مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

 

تنتصب مجموعة من التحديات في وجه الرئيس المصري المنتخب د. محمد مرسي الذي يواجه تِركة بالغة الثقل والصعوبة من مخلفات العهد السابق تجعل من مهمته بالغة العسرة وأشبه ما تكون بالخوض في بحر من الرمال المتحركة أو السير المترنح في حقول ألغام مترامية الأطراف.

ولا نبالغ بالقول إن الرئيس مرسي يعتبر الرئيس الأثقل حملا والأشد إثارة للتعاطف على مستوى العالم أجمع. ومع دخوله قصر الرئاسة المصرية تدخل مصر حقبة جديدة ذات سمت خاص وقواعد مغايرة لما ألفته طيلة العقود المنصرمة من عمر النظام الاستبدادي البائد.

تحدي الصلاحيات والنفوذ
تحدي الصلاحيات والنفوذ يشكل التحدي الأول أمام مرسي، فقد حرمه ما يسمى الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس العسكري مؤخرا العديد من الصلاحيات الرئاسية وجعل العديد من قراراته المفترضة ملحقة ومشروطة بموافقة المجلس العسكري، ما يضعه أمام كثير من الحرج وكثير من العوائق التي تحد من قدرته على تنفيذ برنامجه الانتخابي.

دراسة خطابات مرسي الأخيرة بشكل معمق توحي بأن الرجل أبعد ما يكون عن الصدام المفتوح مع المؤسسة العسكرية، دون أن يعني ذلك تهاونه في استعادة حقوقه وصلاحياته الرئاسية المغتصبة 

ولا تبدو محاولات التوافق التي جرت وراء الكواليس خلال الأيام الماضية لإبرام صفقة مرضية بين الإخوان والمجلس العسكري قادرة على تغطية كل مساحات التناقض والخلاف بين الطرفين، وخصوصا في ظل اليد العليا التي يتحرك على ضوئها المجلس العسكري، وإمساكه بكل مفاصل القوة في الدولة.

ومع ذلك يمكن القول إن مرسي سيعمد إلى معالجة أمر صلاحياته المنتقصة مع المجلس العسكري بكل حكمة بعيدا عن التسرع أو الاستعجال، وهو ما بدا لافتا خلال الخطاب الذي ألقاه مرسي في جامعة القاهرة، والخطاب الذي ألقاه في احتفالية المجلس العسكري، السبت الماضي، والذي حرص فيه على استمالة تأييد عناصر وقيادات القوات المسلحة ونزع كل مظاهر التوتر والاستقطاب التي خيمت على الأجواء المصرية خلال الفترة الماضية.

وهنا يُشرع لنا القول إن معركة الصلاحيات والنفوذ في إطار إدارة الصراع على السلطة بين الرئيس المنتخب وبين المجلس العسكري ستأخذ شكلا هادئا ومقننا بعيدا عن الصخب والضجيج على المدى المنظور على الأقل، وستعتمد الحوار سبيلا لتفكيك الألغام المستحكمة في المرحلة الأولى، قبل أن تخترق شرنقة الانسيابية الراهنة باتجاه مسارات أخرى.

لكن دراسة خطابات مرسي الأخيرة بشكل معمق توحي بأن الرجل أبعد ما يكون عن الصدام المفتوح مع المؤسسة العسكرية، دون أن يعني ذلك تهاونه في استعادة حقوقه وصلاحياته الرئاسية المغتصبة بحكم الإعلان الدستوري المكمل، وهو ما يؤشر إلى مرحلة رئاسية أقرب إلى التعايش المشترك بين الطرفين.

التحدي السياسي والاجتماعي
التحدي السياسي والاجتماعي يمثل تحديا آخر بالغ الأهمية في ظل التشتت السياسي والتفسخ الاجتماعي الذي أصاب حياة المصريين في الأشهر الأخيرة، فما زالت العديد من القوى السياسية والمجتمعية المناوئة للمشروع الذي يحمله مرسي تجاهر برفضها التعاون معه أو الدخول في شراكة حقيقية لإسناده وحمل الهمّ المصري بشكل موحد، وتنتظر فشله على مذبح الأزمات التي تعصف بالواقع المصري.

أول الخطوات التي ينبغي أن يقوم بها مرسي تتمثل في بناء برنامج وطني توافقي يعكس واقع المجتمع المصري ويعبر عن تطلعات وطموحات جميع المصريين بدون استثناء، كي يتحصّل بالتالي على دعم وإسناد كل المصريين، ويخرج من عباءة البرنامج الحزبي للإخوان باتجاه فضاء البرنامج الوطني الأرحب والأشمل.

ولعل المؤشرات التي يرسلها مرسي في هذا الاتجاه تبدو مشجعة للغاية، إذ عكست خطاباته الأخيرة روحا وطنية توافقية رائعة بين كافة شرائح ومكونات الشعب المصري وقواه وتياراته السياسية والحزبية، وأرسلت رسائل مطمئنة لمؤسسات وهياكل الدولة المختلفة وعلى رأسها المجلس العسكري.

ومن شأن استمرار مرسي على هذا النهج، وتجسيده في إطار برنامج وطني عام، أن يعزل كافة القوى المناوئة له ويحرجها شعبيا، ويضمن دعم وولاء وتفهّم الغالبية الساحقة من القطاعات السياسية والمجتمعية المصرية. 

بموازاة ذلك، يجب أن يحسن مرسي اختيار أعضاء حكومته وفريقه الرئاسي، وأن يحرص على الشمول والتنوع لجهة تمثيل الفسيفساء المصرية قدر الإمكان، والتركيز على الكفاءات النوعية القادرة على العمل والإنتاج بهدوء خلال المرحلة القادمة.

انفراد المجلس العسكري بتقرير موازنة الدولة المصرية ضمن صلاحياته المقرة في الإعلان الدستوري المكمل، يضع مرسي أمام أسئلة الاقتصاد الصعبة خلال المرحلة القادمة

التحدي الاقتصادي
التحدي الاقتصادي يبدو ماثلا ضمن سياق التحديات التي تتهدد مسيرة مرسي، بل ربما يكون أخطر الملفات على الإطلاق بحكم مساسه المباشر بالقطاعات الشعبية الواسعة التي تنتظر الفرج وحل أزمات البطالة والتشغيل والفقر اليوم قبل غد، ما يضع مسؤوليات ثقيلة للغاية في عنق مرسي الذي يدرك تماما أن اقترابه من المواطن المصري البسيط وقدرته على التخفيف من معاناته ومشكلاته يشكل صمام الأمان وأحد أهم مفاتيح النجاح والاستمرار في قيادة الدولة لعبور المرحلة الراهنة المثقلة بالوهن والأزمات إلى شاطئ السلامة وبر الأمان والاستقرار الاقتصادي.

وقد يكون العائق الأهم أمام مرسي اقتصاديا خضوع الاقتصاد المصري لشبكة واسعة من الاقتصاديين ورجال الأعمال الذين يرتبطون بنظام مبارك والدولة العميقة التي يديرها المجلس العسكري، ولن يكون هؤلاء، أو قطاع واسع منهم على الأقل، في وارد تقديم خدمة مجانية لمرسي أو التعاون معه على طريق إنجاح مشروعه الذي يتناقض مع البناء المصلحي العميق الذي دشنوه خلال العقود الماضية وما نالوه من حظوة وتسهيلات وامتيازات هائلة على حساب مبادئ العدالة والقانون وعلى حساب المواطن المصري البسيط الذي ازداد فقرا وبؤسا يوما بعد يوم في ظل حكم النظام السابق وسياساته الاقتصادية الفاسدة.

وزاد الطين بلة أن المجلس العسكري انفرد بتقرير موازنة الدولة المصرية ضمن صلاحياته المقرة في الإعلان الدستوري المكمل، وهو ما يضع مرسي أمام أسئلة الاقتصاد الصعبة خلال المرحلة القادمة.

تحدي القضية الفلسطينية
تحدي القضية الفلسطينية يمثل -أيضا- هاجسا أمام مسيرة مرسي، وخصوصا في ظل الآمال والطموحات الكبرى التي يعلقها عليها الكثير من الفلسطينيين، وفي مقدمتهم حركة حماس وأنصارها الذين يصدرون مع مرسي عن مشكاة تنظيمية وفكرية واحدة، لجهة إنهاء الحصار المفروض على غزة وفتح معبر رفح بشكل كامل ودائم ومواجهة التغول الإسرائيلي على الفلسطينيين وحقوقهم المسلوبة.

القضية الفلسطينية تشكل إحدى أهم التحديات التي تواجه مرسي على الصعيد الخارجي، ويتوقف عليها –حسب وجهة نظر البعض- تقييم مدى قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية خلال المرحلة المقبلة.

وكان لافتا تماما أن تبلغ الفرحة الفلسطينية بفوز مرسي حدودا قصوى، وأن يتصدر مطلب رفع الحصار عن غزة قائمة المطالب الفلسطينية التي يتوجب على مرسي إنفاذها على المدى القريب.

ولم تقتصر قاطرة الآمال والطموحات الفلسطينية المنطلقة بقوة على المواطنين الفلسطينيين، وخصوصا أهالي قطاع غزة، بل تعدتهم إلى السياسيين الذين ظهروا على غير توازن يتماشى مع محددات ومعطيات السياسة الراهنة المحكومة بجملة متداخلة من العوامل المؤثرة والاعتبارات المعقدة التي تجعل من هامش تعاطي مرسي مع القضية الفلسطينية ضيقا نسبيا على المدى المنظور.

تحدي القضية الفلسطينية سيبقى هاجسا مهما أمام مرسي في ظل قناعته بأنه لن يستطع أن يقدم الكثير للفلسطينيين على المدى القريب

وإن كان بالإمكان تفهّم سر استعجال المواطنين الفلسطينيين وثقل مطالبهم من الوافد الجديد لمقر الرئاسة المصرية بحكم شدة وطأة المعاناة التي صبها نظام مبارك على رؤوسهم وجعلت منهم يتشبثون بريح الأمل الوافدة مع الرئيس الجديد، إلا أن أحدا لا يمكنه فهم واستيعاب حجم الآمال والطموحات التي يعلقها بعض السياسيين والمسؤولين الفلسطينيين على مرسي، وكأنهم لا يدرون عن العوائق الجمة والمشكلات العميقة التي تواجه الرجل شيئا.

تحدي القضية الفلسطينية سيبقى هاجسا مهما أمام مرسي في ظل قناعته بأنه لن يستطيع أن يقدم الكثير للفلسطينيين على المدى القريب بحكم الظروف والمشكلات المعقدة التي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، وأنه يتعين على الفلسطينيين الانتظار حتى ترسخ أقدامه ويستقر حكمه ويقطع شوطا جيدا في معالجة ملفات الأزمة المصرية الداخلية التي تؤرق كاهله، قبل أن يجترح سياسات قوية وخطوات ذات بال على مستوى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

التحدي الإقليمي والدولي
التحدي الإقليمي والدولي يجسد ذاته ضمن تفاعلات سياسة مرسي وعلاقاته المختلفة المنتظرة مع البيئة المحيطة إقليميا ودوليا.

 مبدئيا، على مرسي أن يحسن التعاطي مع السياسة الدولية القائمة على الكذب والنفاق والخداع والتضليل وعلى إعلاء مبدأ المصلحة على كل القيم الأخلاقية والمبادئ القانونية والاعتبارات الإنسانية، وهذا أمر دونه الكثير من العنت والجهد والحسابات الدقيقة.

إعمال سياسة التوازن واستدعاء الحسابات الدقيقة في التعاطي مع قضايا المنطقة والعالم قد تنجح جزئيا ولكنها ليست وصفة مضمونة في نهاية المطاف في ظل سعي مرسي لاستعادة دور مصر ومكانتها العربية والإسلامية والأفريقية التي بددها النظام السابق، وفي ظل حالة العداء المعلنة التي تكنّها بعض الدول العربية للإسلاميين، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي إليها مرسي، والانعكاسات السلبية المتوقعة لذلك على مسار العلاقة بين هذه الدول وبين مصر تحت حكم الرئيس الجديد.

ولعل ما سُمّي بشبه الأزمة الدبلوماسية بين مصر ودولة الإمارات عقب التصريحات المستهجنة لقائد شرطة دبي "ضاحي خلفان" ضد مرسي تعطي مؤشرا أوليا على حجم القلق الذي تشعر به بعض دول الخليج تجاه فوز مرسي، والألغام التي ربما تنتظر مسار العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.

دوليا، سيجد مرسي نفسه غائصا في متاهة العمل السياسي بنكهته الدولية التي تفوح منها روائح المساومة والابتزاز على الدوام، وسيواجه مشقة كبرى في النأي بمصر وسيادتها واستقلال قرارها عن عبث وتدخلات الدول الكبرى.

سيجد مرسي نفسه غائصا في متاهة العمل السياسي بنكهته الدولية التي تفوح منها روائح المساومة والابتزاز، وسيواجه مشقة كبرى في النأي بمصر وسيادتها واستقلال قرارها عن عبث وتدخلات الدول الكبرى

وهكذا فإن الرئيس مرسي يتحرك اليوم بصلاحيات رئاسية منتقصة، وتتربص به دولة عميقة على رأسها المجلس العسكري الذي يشكل عمليا دولة داخل الدولة، ورئيسا على الرئيس، وإعلاما يتصيد الأخطاء والهفوات إن لم يصطنعها للإساءة إلى التجربة الرئاسية الجديدة والتحريض عليها، وشبكة من أصحاب المصالح والمتضررين الذين يسلبهم فوزه ومشروع نهضته امتيازاتهم الكبرى، فضلا عن قوى إقليمية ودولية حريصة على تلغيم مسيرته وإفشال تجربته بكل معنى الكلمة.

ورغم أن بعض المفكرين والمراقبين قد وصف مهمة الرئيس مرسي اليوم وكأنه مقدم على عملية استشهادية تتضاءل احتمالات النجاة بشأنها في الدنيا مع ارتفاع حظوظ نجاحها في الآخرة إلى الدرجة القصوى، إلا أن حكمة الرجل في تعاطيه مع العسكر، وعمق فهمه لخطورة اللحظة التاريخية التي تعيشها مصر، ومستوى شفافيته وبساطته وصراحته واقترابه من نبض الشارع المصري، وسيره الواثق باتجاه إعلاء أسس ومبادئ الشراكة الوطنية الحقة، يمنحه قوة مضافة في مواجهة هذه التحديات، ويجعل من المصريين أكثر تفهما واستيعابا لحجم ومستوى العوائق والمشكلات التي تتهدد مسيرته خلال المرحلة المقبلة.

رفقا بمرسي، فحمله ثقيل للغاية ومهمته تنوء لها الجبال، وبالمقاييس المادية فإنه بحاجة إلى معجزة لإنقاذ مصر من أزماتها ومآزقها وآفاتها التي نهشتها طيلة العقود الماضية. أعان الله الرئيس مرسي على تحمل عنت ولأواء وتحديات المرحلة القادمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك