أكرم البني

أكرم البني

أكرم وجيه البني

 
من الصعوبة بمكان تطبيق السيناريو اليمني في سوريا لجهة نقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى نائبه وبدء الإجراءات المتعلقة بمرحلة انتقالية تفضي إلى إجراء انتخابات عامة وصياغة دستور جديد وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية! فالحالتان مختلفتان، وهناك فوارق متعددة بين الوضعين اليمني والسوري، والقصد أن المقدمات والحيثيات وتاليا العوامل التي فرضت الحل في صنعاء، هي غيرها في دمشق!

بداية، ثمة تباين مع الحالة اليمنية هو البنية التكوينية للحكم في سوريا التي يحتل فيها الرئيس عصب السلطة ومركز تماسكها ومحركها، والتي استندت تاريخيا إلى نموذج الدولة الشمولية المتدخلة في أدق تفاصيل الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عبر أجهزة أمنية وعسكرية واسعة الصلاحية، ما يقود إلى تحسب هذه الأجهزة من أن تفضي إزاحة الرئيس إلى انهيار كامل للسلطة ودوائرها المقررة وإلى تغيير جذري يطيح بصورة تامة بموقعها ودورها وبما خلقته من نفوذ وشبكات وامتيازات.

النظام السوري ينتمي إلى نوع الأنظمة العاجزة عن تقديم التنازلات والتي لا تقبل أي مساومة على بقائها أو أي تعديلات جذرية في تركيبة السلطة يمكن أن تقصي أهم رمز فيها

خاصة أن الفئة الحاكمة قد نجحت عبر تاريخها الطويل في تصفية كل من تعده منافسا أو مؤهلا لبناء مركز ثقل أو موقع قوة يخفي وراءه مشروعا سياسيا خاصا، وأيضا في انتخاب أنصارها من المرتهنين والفاسدين الذين لا مكان لهم في مجتمع صحي ودولة ديمقراطية، بما يعني أن النظام السوري في خصوصيته ينتمي إلى نوع الأنظمة العاجزة عن تقديم التنازلات والتي لا تقبل أي مساومة على بقائها أو أي تعديلات جذرية في تركيبة السلطة يمكن أن تقصي أهم رمز فيها، والمرجح أن تخوض معركتها في الحكم إلى النهاية كمعركة وجود أو لا وجود، وأن تتصرف أركانها وكأن ليس من رادع يردعها في توظيف مختلف أدوات القمع الأمنية والعسكرية لإخماد الثورة وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

وأيضا على مسافة من الوضع اليمني القبلي التكوين الذي أفضى بسرعة إلى إعلانات ذات طابع عشائري لكتل قبلية كبيرة تؤيد مطالب الشباب الثائر وقدمت لهم كل أشكال الدعم، ما أدى إلى حصول انقسام مجتمعي، أفقي وعمودي على حد سواء، ضغط وخلق قناعة لدى مختلف الأطراف بأنه لا يمكن لأي منهم منفردا حسم الصراع عسكريا وتحقيق النتائج التي يرجوها، وأكره الجميع على التعاطي بإيجابية مع الحل التفاوضي.

وهنا من الإنصاف القول إن الأطراف السياسية الرئيسة داخل وخارج مؤسسات الدولة والمؤثرة في اليمن تعاملت بحس عال من المسؤولية وتعاونت لإنجاح الاتفاق. بينما ثمة خصوصية في التركيبة الاجتماعية السورية لجهة التعددية الإثنية والدينية والطائفية، وتفاوت مواقف هذه المكونات من مسار الثورة وعملية التغيير وآفاقها، وتحديدا خوف بعضها على هويته ونمط عيشه من احتمال استئثار بديل إسلامي بالسلطة، ما يفسر في ضوء طابع الكتلة الشعبية الكبرى المشاركة في الثورة، بقاء قطاعات من المجتمع السوري في وضع الحياد والسلبية ولنقل مترددة أو محجمة عن الانخراط فيها، ولم يوفر النظام جهدا في مغازلتها وإثارة مخاوفها والرهان عليها لخلق صورة عن نفسه بأنه حامي حماها وأن استمراره ضرورة حيوية لها، وتاليا لعزل الحراك الشعبي ومحاصرته والطعن بوطنيته وشموليته.

وأيضا من المفارقات أن اليمن شهد تحت يافطة الإصلاحات السياسية التي أعلنها علي عبد الله صالح مستوى من النشاط السياسي ودورا ملموسا للأحزاب المعارضة والصحافة الحرة، وعرف تشكيل حكومات ائتلافية، كما جرت فيه عدة انتخابات مقبولة نسبيا بالمعايير الديمقراطية أظهرت خلالها المعارضة بعضا من حضورها، بينما لم تشهد سوريا أوضاعا مماثلة، بل كانت شعارات الإصلاح والتحديث والتطوير مجرد إعلانات شكلية كرست من ورائها المناخات الأمنية وأساليب القمع وخنق المعارضة والرأي الآخر والصحافة الحرة، كما لم تعرف البلاد إلا الانتخابات والاستفتاءات الصورية التقليدية.

والقصد أن ثمة تفاعلا بين المعارضة والشارع كان قائما في اليمن وغائبا في سوريا، الأمر الذي انعكس بعلاقة وثيقة بين الحراك الشعبي اليمني والقوى السياسية وأهلها أن تفاوض عنه، زاد الأمر وضوحا الدور الهام الذي لعبته ساحات التغيير في اليمن في تعميق التواصل بينهما وفي رسم مسار الثورة، خاصة بعد فشل النظام اليمني في قمع المعتصمين بقوة السلاح وإخراجهم من الساحات، بينما لا تزال المسافة قائمة بين الحراك الشعبي في سوريا وقيادات السياسية أنهكها القمع والإقصاء، مسافة لم يصر إلى ردمها رغم مرور أكثر من 15 شهرا على انطلاق الثورة، ناهيكم عن أن النظام السوري نجح في سحق كل محاولة مهما تكن بسيطة للتجمع في ساحة رئيسة وأفرط إلى حد مرعب في استخدام لغة الحديد والنار لإجهاض غير محاولة للاعتصام في حماة وحمص ودمشق.

وهنا لا يمكن أن يفوتنا التباين الكبير في شدة القمع والتنكيل بين الوضعين اليمني والسوري، فأدوات القمع بقيت متحسبة في اليمن ولم تتجاوز خطوطا حمراء، من غير المألوف تجاوزها مع الشعوب، ونضيف أن انشقاق جزء كبير من الجيش اليمني بصورة عمودية حقق نوعا من التوازن العسكري الرادع أمام رغبة السلطة للتوغل في القمع والقهر، ناهيكم عن أن أهم القيادات العسكرية في الجيش كانت قد أبلغت الرئيس علي صالح مسبقا بأنها لن تتورط في ذبح أبناء الشعب دون أن تتعرض للاعتقال أو التصفية!

إذا كانت أدوات القمع بقيت متحسبة في اليمن ولم تتجاوز خطوطا حمراء، فإن الحالة السورية تبدو وكأن ثمة حربا حقيقية تخاض ضد الناس لإخماد احتجاجاتهم

بينما تبدو الحالة السورية وكأن ثمة حربا حقيقية تخاض ضد الناس لإخماد احتجاجاتهم، وعلى تنفيذ هذا الخيار تنافست الأجهزة كأنها في سباق لفرض هيبتها بمزيد من إظهار قسوتها، وأطلقت مخيلتها لابتكار كل جديد من شأنه إرهاب البشر، خاصة الإفراط في استخدام القوة والعنف لإشعار الناس بعدم جدوى ما يقومون به وأنه ضرب من المحال تجاوز الحالة القائمة وتغيير الأوضاع، ثم التفنن في إرهاق البشر واستنزاف قوتهم وقدرتهم على الاستمرار، لم يقف الأمر عند الاعتقالات الواسعة والعشوائية، وأساليب التعذيب المخيفة، ولا عند حصار واقتحام بعض المناطق والأحياء والضغط على حاجاتها وخدماتها وشروط معيشتها، بل تجاوزه إلى حد استخدام القصف والتدمير العشوائي للمدن والمناطق الخارجة عن السيطرة.

ولا تغير هذه الحقيقة حالات الانشقاق الفردية أو لجماعات محدودة من صفوف الجيش والأجهزة الأمنية، بل زادت من عنف السلطة وشدته، ما يعني أن القمع العنيف الذي مارسته السلطة أفقدها القدرة على إعادة إنتاج الحد المقبول من الشرعية السياسية، ولنقل أوصل حالة القطيعة بينها وبين الشعب إلى حد يصعب وصلها. ما كرس انعدام الفرص لأية حلول سياسية أو تسوية مع النظام القائم، أليس من البدهي أن يفضي هذا التوغل في الدم والفتك إلى مواقف حدية لا تقبل المساومة أو الحلول الوسط؟!

أخيرا، ثمة مسافة أخرى، فالوضع اليمني تطوقه دول الخليج العربي ويشكل جزءا من استقرارها وتهتم كثيرا بمنع انزلاقه إلى مزالق خطيرة، تجلى الأمر بداية في المبادرة الخليجية، ثم دور دول التعاون الخليجي في احتضان الحل ورعاية المفاوضات وفي لعب دور الوسيط والداعم للشعب اليمني وتقديم العون بعد التدهور الحاد للأوضاع الإنسانية وانعدام الخدمات، وإذا أضفنا حصول إجماع دولي تام على أهمية التغيير في اليمن ونجاح مجلس الأمن في اتخاذ قرار يدفع نحو ذلك، يمكن أن نقف عند أهم الأسباب التي عززت الضغوط على الفئة الحاكمة وسهلت التوافقات بين مختلف الأطراف.

بينما يتحكم في الخصوصية السورية ارتباطها بمحور إقليمي، يبدأ بإيران مرورا بحلفائها في العراق ولبنان، وتجاهد أطرافه مجتمعة للحفاظ عليه متماسكا وقويا، ما يعني صعوبة القبول بتغيير في سوريا أو تقديم تنازل يمكن أن يمس المستوى الراهن لنفوذ هذا المحور، أو لا يأخذ في الاعتبار مصلحة طهران التي تدعو الى إشراف إقليمي على الوضع السوري وإلى مشاركة فعالة في معالجته!

وأيضا خلافا للوضع اليمني، ثمة كيان صهيوني على الحدود السورية، ولإسرائيل كلمة قوية حول التطورات في بلد يجاورها وتحتل جزءا من أرضه وحافظ نظامه على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، بما في ذلك خشيتها من احتمال وصول سلطة جديدة إلى الحكم تهز الاستقرار الراهن.

هذان التعقيدان أثرا بقوة على جوهر الموقف الدولي والإقليمي ومدى جديته من الحدث السوري، فلم نشهد إجماعا أمميا يقف مع التغيير في سوريا، بل لا تزال السياسة الروسية، وبدرجة أقل الصينية، تعيق هذا التوجه في مجلس الأمن، وأخيرا في مؤتمر جنيف لمجموعة الاتصال حول سوريا، مثلما لا تزال المواقف الأوروبية والأميركية والتركية مترددة ومتلكئة ولم ترق عمليا إلى مستوى الحدث وما يعانيه الشعب السوري مقارنة مع مواقفها من التجربة اليمنية، ما منح السلطة الحاكمة هامش مناورة تستند إليه لرفض أي حلول سياسية وللاستمرار في التسويف والمماطلة وتاليا التوغل أكثر في القمع والتنكيل!

لقد فرض الحل اليمني من الخارج وساعدت على تنفيذه عوامل داخلية ذات صلة، لكن تبدو التعقيدات الداخلية للوضع السوري وارتباطاتها الإقليمية عائقا أمام ذلك، هذا رغم ما بدأنا نلمسه اليوم بأن المصلحة الروسية لا تتعارض مع التضحية ببعض الشخصيات المسؤولة في قمة الهرم مقابل الحفاظ على النظام في سوريا وديمومة مصالحها، وأيضا لا تخرج المصالح الغربية والعربية عن هذا الهدف، فما يهمهم هو الحفاظ على هيكل الدولة والنظام لضمان الاستقرار ومنع الفوضى والاستمرار في محاصرة المجموعات الإرهابية المتطرفة.

عجز النظام السوري عن محاصرة الثورة  وكسر شوكتها سوف يزيد من تفكك مؤسساته وآلته الحربية وأعداد المنشقين واتساع المناطق التي تخرج عن السيطرة

ويبقى أن استمرار الثورة السورية هو العامل الحاسم في إحداث التغيرات الداخلية المطلوبة وفتح طريق التغيير السياسي، فعجز النظام عن محاصرتها وكسر شوكتها سوف يزيد من تفكك مؤسساته وآلته الحربية وأعداد المنشقين واتساع المناطق التي تخرج عن السيطرة، وتاليا حصول تحول نوعي في موقف الفئات السلبية أو الصامتة، تشجعها على وضع ثقلها في الميزان والدخول على خط التغيير، بما في ذلك احتمال تبلور قوى من داخل تركيبة النظام نفسه تزداد قناعة بضرورة المعالجة السياسية وبعجز الحل الأمني والعسكري عن إحداث أي تحول، لتتنطح بداية ربما للمنازعة والمشاركة في اتخاذ القرارات ثم المبادرة عند اللزوم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

صحيح أن استمرار المشهد السوري على هذه الصورة المأساوية لم يعد ممكنا، خاصة أن تتصرف النخبة الحاكمة كأنها لا تأبه بالمواقف الدولية والعربية وتطلق كل ما لديها من أسلحة الفتك والتدمير دون حساب للعواقب، وصحيح أنه لا يزال أمرا صعبا جدا فرض الحل اليمني في سوريا من الخارج حتى لو تحقق إجماع دولي حوله، لكن الصحيح أيضا أن لهذا الحل، إن أنجز، حتى وإن كان لا يرضي قطاعات من الشعب الثائر وبعض القوى المعارضة، فوائد متنوعة، في وقف نزيف الدم وتخفيف هذه التكلفة الباهظة التي تخلفها آلة القمع، والأهم دوره في طي صفحة العنف ومنطق القوة والقهر والغلبة لصالح لغة السياسة، والبدء بتهيئة الأجواء لتقريب الفئات الاجتماعية والسياسية داخل الوطن الواحد، والتي باعدت بينها، نفسيا ومسلكيا، ظروف الحرب والدعايات المغرضة، ما يمهد الطريق لمصالحة وطنية على قاعدة تلبية حقوق الناس ومطلبهم الرئيس في إزالة الاستبداد وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك