عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

ريادة الجامعات تاريخيا
الجامعات العربية خلف الركب
السيطرة على الجامعات
ثورة الجامعات
رئيس مصر والجامعات

لم تترك الأنظمة العربية مرفقا من مرافق الحياة إلا وعملت على تخريبه وإفساده، وذلك من أجل صناعة نفسيات عربية مريضة تستسلم للمصالح الذاتية وترتعد من الحاكم، الأمر الذي يطيل أمد الحكم.

ولم تكن الجامعات على الهامش، بل بذل الحكام العرب جهودا متواصلة وحثيثة ومكثفة من أجل أن تكون الجامعات شكلا بدون مضمون، وأن تبقى أداة تحت السيطرة تستخدم لأغراض الحكام ومن والاهم.

لقد وظف الحكام أموالا طائلة لبناء جامعات حديثة من الناحية العمرانية، وزخرفوها وجعلوا منها متعة للناظرين، لكنهم أنفقوا أموالا أيضا من أجل إفراغها من مضمونها لتكون في الغالب مكانا لإصدار الشهادات للطلاب وصرف الرواتب للموظفين. لم يتركوها بدون علم، لكنهم عملوا على أن يكون العلم المتوفر خادما للحكم واستقرار النظام.

ريادة الجامعات تاريخيا
لعبت الجامعات في التاريخ العربي والإسلامي دورا رياديا من حيث التقدم العلمي والتطوير والتأثير المجتمعي. خرجت الجامعة المستنصرية علماء، وكذلك الأزهر والقيروان وأصفهان، وكان كل طالب مشروع عالم يتم إعداده لخدمة الأمة وليس النظام القائم.

سبقت الأمة الإسلامية العالم في إنشاء جامعات هدفها الرقي بالأمة علميا وأدبيا، وساهمت بذلك في الحضارة الإنسانية والتقدم العلمي

وقد سبقت الأمة الإسلامية العالم في إنشاء جامعات هدفها الرقي بالأمة علميا وأدبيا، وساهمت بذلك في الحضارة الإنسانية والتقدم العلمي. وقد عُرف عن الطواقم العلمية سعة المعرفة والاطلاع والإبداع، والشجاعة في البحث العلمي وقول الحق في وجه الحاكم. ولم يتقلص دور الأمة الحضاري إلا عندما قرر الحكام قهر العلماء وزجهم في السجون أو تطويعهم لخدمة مآربهم الخاصة.

في التاريخ الحديث، برزت الجامعات في الدول الغربية رائدة للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ومنبرا ثقافيا وفكريا متقدما يقدم الجديد في التفكير العلمي والتحليل النقدي. تطورت الجامعات الغربية لتحظى باستقلال عن المستوى السياسي، ولتكون القوة الرئيسة التي تؤثر في المجتمع وفي صناعة السياسات العامة، وبرز أساتذتها ليكونوا أصحاب الرأي العلمي الذين يبحثون عن الحقيقة، والذين يلجأ إليهم أصحاب القرار ليستنيروا بما لديهم من أفكار وتحليلات وحقائق.

على المستوى الطلابي، شكلت الجامعات مصدر خوف للحكام بصورة عامة، فحرصوا على اتباع سياسات لا تثير الرأي العام، وبالأخص طلبة الجامعات. قام طلاب الجامعات في كثير من الأحيان بدور المراقب الذي يتتبع أعمال السياسيين من حكام ومجالس تشريعية، ولم يترددوا في التعبير عن مواقفهم وانتقادهم للأداء السياسي بطرق شتى مثل الندوات والمظاهرات.

لقد خرج طلاب الجامعات في دول غربية عدة مثل فرنسا وأميركا في مظاهرات احتجاجية، وقدموا التضحيات من أجل تصحيح المسارات السياسية، وتطويع الحكام لما رأوه المصلحة العامة. وقد نجحوا في حالات كثيرة في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا. هذا فضلا عن جهود الطلاب والهيئات التدريسية في مراقبة أعمال إدارات الجامعات حرصا على التطوير العلمي والرقي الأكاديمي.

الجامعات العربية خلف الركب
يلاحظ المتتبع أن الجامعات شبه غائبة عن حركة الشارع العربي الراهنة التي يتم التعبير عنها بالربيع العربي. الجامعات لا تقود الشارع العربي الآن، ولا يحتل أساتذتها مكانا مرموقا في المواجهة، ولا الطلاب قادرون على أن يكونوا في طليعة الحراك الشعبي.

لقد سبق الحركة الشعبية بعض الململة في بعض الجامعات المصرية، لكن مستوى الحشد كان متواضعا، وعجز عن التمدد إلى الشارع بسبب إجراءات النظام وضعف الإقدام على التضحية المطلوبة من أجل التغيير. في هذه الأيام، نشهد حركة طلابية لجامعة نواكشوط، وحمى الاعتقالات تلاحق الطلاب.

شارك العديد من طلاب الجامعات في الاعتصامات والمظاهرات ومختلف نشاطات الحراك العربي، لكن بصفتهم الشعبية وليس ضمن حراك جامعي مميز. ولاحظ المشاهد العربي مشاركة بعض أساتذة الجامعات في بعض الدول العربية بالندوات واللقاءات التلفازية التحليلية، لكن ذلك كان ضمن بعد شخصي وليس ضمن بوتقة جامعية مميزة.

الجامعات لا تقود الشارع العربي الآن، ولا يحتل أساتذتها مكانا مرموقا في المواجهة، ولا الطلاب قادرون على أن يكونوا في طليعة الحراك الشعبي

لقد غابت اتحادات الطلبة عن المشهد الحراكي، وكذلك نقابات أساتذة الجامعات والهيئات التدريسية المختلفة. وقد لوحظ أيضا أن بعض أساتذة الجامعات عملوا بوقا دعائيا للنظام السياسي القائم، وبعض الطلاب أدوات لمقاومة الحراك الشعبي.

يظهر المشهد الجامعي المتخلف عن الركب أكثر وضوحا في الضفة الغربية وقطاع غزة. فبعد أن كانت الجامعات الفلسطينية رأس الحربة في مواجهة الاحتلال وتقديم التضحيات من أجل الحرية والاستقلال أصبحت بؤر سيطرة للسلطات المتنفذة ومنحازة لها على حساب الشعب الفلسطيني.

لم تعد اتحادات الطلبة فاعلة على الساحة الفلسطينية، وتحولت النقابات في بعض الجامعات الفلسطينية إلى أدوات بيد إدارات الجامعات والأجهزة الأمنية، وفقدت الجامعات قدرتها على المبادرة والتأثير بمسرح الأحداث سواء من ناحية اجتماعية أو سياسية. لقد عم الفساد أرجاء المناطق المحتلة/67، وبقي الطلاب والمدرسون يتفرجون أو يشاركون فيه. لم يختلف المشهد في البلدان العربية المختلفة.

السيطرة على الجامعات
لم تتخلف الجامعات العربية عن ركب التقدم العلمي وقيادة عملية التطوير والتغيير الإيجابي بسبب غباء العرب، أو عدم كفاءة الأكاديميين، أو ضعف طبيعي للطلبة، وإنما بفعل عوامل سياسية حالت دون الانبثاق الإنساني والشخصية العلمية للجامعات على المستويين الفردي والجماعي.

العرب لا يختلفون في قدراتهم عن الأمم الأخرى، ولديهم من العقول والاستعداد الطبيعي والانتماء والحماس كما لدى الأمم الأخرى، لكن المسارات التاريخية والاجتماعية أفرزت قيادات سياسية غير قادرة على تبني عوامل الانبثاق إلى الأمام وإحراز التقدم في مختلف مجالات الحياة.

وقد تبنت الأنظمة الحاكمة العديد من السياسات الجامعية أفقدت الجامعة دورها، أذكر منها:

1- إدخال أجهزة الأمن وعلى رأسها جهاز المخابرات إلى الحرم الجامعي وغرف التدريس والندوات والمحاضرات بهدف الرقابة والردع، وضمان سير العملية التعليمية وفق متطلبات استمرار النظام السياسي القائم.

جندت أجهزة الأمن العديد من المدرسين والطلاب لخدمة أغراضها، وصنعت إدارات جامعية تخدم مصالح النظام على حساب التعليم الإبداعي والتفكير التحليلي النقدي. تغلغلت أجهزة الأمن بصورة واسعة وأصابت المدرسين والطلبة بالرعب، واستطاعت إهلاك العملية التدريسية بخاصة في الكليات الإنسانية والاجتماعية، وتحويلها إلى مجرد كشكول (دفتر) خال من الإبداع والتجديد.

وتمتع رجال الأمن من طلبة ومدرسين وإداريين بالكثير من الامتيازات، مثل الحصول على المناصب العليا في الجامعة بالنسبة للمدرسين، وعلى علامات عالية بالنسبة للطلاب الذين في الغالب لا يقومون بواجباتهم العلمية.

2- تعيين إدارات جامعات تتمشى مع النظام وتلبي مطالبه وتسهر على راحته الأمنية والفكرية. في أغلب الجامعات العربية، يوالي رئيس الجامعة ومساعدوه ومعاونوه والعمداء النظام الحاكم وينافقون له، ويسهلون مهمات أعوانه من أجهزة الأمن ... الخ.

جندت أجهزة الأمن العديد من المدرسين والطلاب لخدمة أغراضها، وصنعت إدارات جامعية تخدم مصالح النظام على حساب التعليم الإبداعي والتفكير التحليلي النقدي

وفي كثير من الأحيان، يكون رئيس الجامعة عضوا في الحزب الحاكم، أو القبيلة الحاكمة، أو العصابة المتنفذة، وهو أبعد ما يكون عن العلم، وأقرب ما يكون إلى عصابة. يقيم من حوله شلة أو عصابة متنفذة تتحكم برقاب المدرسين، فتقرب من تشاء وتبعد من تشاء، وتطرد من تشاء.

3- تحويل مجالس الطلبة ونقابات العاملين إلى أدوات سياسية تخدم إدارة الجامعة والنظام الحاكم. تدخلت أجهزة الأمن، وتجاوبت معها إدارات الجامعات لإقامة اتحادات طلابية تابعة لإدارات الجامعات دون أن تحرص على مصالح الطلاب، وإقامة نقابات للعاملين تدافع عن الإدارات أكثر مما تدافع عن العاملين وحقوقهم. وطبعا أغرت أعضاء مجالس الطلبة والهيئات النقابية بالامتيازات.

4- ملاحقة المبدعين ومكافأة الفاشلين، لأن المبدع لا يرضى أن يكون منافقا أو دجالا، بينما يتمنى الفاشل أن يكون كذلك، ويعي تماما أن بقاءه في الجامعة مرتبط بقدرته على النفاق وليس على قدراته الأكاديمية أو الإدارية. وكما هو الحال في أغلب المؤسسات العربية، يحصل الفاشل على مكانة مميزة، بينما يعاني المبدع من الاضطهاد والملاحقة والتشهير والتقبيح.

ثورة الجامعات
مثلما تثور الشعوب العربية ضد الاستبداد، مطلوب تثوير الجامعات من أجل أن تحتل مكانها ومكانتها الصحيحين في القيادة الفكرية والتربوية والثقافية للمجتمع. تقع المسؤولية الأولى في الدفاع عن العلم والعلماء وأماكن العلم على أصحاب العلم أولا، ومن المفروض أن تدفعهم المسؤولية العلمية إلى الوقوف في وجه سياسات التجهيل والتلقين وتغييب التفكير، وإعادة الاعتبار للجامعات لتصبح مصانع باحثين وعلماء ومفكرين.

هناك العديد من الأوجه التي يمكن أن يتناولها ربيع الجامعات العربية، أشير هنا إلى بعض النقاط الهامة:

1- التركيز على إخراج أجهزة الأمن من الجامعات، وإقامة سياج حماية من قبل الأكاديميين حول الذين تطلبهم أجهزة الأمن من مدرسين وطلبة للتحقيق، أو تعرقل حياتهم بسبب نشاطاتهم العلمية والتعليمية ومواقفهم الاجتماعية والسياسية. يجب القضاء على الخوف الذي ينتاب المدرسين والطلاب من أجهزة الأمن والسياسيين إذا كان للتفاعل العلمي أن يأخذ مداه، وهذا لا يتم إلا بمواقف جماعية وصلبة من قبل الهيئة التدريسية ومجالس الطلبة.

على أصحاب العلم تقع مسوؤلية الوقوف في وجه سياسات التجهيل والتلقين وتغييب التفكير، وإعادة الاعتبار للجامعات لتصبح مصانع باحثين وعلماء ومفكرين

2- إقامة إدارات جامعية على أسس مهنية يقررها كبار (من هم برتبة أستاذ) أساتذة الجامعات، ويتم تعيين الإداريين بمن فيهم رئيس الجامعة بناء عليها. يجب ألا يتم تعيين رئيس الجامعة بناء على أسس سياسية وإنما وفق أسس مهنية علمية وإدارية يقررها مجلس جامعي مختص ومكون ممن حازوا رتبا علمية عالية. هذا من أجل أن تدار الجامعة مهنيا وليس أمنيا.

3- تحرير مجالس الطلبة والنقابات من سطوة إدارات الجامعات، وهذا سيكون تحصيل حاصل فيما إذا أصبحت إدارات الجامعات مهنية.

4- الترقية العلمية لا تتم إلا تبعا للإنجاز العلمي، وليس وفق أمزجة إدارية وسياسية غير مهنية. أكاديميون فاشلون كثر في الساحة العربية حصلوا على ترقيات علمية بقرارات من مجالس الأمناء أو رؤساء الجامعات، أو بأبحاث مسروقة، وهم يقودون الجامعات الآن. المطلوب وضع معايير الثواب والعقاب، فيثاب من يعمل، ويحاسب من لا ينجز علميا.

رئيس مصر والجامعات
جميل أن يلقي الرئيس المصري خطابه الأول من جامعة القاهرة، أعرق الجامعات العربية الحديثة، وجميل أن يعطي البحث العلمي نصيبا من التركيز. لدى رئيس مصر الإمكانات والوسائل للرقي بجامعات مصر، وبالجامعات العربية عموما إذا التفت تماما إلى أهمية العلم في صناعة الأمم، بخاصة العلوم الإنسانية.

كان تركيز الأنظمة البائدة على قتل التعليم في كليات التربية والعلوم السياسية والاجتماع والإعلام والشريعة والاقتصاد والفلسفة من أجل ضمان البلادة الفكرية، وبإمكان الرئيس المصري أن يعيد لهذه الكليات احترامها وهيبتها لتصنع الإنسان الجديد القادر على التطوير في مختلف مجالات الحياة.

لكن الرئيس وحده لا يصنع المعجزات، وهو بحاجة إلى جهود الأكاديميين والطلبة لكي تتكامل الأدوار. وإذا لم يكن هناك رئيس يدفع باتجاه التغيير، فإن إعفاء الأكاديميين من أدوارهم يعني نزع المسؤولية التي تضفي المعنى على الشهادات التي يحملونها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات