بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

محنة الرئيس
الدستور المستعصي
المحتسبون الجدد

في الوقت الذي جنح فيه محللون كثر للادعاء بأن صداما وشيكا وحتميا سيقع بين الرئيس مرسي والمجلس العسكري والقضاء حول الصلاحيات والسلطات، كانت معطيات شتى تلوح في الأفق المصري لتنسج خيوط مهاترات وربما صدامات محتملة بين الرئيس الجديد وجماعة الإخوان المسلمين من جانب، وسائرالقوى الثورية والمدنية علاوة على التيار السلفي من جانب آخر، إثرعملية تصفية حسابات وتسديد الفاتورة السياسية لدعم القوى الأخيرة مجتمعة للرئيس خلال جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، كما في ضغوطه على المجلس العسكري لتسليم السلطة.

محنة الرئيس
بدا الرئيس مرسي كأنه أمام قوتين تتجاذبانه: أولاهما القوى الثورية والتيار السلفي, والثانية المجلس العسكري. ويشكل اقتراب الرئيس من أي منهما أو تفاهمه معها على حساب الأخرى مجازفة بالغة الكلفة, فخلال الخطاب الذي ألقاه في احتفال نقل السلطة إليه من المجلس العسكري، ارتأت القوة الأولى أن الرئيس بالغ في الثناء على المجلس ووفائه بوعده فيما يخص تسليم السلطة، إلى حد تمنيه أداء التحية العسكرية له وتكريمه في احتفال خاص، في حين كان آلاف الثوار يعتصمون في ميدان التحرير احتجاجا على قرار المجلس العسكري حل البرلمان بموجب حكم المحكمة الدستورية العليا، وعلى الإعلان الدستوري المكمل.

وتخشى القوى الثورية والسلفية أن يقدم الرئيس مرسي على إبرام صفقة سياسية مع المجلس العسكري لنيل صلاحياته على حساب باقي أهداف الثورة ومطالب القوى الثورية، خصوصا بعد أن بادر الإخوان بتعليق اعتصامهم في ميدان التحرير عقب فوز مرسي بالرئاسة، وهو ما اضطر السلفيين إلى تمديد اعتصامهم وإعلان موافقتهم على اعتماد النظام البرلماني في الدستور الجديد، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، إضافة إلى الإبقاء على النصوص الخاصة بوضع الجيش على النحو الذى جاءت عليه في دستور 1971.

إذا كان الرئيس مرسى وجماعته على موعد مع صدام محقق، فإن المجلس العسكري أو الدولة العميقة أو بقايا الثورة المضادة، لن يكونوا وحدهم الطرف الآخر المحتمل في ذلك الصدام

يفهم مما سبق أن الرئيس مرسي وجماعته إذا ما كانوا على موعد مع صدام محقق، فإن المجلس العسكري أو الدولة العميقة أو بقايا الثورة المضادة، لن يكونوا وحدهم الطرف الآخر المحتمل في ذلك الصدام، كما لن يكونوا بالضرورة أول من ينازل الرئيس وجماعته لأن معركتهم معه ستكون مؤجلة. أما المواجهة الوشيكة أو القريبة التي لا تحتمل الإرجاء لكونها تتصل بملفات عاجلة وقضايا مفصلية تطال أسس وأركان الجمهورية الثانية، فطرفها الآخر هم السلفيون والقوى المدنية الثورية.

وعديدة هي المؤشرات التي يمكن أن تؤكد سلامة هذا الطرح، فبعد أن سرت شائعات حول مواجهة مرتقبة بين الرئيس والمجلس العسكري إثر قرار الرئيس إعادة مجلس الشعب المنحل وإلغاء قرار المشير طنطاوي بحله تنفيذا لحكم المحكمة الدستورية العليا، عمد المجلس العسكري إلى تطمين الرئيس والجميع في الداخل والخارج بأنه متفهم لما يجري وسيتعامل معه بكل حكمة، كما أكد في بيان له يوم 9 يوليو/تموز الجاري أنه لن يقدم على أية أعمال أو إجراءات استثنائية، مكتفيا بدعوة الجميع إلى احترام أحكام القضاء والالتزام بالإعلان الدستوري المكمل.

وفي سياق مواز، خلت حفلات تخريج دفعات جديدة من المعهد الفني للقوات المسلحة والكليات العسكرية والشرطة من أي مظاهر للتوتر بين الرئيس مرسي والمشير طنطاوي، بعد أقل من يوم على قرار مرسي إعادة مجلس الشعب، حيث حرص المشير على استقبال الرئيس بنفسه أمام مدخل المنصة، كما دارت بينهما خلال الاحتفالات حوارات وأحاديث جانبية تخللتها الابتسامات.

وبعدها بأيام، استخدم المجلس العسكري صلاحياته التشريعية التي منحها لنفسه بموجب الإعلان الدستوري المكمل، وأصدر خمسة قوانين خدمية الطابع تتصل بزيادة معاشات العسكريين والمدنيين، علاوة على إعطاء حصة استيراد إضافية للمنطقة الخاصة ببورسعيد. والملفت أن المجلس العسكري رفع تلك القوانين إلى رئيس الجمهورية، وأن الأخير وافق عليها فورا.

وإبان زيارة الرئيس مرسي لأديس أبابا، أكدت مصادر مقربة من الرئاسة أن الأزمة المتصاعدة بين الرئيس -ومن خلفه جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة- والمجلس العسكري تتجه إلى التهدئة، مرجحة عدم إصدار الرئيس إعلانا دستوريا جديدا ينسخ الإعلان المكمل الصادر من المجلس العسكري، ونافية ما يتردد عن صدور قرار جمهوري بنقل سلطة التشريع من المجلس العسكري إلى رئيس الجمهورية. وألمحت المصادر إلى مفاوضات جادة بين أطراف الأزمة يدشنها الرئيس عقب عودته من إثيوبيا، ربما تسفرعن تسويات مرضية للجميع.

وبرأسها أطلت الضغوط المتنامية التي طفقت واشنطن تمارسها على المجلس العسكري خلال الآونة الأخيرة لحمله على تسليم السلطة غير منقوصة للرئيس المدني المنتخب وعدم التدخل في العملية السياسية بعد ذلك. فإلى جانب التصريحات والانتقادات الحادة التى لم تتوان الإدارة الأميركية عن إمطاره بها مؤخرا، جاء في صدارة شروط المساعدات العسكرية المقدمة لمصر سنويا والبالغة قيمتها 1.3 مليار دولار في العامين اللذين أعقبا تنحي مبارك، ضرورة تسليم المجلس العسكري السلطة إلى المؤسسات المدنية المنتخبة ديمقراطيا، فضلا عن علانية ميزانية الجيش والشرطة المصريين وتوفير رقابة مدنية عليهما، واحترام القواعد الديمقراطية وسيادة القانون والانتخابات الحرة والحريات العامة والفردية كافة.

وخلال زيارتها الأخيرة للقاهرة، حرصت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على توصيل رسائل واضحة ومباشرة للمشير طنطاوي في هذا الإطار، إلى الحد الذي دفع بالأخير إلى التصريح في كلمته خلال حفل تسليم وتسلم قيادة الجيش الثاني الميداني بالإسماعيلية وبعيد ساعات من لقائه كلينتون، أن مدفوعين من الخارج يحاولون دائما الوقيعة بين الشعب وقواته المسلحة، وأن مصر ستظل لكل المصريين ولن تكون لمجموعة واحدة بعينها، لأن القوات المسلحة لن تسمح بذلك.

الدستور المستعصي
كأن وضع دستور جديد ودائم لمصر ما بعد مبارك قد بات أمرا مستعصيا، إن لجهة تشكيل الجمعية التأسيسية المعنية بصوغه، أو لجهة نصوصه ومحتواه. ففيما يتصل بالأمر الأول وبينما يترقب الجميع حكما قضائيا قد يقضي بحلها للمرة الثانية على التوالي بجريرة عدم دستورية تكوينها، لا تزال الانشقاقات والانسحابات تلقي بظلالها على تكوين تلك الجمعية التأسيسية، وذلك رغم تصديق الرئيس مرسي على قانون معايير تشكيلها والذي أصدره مجلس الشعب قبل حكم المحكمة الدستورية العليا بحله، في إجراء من المرجح أن يترتب عليه تحصين الجمعية التأسيسية من رقابة القضاء الإداري، حيث تصبح المحكمة الدستورية العليا هي المختصة بالرقابة على قانون تشكيل هذه الجمعية.

كأن وضع دستور جديد ودائم لمصر ما بعد مبارك قد بات أمرا مستعصيا، إن لجهة تشكيل الجمعية التأسيسية المعنية بصوغه، أو لجهة نصوصه ومحتواه

أما بخصوص الأمر الثاني، فما برح الجدل محتدما بشأن نصوص الدستور المرتقب، لاسيما المادة الثانية منه والخاصة بالشريعة الإسلامية، حيث يصر حزب النور السلفي على ضرورة تضمين نص يؤكد على تطبيق أحكامها وحذف كلمة "مبادئ" من نص تلك المادة، بحيث تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الأول للتشريع. كما استنفر الحزب السلفي قياداته للانضمام إلى لجنة المقومات الأساسية بالجمعية التأسيسية، وهي اللجنة المنوط بها صوغ الباب الأول الذي يتضمن المادة الثانية، الأمر الذي يصيب الإجماع الوطني حول الدكتور مرسي في مقتل، لكونه يمثل تعارضا مع ما اجتمعت عليه كافة القوى السياسية الوطنية -بما فيها الأزهر وحزب الحرية والعدالة- بشأن عدم المساس بنص هذه المادة.

وفي ذات السياق، اندلع جدل دستوري جديد حول اقتراح عدد من أعضاء الجمعية التأسيسية وضعَ مادة انتقالية في الدستور الجديد، تنص على بقاء الرئيس محمد مرسي في منصبه حتى إكمال فترته الرئاسية مهما كانت الظروف والملابسات، وذلك ضمانا لاستقرار مؤسسة الرئاسة وتلافي أي فراغ سياسي أو دستوري يمكن أن ينجم عن حمل الرئيس المنتخب على الاستقالة حالة الانتهاء من وضع الدستور الجديد أو إعادة الانتخابات البرلمانية.

المحتسبون الجدد
أطلت برأسها مجددا ظاهرة العنف السياسي والمجتمعي الذي تمارسه بعض الجماعات الدينية باسم الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبعد ساعات من أداء الدكتور مرسي اليمين الدستورية، ظهرت في بقاع شتى من البلاد بعض الشخصيات من مطلقي اللحى ومن بعض النساء المنتقبات، يمارسون الوصاية الدينية على المواطنين، معلنين أنهم جماعات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فبينما عكفت نساء منتقبات على مناشدة غير المحجبات ارتداء الحجاب، أقدم رجال ملتحون على قتل عدد من الشباب في السويس والشرقية والمنصورة وتهديد عشرات آخرين بذريعة الحسبة، وهو ما أسفر عن انتقادات واسعة من قبل المواطنين للتيار الإسلامي برمته وللسلفيين تحديدا، كما جدد المخاوف من عودة التنظيمات التكفيرية والحركات الجهادية التي تستخدم العنف باسم الدين.

ورغم أن قيادات الجماعة الإسلامية والتيار السلفي نفوا أي صلة لهم بمثل هذه الممارسات، متهمين الدولة العميقة والثورة المضادة بتدبيرها لتشويه صورة التيار الإسلامي بعد فوز مرسي بالرئاسة، فإن هذا التطور الجلل ألقى بظلال من الغيوم على التفاهم الهش والوليد بين الإخوان والسلفيين، وعلى إمكانية استرضاء الرئيس مرسي للسلفيين سياسيا عبر إشراكهم في السلطة حسب شروطهم.

لوس أنجلوس تايمز: المواجهة القادمة في مصر لن تكون بين الإخوان والعسكر، وإنما بين الرئيس مرسي وجماعة الإخوان وبين التيار السلفي

فلم يتورع حزب النور السلفي عن ترشيح عدة أسماء من أعضائه كنواب أو مستشارين للرئيس، كما طالب بوزارات بعينها كالتعليم والأوقاف والزراعة والتضامن الاجتماعي، وذهب إلى أبعد من ذلك حينما حذر الرئيس من اختيار شخص قبطي ليكون من بين نوابه مثلما وعد مسبقا.

وقد أفضى تزامن بروز ظاهرة "المحتسبين الجدد" مع إعلاء السلفيين سقفَ مطالبهم بخصوص المشاركة في السلطة، إلى تحريك الخلافات الفكرية والسياسية العميقة والمزمنة بين السلفيين وجماعة الإخوان على نحو ينذر بتصاعد احتمالات اقتراب موعد الصدام المؤجل بينهما، وهو الأمر الذي دفع بصحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية إلى التأكيد في تقرير نشرته قبل أيام، أن المواجهة القادمة في مصر لن تكون بين الإخوان والعسكر، وإنما بين الرئيس مرسي وجماعة الإخوان وبين التيار السلفي حول نوع وصيغة وشكل الإسلام الذي ستنتهجه الجمهورية المصرية الثانية.

الخروج الآمن
ربما لن يكون المخرج الأفضل للرئيس مرسي للفكاك من هذه المحنة سوى المضي في مسارين متوازيين ومتزامنين: أولهما إطلاق مبادرة تصالحية مع العسكر والقوى الثورية والمدنية والسلفيين ورجال القضاء، على أساس إعلاء المصلحة الوطنية فوق أي حسابات حزبية أو تطلعات سلطوية فئوية، بحيث يتم تشكيل الحكومة الجديدة واختيار طاقم الرئاسة وفقا لمعيار الكفاءة ليضما شخصيات وطنية من التكنوقراط المحايدين، بعيدا عن المعايير غير الموضوعية كاسترضاء بعض الأطراف استنادا إلى نظام المحاصصة أو تقاسم الغنائم, وهو ما يهدد مبدأ المواطنة ويورد العباد والبلاد موارد التشظي والانقسام. 

أما المسار الثاني فهو الاستقواء بالجماهير عبر بناء شرعية شعبية يركن إليها من خلال البدء فورا في تحقيق رصيد من الإنجازات على مختلف الأصعدة وبشكل متواز، بما يوفر له احتياطيا إستراتيجيا شعبيا يعوضه عن أي انتكاسة محتملة في تفاهماته مع المجلس العسكري إذا ما تقاعس الأخير عن تسليم السلطة كاملة عقب وضع الدستور وانتخاب مجلس الشعب الجديدين، ويعوضه أيضا عن أي تراجع مرتقب في مساندة القوى الثورية والمدنية والسلفية حالة استدعاء الأخيرة لخلافاتها الآنية والتاريخية مع الرئيس وجماعته توطئة للاصطفاف في مواجهتهما، أو تغول القوى ذاتها وإثقالها عليهما في المطالبة بتقاسم السلطة أو المشاركة في الحكم وفقا لشروطها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات