة لم تكن تعني توقف مسلسل الاضطرابات في المنطقة، بل استفتح الوضع الجديد فصلا آخر مختلفا للصراع، حيث استبدل بالصراع الطائفي في حدود الدولة الواحدة صراع عسكري بين جيوش نظامية تنتمي إلى دولتين مختلفتين.

وخاضت الدولتان ثلاث حروب طاحنة بينهما سنوات: 1947، و1965، و1971، عدا التهديدات والمناوشات الأخرى الكثيرة من آن إلى آخر، وبدا الجيش الباكستاني أثناء ذلك قطب الرحى في حماية الدولة الجديدة أو توفير الردع لها، خاصة أن الانفصال عن الدولة الأم أحوج الدولةَ الجديدة إلى بناء كل مؤسساتها من الألف إلى الياء، فيما عدا الجيش الذي كان الأقرب إلى التشكل، نظرا لأن مقر قيادة جيش الاحتلال البريطاني قبل رحيله عن المنطقة كان في هذا الجزء من شبه القارة.

ومع ضعف الأداء السياسي العام الذي عانت منه باكستان في العقود التي عاشتها إلى الآن، فقد برزت البزة العسكرية ورجالها في صفحة التاريخ الباكستاني القصير بقوة، مباشرة أو من وراء ستار، وبقيت عرائس المسرح السياسي التي يمثلها المدنيون دون دور حاسم في الغالب، حتى زعم بعض الباحثين العرب المقيمين في إسلام آباد قبل حوالي عقد من الزمان أن الجيش الباكستاني هو المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على إدارة البلاد.

وهو تعبير -على كل حال- عن تهافت النخب والتشكيلات السياسية في هذا البلد الخطير، مع امتلاك الجيش للقدرة على الهيمنة في كل وقت.

قد يصدق على باكستان أنها "دولة الجيش"، إلا أن هذا ليس قدرا حتما تفرضه ضرورة ما، بل هو جزء من مسلسل تقديم ديمقراطيات ممسوخة في بعض البلاد المنكوبة

ويمكن أن يمثل الجنرالات محمد أيوب خان ومحمد ضياء الحق وبرويز مشرف نماذج للحكام العسكريين الذي انقلبوا على السياسيين المدنيين، وفرضوا سيطرتهم على الدولة زمنا، في مقابل ذو الفقار علي بوتو وابنته بينظير بوتو وغريمها الدائم في تقاسم الأدوار ميان محمد نواز شريف، الذين يمثلون نماذج للحكام المدنيين الذين حملتهم الانتخابات إلى السلطة، دون أن تكون لهم قدرة على الانفصال بإدارة الدولة عن سطوة الجيش وجنرالاته الأقوياء.

وقد يصدق على باكستان أنها "دولة الجيش"، لكن هذا في الحقيقة ليس قدرا حتما تفرضه ضرورة ما، بل هو جزء من مسلسل تقديم ديمقراطيات ممسوخة في بعض البلاد المنكوبة، حتى تبقى حركة الشعوب في دائرة مفرغة لا تسمح لها بتحقيق طفرة ما تخل بالتوازنات التي يريدها اللاعبون الدوليون الكبار في هذا المجال أو ذاك.

السلطة.. انتزاع أم تقاسم؟
وإذا كانت كل دولة تعيش حالة ووضعا يختلف عن غيرها من الدول، فإن هذا لم يمنع من استنساخ بعض التجارب السياسية ونقلها من دولة إلى أخرى بينهما من الاختلاف الكثير، فالهند تطبق ديمقراطية الغرب بنجاح لافت، وألبانيا كانت تطبق الشيوعية اللينينية بحذافيرها طيلة عقود، ويجوز بالمثل أن نقول -على المستوى النظري- إن استنساخ الديمقراطية الباكستانية في مصر أو غيرها -رغم الاختلافات الثابتة- هو من الأمور الممكنة في عمومها.

وقد أدخلتنا الثورة المصرية الأخيرة في معادلة جديدة بالنسبة لمصر الدولة من الداخل ومصر العلاقة بالآخرين، وليس حسني مبارك في الحقيقة المؤكدة هو الممثل الوحيد للحقبة السابقة على الثورة، غير أن مقارنة عاجلة بين سياساته وما تسعى الثورة إلى تحقيقه يكشف بوضوح عن عناصر المعادلة المصرية الجديدة، التي يتمثل أهمها سياسيا في إقرار الحكم المدني لا العسكري، وما يترتب عليه -إن كنا أمام مَدْيَنة حقيقية للنظام السياسي في الجمهورية الجديدة- من إعادة الجيش إلى مواقعه، وشغله بوظيفته الأصلية، وما يتعلق بذلك من عدم انعزال الجيش بشؤونه بعيدا عن مؤسسة الرئاسة والمؤسسة التشريعية.

وفي ظل هذا الاعتبار يبدو أن ثمة احتمالات ثلاثة تتحدد من خلالها علاقة القيادة المصرية المنتخبة بقيادات الجيش، ومن خلال هذه الاحتمالات تظهر فرص النموذج الباكستاني في الظهور في مجرى الحياة السياسية المصرية، وهذه الاحتمالات هي:

- نقل السلطة كاملة إلى الرئيس المنتخب، وترك الجيش لإدارة البلاد تركا كاملا، وتفرغه لمهمته الأساسية التي يقوم بها أي جيش في العالم.
- تقاسم السلطة بين الطرفين المدني والعسكري بنسب تزيد وتنقص.
- انقلاب العسكر على الحياة المدنية برمتها.

والحقيقة أن قراءة ضمانات الترجيح لأي من هذه الاحتمالات تبدو معقدة جدا، وقد تقابل هذه الاحتمالات الثلاثة عناصر ترجيح تساويها، ويمكن أن ترجح أيا منها في صورة قدرية تتحرك تحت سقف المشيئة الإلهية العامة، وهذه العناصر المرجحة هي:

1- ضغط الشارع المصري، حيث إن هدير الشارع ما زال قادرا على التجدد في أي لحظة محورية، ولعل نجاعة هذا التجدد الثوري -التي يشكك فيها بعض المتابعين- تتأكد عندما يحشد الطرف المناوئ لثوار التحرير مؤيديه في هذا الميدان القاهري أو ذاك، دون أن يدرك -مهما جمع من الأعداد- في مشاهده التمثيلية أو الحقيقية أن للتحرير امتدادات في جميع محافظات ومدن مصر، في حين أن الجماهير المحتشدة في المقابل يتيمة الجذور والفروع. وهذا العنصر تحديدا هو أكثر ما يمكن أن يضعف من احتمالات الدخول في دوامة الانقلابات العسكرية، لأن المواجهة حينئذ لن تحسمها إلا إجراءات استثنائية كثيرة، ودماء أكثر.

2- طبيعة الشخصيات التي تمثل أطراف المعادلة المصرية، أعني المشير ومن معه، والرئيس ومن حوله، من حيث القدرة على استيعاب المواقف، وحشد التأييد لاختياراته، والأداء السياسي القوي والواثق. ولا يعني ذلك أن الصدام مؤكد بين الطرفين، بل تترجح في هذه الحالة فرص الحلول الوسطى التي تعطي -في أحسن صورها- الجيش وقادته وضعا خاصا دون أن ينعزل بنفسه عن الدولة، وذلك ببقاء رئيس الدولة (المدني) قائدا أعلى حقيقيا للقوات المسلحة.

مساعي الرئيس المنتخب محمد مرسي لانتزاع صلاحياته من المجلس العسكري ستكون جزءا من المعركة أو جبهة من جبهات ينبغي أن يضمنها الرئيس إلى جانبه

3- الصعوبات الأمنية والاقتصادية والبيئية التي تواجهها مصر نتيجة الأوضاع غير الطبيعية التي صاحبت الثورة بفصولها وتقلباتها المتتابعة، وهو ما يلقي على كاهل الرئيس المنتخب والحكومة التي سيكلفها بإدارة البلاد عبئا هائلا، مما يصنع مناخا يسمح بعمل جماعات الضغط وبقايا النظام السابق على إفشال جهود الرئيس من الخروج من المأزق الذي تعيشه الدولة المصرية، ومن هنا تكون مساعي الرئيس لانتزاع صلاحياته من المجلس العسكري جزءا من المعركة أو جبهة من جبهات ينبغي أن يضمنها الرئيس إلى جانبه.

والحقيقة أن العنصر الأخير وإن كان تأثيره يحتاج لكي يظهر إلى مدى زمني فإن نجاح القيادة الجديدة فيه سيمثل رصيدا حاسما لها في معركة الصلاحيات، التي يتوقع أن تمتد لبعض الوقت دون حسم تام، والفشل سيعني العكس تماما، ربما للثورة كلها.

إن ديمقراطية حقيقية، ديمقراطية لا دور فيها لعرائس المسرح ولا وظيفة فيها من خلف الستار لأي طرف ولا تقاسم فيها للأدوار بين المدنيين والعسكريين على حساب الشعب، هي الضمان الأكبر لنجاح الجمهورية المصرية الجديدة في إقامة دولة متعافية تنسجم فيها وظيفة الجماهير مع سياسة القيادة، وتتكامل خلالها وظائف مؤسسات الدولة ضمن منظومة الكيان السياسي الذي يضمها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك