غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

هل ما يحصل في سوريا يشكل اللحظات الحاسمة والمصيرية في تاريخ النزاع الممتد منذ عام ونصف على ما يعتقد مراقبو الأوضاع، خاصة بعد وصول الصراع إلى قلب العاصمتين الإدارية السياسية والاقتصادية، أم هو مجرد انتقال إلى طور جديد لن يلبث أن يتم التكيف معه والتعايش مع مفرزاته، في انتظار ولادة طور جديد وظروف ووقائع مختلفة، وذلك في سياق الحدث المؤلم الذي يعيشه هذا البلد المنكوب؟

من نافلة القول إن الشعب السوري راح ضحية الحسابات الجيوستراتيجية المعقدة والتوازنات الإقليمية والدولية والترتيبات والمتغيرات التي ألمت بالعالم منذ بداية القرن الحالي، حيث تجمعت كل خلاصات هذه التعقيدات لتنتصب في وجه الرغبة البسيطة للشعب السوري في الانعتاق والتحرر والبحث عن العدالة والمساواة.

"
الشعب السوري راح ضحية الحسابات الجيوستراتيجية المعقدة والتوازنات الإقليمية والدولية والترتيبات والمتغيرات التي ألمت بالعالم منذ بداية القرن الحالي
"

إزاء هذه التعقيدات المتكاثرة على سطح الأزمة السورية وفي عمقها، يخطئ من يقول إن السوريين لم يتجهزوا لمثل هذا اليوم بما فيه الكفاية، وإن حراكهم لم يكن أكثر من تقليعة جاءت على هامش موسم الربيع العربي، ذلك أن دمشق أعلنت عن ربيعها منذ بداية العقد السابق، وقدمت في سبيل ذلك إلى أقبية السجون والمنافي كامل نخبتها السياسية وجزءا عزيزا من شبابها، كما أن حركتها اندرجت ضمن سياق عالمي أوسع انبنى على جملة من قواعد ومبادئ القانون الدولي التي تأسست في العقود الأخيرة، والتي على أساسها تكرست قيم الحماية الإنسانية وعالمية الجريمة والمحاكمة وأولوية حقوق الإنسان.

وفي الواقع، شكلت الأزمة السورية ارتكاسا عن كل ما سبق أن تحقق في المجال الحقوقي، وكشفت أن ما تم إنجازه في هذا المجال زمنَ التسويات السهلة والتوافقات الدولية، كان من السهل تجاوزه زمن التكالب باسم الحفاظ على المصالح ومبادئ القانون الدولي التي باتت تنتهك كل لحظة وبتشجيع من القوى المسؤولة عن حمايتها.

لقد استطاعت مجموعة من الدول -على رأسها روسيا والصين وإيران ومجموعة "البريكس"- في ظل ما أبدته الدول الغربية من عجز، إيصال الوضع في سوريا إلى حالة من عدم الاستقرار واليقين السياسي والاجتماعي، عندما ربطت إمكانية إيجاد مخارج للأزمة بحصولها على مراكز مهمة في تراتبية القوة والأهمية الدولية، بدا أنها لا تتفق مع قدراتها وواقعها على أرض الواقع وليس لها ما يؤيدها سوى قدرتها على ترك الجرح السوري مفتوحاً.

الواقع، أن استجابة المجتمع الدولي تجاه ما يحدث في سوريا كانت على الدوام تتخذ صياغات مرنة ومفتوحة، بقدر ما تسهل للنظام التفلت من استحقاقاتها، تتيح للمجتمع الدولي الاختباء وراء حقيقة عجزه وتقاعسه عن المبادرة والفعل، وذلك عبر وضع سقوف معينة للنظام تتمثل الإشكالية فيها بكونها أكبر من قدرة الشعب السوري على التحمل وتتجاوز واقعه وظروفه، كأن يكثف المجتمع الدولي جهوده على قضايا يستطيع النظام أن يجد في التعاطي معها فسحة من المناورة وتظهره كطرف دولي مسؤول، كتحذيره من مغبة الاعتداء على دول الجوار أو استخدام مخزونه من الأسلحة الكيماوية والجرثومية، أو حتى تحذيره من التفكير في الاعتداء على إسرائيل، وكأن المجتمع الدولي في ذلك يؤكد للنظام أن كل ما هو تحت هذا السقف مسموح، أو يمكن التعاطي معه أو لا يمثل مشكلة مهمة أو خطيرة.

 

"
استجابة المجتمع الدولي تجاه ما يحدث في سوريا كانت على الدوام تتخذ صياغات مرنة ومفتوحة، بقدر ما تسهل للنظام التفلت من استحقاقاتها، تتيح للمجتمع الدولي الاختباء وراء حقيقة عجزه
"

انطلاقا من هذا الواقع، يكشف الاستعداد الدولي مدى قدرة المجتمع الدولي على التكيف مع تطورات الوضع في سوريا، الذي من الواضح أنه يأخذ مداه إلى أبعد الحدود دون أي نوع من التدخل الممكن الذي من شأنه تفعيل الوضع ونقله إلى حالة مختلفة، حيث تكتفي القوى الفاعلة باتخاذ الحد الأدنى من الأنشطة التدخلية المتمثلة في العقوبات التي باتت بلا معنى ولا تؤثر بهذا النمط من الأنظمة، التي لديها القدرة على هضمها والتكيف معها وإمكانية التعايش لعشرات السنين كحال نظام كوريا الشمالية.

 

وربما ما يساعد على استمرارية هذا الوضع أيضاً وإمكانية ديمومته لفترة أطول، استعداد النظام للقبول بسيادة هامشية على بعض المناطق وتركيز ثقله في العاصمة كنوع من الاسترهان والحفاظ على شرعية تمنحه حق القيادة، وتمنع توصيفه كطرف في حرب أهلية يمارسها شكلا ومضموناً على الأرض، فالمعلوم أن دمشق بسكانها الأصليين وما تكدس بها من لاجئين ومهجرين باتت تتضمن نحو ربع سكان سوريا، هم في الحقيقة مرهونون ومتروكون لرحمة الأقدار، وورقة إضافية يناور النظام بها خصومه الدوليين والمحليين. وقد جهز النظام لذلك نخبة قواته العسكرية والأمنية وأفضل أنواع أسلحته الثقيلة وتلك المحرمة دولياً.

في هذا الإطار تبدو معركة دمشق من أكثر المعارك شراسة وأكثرها خطراً، حيث يعمد طرفا الأزمة إلى عمل انتحاري تدميري في مواجهة بعضهما، وقد فرضت معطيات الواقع وأرض الميدان هذا النمط من المواجهة، حيث يعتبر الجيش النظامي أن خسارته لدمشق تعني انتهاء حكم النظام وإيذاناً بزواله، وذلك لما تتمتع به دمشق من مزايا جيوستراتيجية ووجدانية ورمزية، كما تعني خسارته للجنوب القريب من الحدود الأردنية، مع ما يعنيه ذلك من انفتاح باب التدخل وشرعنته وتغيير للواقع اللوجستي وانكشاف الوضع الإستراتيجي برمته.

في المقابل وبالنسبة للجيش الحر تبدو المعركة مصيرية ونهائية لذات الاعتبارات السابقة، غير أن الفارق أن هذا الطرف يخوض المعركة بأسنانه وأظفاره دون امتلاكه لأي سلاح إستراتيجي، اللهم سوى اعتماده على زخم العنصر البشري والقدرة على المناورة وتحقيق الانتصارات التراكمية.

غير أن معركة دمشق من زاوية أخرى تحتمل أن يلجأ الطرفان بحكم أوضاعهما الإستراتيجية إلى قبول نوع من التقسيم يرتضيه الطرفان، بحيث يكتفي كل طرف بالسيطرة على أجزاء محددة من العاصمة بانتظار حدوث متغيرات مواتية. ويبدو هذا الاحتمال قائماً في أكثر من منطقة وحالة، وهذا الوضع من شأن ترسيخه ودوامه زيادة هامش التعفن واستمراره بحيث ينتج عنه ولادة وتحديد شكل سوريا القادمة بشكل نهائي.

وثمة مؤشرات كثيرة على إمكانية تحقق الواقع المشار إليه، ولعل أكثرها وضوحاً حقيقة أن النظام -رغم ما يقال عن تفوقه النوعي والعددي- أصبح يخوض المعارك في كل من دمشق وحلب باحتياطي القوة الإستراتيجية لديه "فرق النخبة" التي -رغم قوتها الباطشة- يدرك النظام أن المخاطرة بزجها في أزقة المدن تعني مغامرة خطرة ومكلفة، خاصة إذا صحت التقديرات التي تقول بأن النظام وضع إستراتيجية لخروج آمن من هذه المناطق المعادية إلى بيئته الشعبية في المناطق الموالية له.

بانتظار تغير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية أو اختراق هذا الوضع بتغيير قواعد الاشتباك، تبقى دمشق وكل المساحة السورية رهينة لكل أنواع الخطر والاحتمالات السيئة

المؤشر الآخر في هذا السياق يتعلق بقدرات المعارضة نفسها، ذلك أن البنية العسكرية والتجهيزات اللوجستية لهذه القوى، بما فيها نوعية السلاح وتأمين طرق الإمداد وسواها، لا تؤهل المعارضة المسلحة لامتلاك زمام المبادرة والتحكم والسيطرة على أرض الواقع، بل تؤهلها للقيام بعمليات نوعية ومزعجة للنظام وقواته.

وبانتظار تغير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية أو اختراق هذا الوضع بتغيير قواعد الاشتباك، وهو ما يبدو مستبعداً في هذه اللحظة الدولية المعقدة، تبقى دمشق وكل المساحة السورية رهينة لكل أنواع الخطر والاحتمالات السيئة، ويبقى أهلها ينتظرون صباح مساء ما تحمله الأقدار التي يبدو أنها حمالة للسوء بأقسى درجاته، وما لهم غير الله على ما يقول شعارهم الشهير.

سوريا ليست على طريق الحسم، هذا الأمر تعيه كل الأطراف في سوريا، فلا الإرادة الدولية مهيأة لهذا الاستحقاق، ولا واقع القوى لدى الأطراف المحلية.. الواقع الأقرب هو حالة من الفوضى والدمار والنزوح والتهجير وتمزيق الهوية الوطنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك