كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي

مساء الأربعاء 4/7/2012، التقى قادة القوى السياسية السودانية المعارضة تحت لواء "الإجماع الوطني"، ومهروا بتوقيعهم "الجزء الأول" من وثيقة "البديل الديمقراطي"، وهو "البرنامج" المتفق على تنفيذه خلال فترة انتقالية يُفترض أن تعقب إسقاط النظام الحالي، مرجئين "الجزء الثاني" وهو "الإعلان الدستوري" الذي كان يفترض التواثق على حاكميته خلال تلك الفترة، لولا اختلافهم حوله جزئياً.

أبرز نقاط ذلك الاختلاف: طولُ الفترة نفسها، أثلاثَ سنوات تكون حسب الأغلبية، أم سنتين وفق حزب الأمة؟ و"نظام الحكم"، أبرلماني بمجلس سيادة حسب الأغلبية، أم رئاسي برؤية حزب الأمة؟ و"مستويات الحكم"، أهي أربعة (اتحادي وإقليمي وولائي ومحلي) كرأي حزب الأمة، أم ثلاثة باستبعاد "الولائي" كرأي الأغلبية؟ والدستور، هل يجاز باستفتاء شعبي حسب الأغلبية، أم بهيئة تشريعية وفق حزب الأمة؟ ثم هنالك إصرار الأخير على تضمين الإعلان ما أسماه "التعبير عن التطلعات الإسلامية"، هذه العبارة المفتوحة على أكثر التفسيرات غموضاً وترهُّلاً!

(1)

حزب الأمة واسطة عقد المعارضة وأقوى بواشقها الذي لا تفتر الحكومة من طراده، مستهدفة تجييره في خانتها بزعيمه الفقيه والمفكر المتميز، اتفقت أم اختلفت معه

حزب الأمة -من قبل ومن بعد- هو واسطة عقد المعارضة، وأقوى بواشقها الذي لا تفتر الحكومة من طراده، مستهدفة تجييره في خانتها، بزعيمه الفقيه والمفكر المتميز، اتفقت أم اختلفت معه، وبقواعده من المجاهدين الأشاوس، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، ولا يقول بغير ذلك سوى مكابر، ومن ثمَّ وجب الاهتمام بمواقفه هو بالذات على مختلف الأصعدة.

ضمن هذا الإدراك، وفي إطار اختلافاته مع حلفائه، قد لا تبدو عصية على الفهم، بل ربما غير مستغربة البتة، رغبتُه الصميمة في "تقصير" فترات الانتقال، الأمر الذي لطالما أسس -تاريخياً- لموقفه في هذا الشأن على خلفية ما ظل يهجس لديه دائماً من جهة تصوره لنوايا اليسار والقوى الحديثة حيال أي "تطويل" لهذه الفترات! واستطراداً، سيشكل ذلك أيضاً مع الفارق موقف حزب الميرغني، في ما لو قدر له أن يلتحق بكيان "الإجماع الوطني"، فلقد سبق أن تطابق مع حزب الأمة مرتين في هذا النظر: الأولى عقب ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964، والثانية عقب انتفاضة أبريل/نيسان 1985.

(2)

لكن الأمر المستوجب فعلاً لبيان شافٍ من حزب الأمة، هو نكوصه عن مواقفه المعلنة من الديمقراطية البرلمانية والاستنارة الإسلامية. هذا النكوص، وإن لم يتسبب وحده في تغييب "الإعلان الدستوري"، فإنه أسهم فيه بقدح معلى.

ففي خواتيم ستينيات القرن المنصرم أيَّد حزب الأمة مشروع الجمهورية الرئاسية نظاماً للحكم، غير أنه ما لبث أن تخلى عنه من خلال تبنيه -عملياً- للنظام  البرلماني القائم على التعددية، واللامركزية، والحريات العامة، والحقوق الأساسية، باعتباره النظام الأكثر ملاءمة لظروف بلادنا وتنوع شعوبنا.

لذا يحيِّر الآن انقلابُه للمطالبة -حدِّ إثارة الشقاق- باعتماد النظام الرئاسي الذي أثبتت تجربته في بلادنا اقترانه الكاثوليكي بالشمولية والاستبداد!

محيِّر أيضاً التناقضُ بين جهاد الحزب -نظرياً- في الدعوة إلى "توسيع" مواعين الممارسة الديمقراطية، وانتهاء تلك المناداة -عملياً- إلى رفض هذا "الوسع" بلا حيثيات واضحة، حين يُطرح كاقتراح لاستفتاء الشعب مباشرة على الدستور!

مع ذلك يلزم التنويه بسداد رأي الحزب حول هيكلة الحكم بأربعة مستويات (اتحادي وإقليمي وولائي ومحلي)، مقابل خطل أعمِّ اتجاهات الرأي وسط حلفائه، باستبعاد المستوى "الولائي"، والاقتصار على الثلاثة الأخرى.

سند هذا الرأي لدى أهله، خصوصاً الدكتور الترابي، هو الخبرة العالمية التي لا تعرف مستويات أربعة وإنما ثلاثة، وفي ذلك نهل غير متبصر من تلك الخبرة، فضلاً عن التغليب الخاطئ "للعالمي العام" على "السوداني الخاص"! فالمستويات الأربعة تمثل في الخبرة السودانية ضرورة لا غنى عنها للإرادة الشعبية في حيِّزها الهويوي الجغرافي، بما يستلزم ترك الخيار متاحاً أمام هذه الإرادة، كي تعبِّر بشكل ديمقراطي عمَّا إن كانت تريد امتلاك كينونة "ولائية" خاصة بها، أم تكتفي بالكينونة "الإقليمية".

(3)

إصرار حزب الأمة على التعبير المبهم عن التطلعات الإسلامية ينطوي على مفارقة بيِّنة لخط الحزب الفقهوفكري الذي لطالما أفصح عنه من خلال تواتر إعلانه التمسك بمقررات مؤتمر أسمرا

لكن كله كوم، وإصرار حزب الأمة على التعبير المبهم عن "التطلعات الإسلامية" كوم آخر، لانطوائه على مفارقة بيِّنة لخط الحزب الفقهوفكري الذي لطالما أفصح عنه من خلال تواتر إعلانه التمسك بمقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية (23 يونيو/حزيران 1995)، رغم مفارقة الحزب باكراً للتجمع الوطني الديمقراطي الذي عقد ذلك المؤتمر وأصدر تلك المقررات، ومن أهمها "حظر استغلال الدين في السياسة". ومع ذلك اقترح جهراً أن توقع الحكومة على تلك المقررات أيام دار الكلام عن "الحل السياسي الشامل"، وذلك -كما قال- "اختصاراً للوقت.. بحيث.. ينغلق باب المماحكة والجدل العقيم" (الصحافي الدولي، 10/9/2001).

أما من الناحية الأدائية العملية فلا يستطيع حتى النظر العابر إغفال تطابق "نهج المصلحة" في ما ظل يصدر عن حزب الأمة من نظر فقهي، وبين ما كان "التجمع" قد استبطن في "مقررات أسمرا"، حيث خلص كلاهما -بذهن مفتوح- إلى طرح متقارب الاستنارة. ففي ورقة العمل مثلاً التي أجازها المكتب القيادي لحزب الأمة يوم 9/7/2001، حاملة موقفه التفاوضي باتجاه المؤتمر التحضيري الذي كان مزمعاً عقده لتداول "الحل السياسي الشامل"، طالب الحكومة بإجلاء مسألة "الدين والدولة"، بما "يؤكد أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.. وأنه لا يحق لأية مجموعة.. أن تنال امتيازات بسبب انتمائها الديني، وأن الأحزاب.. تقوم على أساس مفتوح لكل المواطنين.. ولا تفرق بين الناس على أساس ديني".

لكن، ها هو تمسك الحزب -حتف أنف ذلك البيان الناصع- بضرورة "التعبير عن الطموحات الإسلامية"، يجعل "المجموعة المسلمة" تنال "بسبب انتمائها الديني" امتيازاً في النص الدستوري، يمتنع على بقية المجموعات!

(4)

لقد مهَّدت جملة من تعبيرات "التجمع" التواثقية المقدمات الضرورية "لمقررات أسمرا"، رغم الثقل المسلم فيها، والمشاركة النشطة والفاعلة لحزب الأمة. من تلك التعبيرات مثلاً، النصُّ -ضمن المادة10 من "مشروع الدستور الانتقالي" الذي أجازته هيئة قيادة التجمع بلندن (26 يناير/كانون الثاني- 3 فبراير/شباط 1992)- على واجب الدولة في معاملة معتنقي الأديان السماوية وأصحاب كريم المعتقدات الأرواحية "دون تمييز بينهم في ما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة في هذا الدستور كمواطنين، ولا يحق فرض أي قيود على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة أو الدين"، فضلاً عن النص -بصيغة لغوية تذكِّر "بالصحيفة/دستور المدينة"- على أن "يهتدي المسلمون بالإسلام ويسعون للتعبير عنه، (و) يهتدي المسيحيون بالمسيحية ويسعون للتعبير عنها، (و) يُحظر الاستخدام المسيء للأديان وكريم المعتقدات.. بقصد الاستغلال السياسي". وكم هو شاسع الفرق بين كفالة هذا الحق المتساوي للأديان كافة، وبين مطالبة حزب الأمة بالامتياز -الآن- للجماعة المسلمة وحدها!

ومن تلك التعبيرات/المقدمات أيضاً، النص -ضمن "إعلان نيروبي، 17 أبريل/نيسان 1993" حول "الدين والسياسة"، وانعكاسه بعد عامين في "مقررات أسمرا"- على "اعتبار مواثيق حقوق الإنسان الدولية جزءاً من القوانين السودانية، وبطلان ما يخالفها، وكفالة القانون للمساواة بين المواطنين على أساس حق المواطنة، واحترام معتقداتهم، وعدم التمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو الجنس، وبطلان ما يخالف ذلك، وعدم جواز تأسيس أي حزب سياسي على أساس ديني، ووجوب اعتراف الدولة واحترامها لتعدد الأديان وكريم المعتقدات، وتحقيقها للتعايش والتفاعل والمساواة والتسامح (بينها).. وسماحها بحرية الدعوة السلمية للأديان، ومنعها الإكراه أو التحريض على إثارة المعتقدات والكراهية العنصرية، والتزام التجمع بصيانة كرامة المرأة، والاعتراف لها بالحقوق والواجبات المضمنة في المواثيق والعهود الدولية بما لا يتعارض مع الأديان، وتأسيس البرامج الإعلاميَّة والتعليميَّة والثقافيَّة القوميَّة على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الإنسان الإقليميّة والدوليَّة"، وقد انعكس أكثر ذلك بعد 12 عاما في الدستور الانتقالي لعام 2005.

التيار الإسلامي انغلق في إسار التوتر الشعاري لمطلب وصل الدين بالدولة، ومع ذلك فهو أكثر إفصاحاً من شعار التعبير عن الطموحات الإسلامية المبهم الغامض الذي يتشدد حزب الأمة في التمسك به الآن!

إذن، وبصرف النظر عن الخلاف حول الصيغة التي وردت بها "حقوق المرأة" في "ميثاق أسمرا"، فإن ذلك الميثاق الذي مهَّدت له تلك المقدمات الضرورية، والذي لا يزال حزب الأمة يعلن تمسكه به، لم يترك قضية "الدين والسياسة" مبهمة، أو نهباً للتوتر الشعاري الغامض، أو عرضة للتفسيرات والتأويلات الجزافية، بل حسم الجدل حولها، ليس فقط بموافقة حزب الأمة، وإنما بمشاركته النشطة والفاعلة كما سلفت الإشارة، على عكس التيار "السلطوي" الذي تمثله في راهننا المأزوم النخبة الإسلاموية الحاكمة، والذي انغلق في إسار التوتر "الشعاري" لمطلب "وصل الدين بالدولة"، جاعلاً منه ترياقاً مضاداً لحقوق الإنسان التي تَسِمُ روح العصر بأسره. ومع ذلك، فهو -للمفارقة- أكثر إفصاحاً من شعار "التعبير عن الطموحات الإسلامية" المبهم الغامض الذي يتشدد حزب الأمة في التمسك به الآن!

ويلزم هنا أيضاً -للدقة والموضوعية- التنويه بسداد مقترح الترابي الداعي إلى النأي "بالوثيقة" عن التعبيرات الأيدولوجية، لطابعها الانتقالي من جهة، ولكون المطلوب تحشيد أوسع نطاق من القوى والاتجاهات والمدارس الفكرية والسياسية حولها، من جهة أخرى.

(5)

ثمة جانب آخر من سلبيات "الوثيقة" تقع مسؤوليته على أطرافها جميعاً، ويتلخص في أنه وبالافتراض الموضوعي لوجوب تحمُّل المعارضة عبء النهوض بإطفاء الحريق الوطني، فإن من أوجب واجبات قوى "الإجماع" عدم ترك فصائل الهامش تتدجج وحدها -من صقع إلى صقع- بعُدَّتها وعتادها، وبغبينتها التاريخية التي ما تنفك تزداد تراكماً يوماً عن يوم، وبذل الجهد في سبيل اجتذابها إلى ساحة الفعل السياسي، بأدواته المتمثلة في الحوار، والتفاوض، والتظاهر، والاعتصام، وتقديم المذكرات، وشتى أشكال الاحتجاج الجماهيري السلمي.

لكن وثيقة "البديل" تلك للأسف، لا تكاد تندُّ عنها -سواء في جزئها الموقع، أو مشروع جزئها الغائب- ولو محض نأمة باهتة، دع أن تفصح -بجهر مرغوب فيه- عن النية في التصدي لذلك الواجب!

يقع هذا التقصير -للمفارقة- في ذات اللحظة التاريخية التي تصدر فيها من الجانب المقابل، شتى التعبيرات عن تطلع فصائل الهامش تلك واستعدادها لملامسة الفعل السياسي السلمي. من ذلك مثلاً، مبادرة "العدل والمساواة" الداعية إلى إيجاد صيغة للعمل المشترك بين "القوى الوطنية السياسية والثورية والمهنية وتنظيمات المجتمع المدني والمرأة والشباب"، وكذلك دعوة "الجبهة الثورية" إلى ضرورة "التوافق بين مكونات المعارضة المدنية.. والحاملة للسلاح"، وإلى ذلك أيضاً نقد الحركة الشعبية بالشمال لتجاهل وثيقة "الإجماع" لقوى الهامش الثورية، باعتباره -على حدِّ تعبيرها- تكراراً لنفس مناهج التفكير التي ظلت تضع مصير الوطن في يد قلة، وتعزل الآخرين، فلا تفعل أكثر من إعادة إنتاج أزمات الماضي أوان الاستقلال وأكتوبر وأبريل، وإلى ذلك -كذلك- ملاحظات "العدل والمساواة" حول وقوع تراجع في وثيقة "الإجماع" الأخيرة، مقارنة بصيغتها الأولى التي شملت فصائل الهامش المسلحة والأقاليم ضمن مكونات حكومة الفترة الانتقالية، بينما قصرت الصيغة الأخيرة تلك المكونات على مفردات "الإجماع" فقط!

(6)

إرجاء إصدار الإعلان الدستوري قد يتيح فرصة مطلوبة لتلافي أوجه القصور التي لحقت بالوثيقة وحرفت التوجهات الأساسية صوبها

إن النقد والنقد الذاتي البعيدين عن المرارات مطلوبان -ولا ريب- في إطار أي عمل عام، سوى أنه مع تراكم الإحباطات الناجمة عن الإخفاق هنا أو هناك، وتصاعد نبرة "المرارات" و"المرارات المضادة" في العلاقة بين "القوى السياسية" و"القوى الثورية"، فإنها أجمعها ستلفي أنفسها في حالة تقاطع، ليس مع النظام وحده، بل مع بعضها البعض، ربما بدرجة أعنف وإحنة أشد، ولات ساعة مندم!

لذا فرُبَّ ضارة نافعة، وإرجاء إصدار "الإعلان الدستوري" قد يتيح فرصة مطلوبة لتلافي أوجه القصور التي لحقت بالوثيقة، وحرفت التوجهات الأساسية صوبها.

والواجب الأساسي المطروح الآن على كل القوى، خصوصاً "قوى الإجماع"، هو أن تتضافر جهودها لتحقيق أكبر قدر من الاتساق مع منطق التاريخ الذي لا يحابي، ومع إرادة الشعب الذي ينظر ويحكم، بما فيه جماهير هذه القوى نفسها.. اللهم فاشهد!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك