منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية

قياس النزاع
حرب المفاوضات
إدارة الأزمة

مثلما الحرب هي كرٌّ وفر وصولات وجولات، وجدت المفاوضات بين السودان وجنوب السودان نفسها جزءاً من النزاع الذي يمثّل أحد مظاهر الواقعية السياسية السودانية. هذا النزاع شكّل نموذجاً رئيساً في العلاقات بين الدولتين فيما قبل واستمر إلى ما بعد انفصال الجنوب في العام الماضي.

ظل الانهيار السمة البارزة إثر كل جولة للمفاوضات الجارية بين الدولتين فما إن تبدأ المفاوضات حتى يقف سعيها عند إحدى العقبات الشائكة ليعلن الطرفان الهدنة بنية مواصلتها لاحقاً، فهل تحقق دولتا السودان وجنوب السودان سلاماً من أتون المفاوضات قبل انتهاء المهلة المحددة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2046 في الثاني من أغسطس/آب المقبل؟

قياس النزاع
إنّ الأسباب الجذرية للنزاع بين شمال وجنوب السودان لم تمكن الطرفين من تجنب الصراع في الماضي في ظل الدولة الواحدة، كما أنها لم تفلح في التأثير الإيجابي نحو السلم في حالة النزاع الآني وعلى مدى عمر دولة جنوب السودان القصير. فكما هو بائن أنه كلما حاول أحد الطرفين تجنب الأزمة اندلعت المسببات مجدداً مما جعل مجال التدخل للتعاون بغرض تفادي حالات العنف والصدام تنتهي إلى مرحلة التصعيد المتبادل.

بدأ التفاوض بين الجانبين بعد مرور التصعيد بمراحل تصلبت فيها المواقف وظهرت من ساحات النزاع إدراكات يؤمن بها أصحابها حول تفوق كل طرف على الآخر، مع علو نبرات الاستعلاء والوصم بالدونية.

نضج النزاع الآن بعد طول اشتعال بين الدولتين الجارتين (السودان وجنوب السودان)، وهذا من ضمن الشروط الأساسية للتفاوض، فإن تم استغلاله فإنّه سيمهد الطريق لتفاوض ربما يؤدي إلى سلام دائم
وبعد تصاعد النبرات التي لم يعد يجدي معها حوار، وبعد أن وصلت التهديدات مداها تم إضفاء الشرعية على الهجوم وصولاً إلى مرحلة المواجهة الشاملة التي رأى فيها كل من السودان وجنوب السودان أنّه يمكنه تدمير نفسه إذا كان بإمكان ذاك الفعل سحق الطرف الآخر، بعدها جلس الجانبان إلى مائدة التفاوض في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

وللمرور بكل هذه المواقف وصولاً إلى محطة التفاوض جملة أسباب أهمها أنّ مشكلة النزاع بين السودان وجنوب السودان، يمكن تصنيفه من ضمن النزاعات الإثنوسياسية التي تشرّبت بكل أدوات عنف النزاعات الأهلية وخضع فيما خضع لتأثيرات دولية لها علاقة بالمصالح الاقتصادية والجيوإستراتيجية.

فالجنوب رغم أنّه كان النقطة الأضعف من نسق السودان الواحد، فإنه في حالة الحاجة إلى وضع حدود لهذا النزاع بالجلوس إلى التفاوض تشترط طبيعته التأمل في الكيفية التي ترتبط بها هذه الحدود وعلاقتها بالبيئة التي نشأ فيها النزاع مع الأخذ في الاعتبار كل نقاط القوة والضعف الأخرى.

وبالتحول الدرامي للنزاع من حالته الأهلية إلى نزاع دولي بين الجارتين بعد انفصال جنوب السودان في العام الماضي 2011م، على النقاط الحدودية غير المحسومة، فإنه لا بد من القبول بواقع احترام القوانين الدولية خاصة ما جاء في اتفاقية فيينا عام 1961م والتي اعتبرت أنّ التفاوض أحد وظائف البعثة المهمة والقائمة على الاتصال والتباحث مع حكومة الدولة المعتمدة لديها وذلك بغرض تعزيز العلاقات بين الدولتين.

وفي حالة السودان وجنوب السودان كان لا بد أن تلجأ الدولتان الجارتان إلى وسيلة التفاوض باعتبارها من أهم الوسائل التي يجب اللجوء إليها في حالة النزاع الدولي، وذلك حسب ما نصت عليه المادة 33 من اتفاقية فيينا والتي جاء فيها أنه يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرّض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حله بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية  أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها.

ولعله في البداية وقبل المواجهة الشاملة قد يكون تناهى إلى إدراك المفاوضين من الجانب السوداني  أنّ ما كان من جانب مفاوضي دولة الجنوب من قبول بالجلوس على مائدة التفاوض قد تم اعتباره نية في التوصل إلى تسوية مما أوصل إشارة سالبة للجانب السوداني كادت تُفهم بأنها تعبير عن ضعف الطرف الآخر الذي أبدى استغرابه من المواقف بعدها. 

وإزاء هذه الصورة المشوشة فقد سعى كل من السودان وجنوب السودان لتحقيق واستعراض مطالبهما بتجاهل كل منهما للآخر، وبالتركيز على أجندة واحتياجات ومصالح كل طرف ودون النظر بعين الاعتبار لأجندة الطرف الآخر.

أما الصورة لجذور الأزمة في مجملها فهي تؤطر السودان بدولتيه من ضمن أكثر البلدان عرضة للأزمات، وبالتالي فمن المتوقع أن يكون قد تم اكتساب الخبرة العملية في مجال إدارة هذه الأزمات عبر التجربة الزمنية.

ولكن الضمور المعرفي للمؤسسات التابعة لصنّاع القرار حال دون اتخاذ تجارب الأزمات وبخاصة الأزمة التي حدثت إبان الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان على مدى نصف قرن من الزمان في ظل الدولة الواحدة ومضاهاتها كعنصر قياس بالنزاع الحاصل الآن.

نضج النزاع الآن بعد طول اشتعال بين الدولتين الجارتين، وهذا من ضمن الشروط الأساسية والأكثر ملاءمة للتفاوض، فإن تم استغلاله فإنّه سيمهد الطريق لتفاوض ربما يؤدي إلى سلام دائم بدلاً عن التسويات التي تجرّ المفاوضات من حرب إلى أخرى.

حرب المفاوضات
 بدأت الجولة الأخيرة من المفاوضات بداية شهر يونيو/حزيران بالتمسك ببند ضرورة إزالة العقبات. هذه العقبات التي ما زالت تؤرق مضجع حكومة السودان والتي تتمثل في الحركات المسلحة التي تشتبك معها في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وإقليم دارفور. ويأتي هذا البند منطقياً إذا علمنا أنّ هذه الحركات تتهمها حكومة السودان بتلقي الدعم والتدريب والإيواء داخل حدود جنوب السودان. كما أنّ دولة جنوب السودان هي الأخرى ترد الاتهام بآخر مماثل يطلب من حكومة السودان عدم إيواء ودعم معارضيها.

حالة الانهيار الملازمة لجولات التفاوض بين دولتي السودان وجنوب السودان حملت الطرفين على التوقف مرة أخرى عند معضلة الحدود وهي القضية الأساسية التي تتضاءل إزاءها كل الاتفاقات الأخرى

أما العقبة الكأداء الأخرى والتي لن يصلح إلقاء اللوم فيها على جهة دون الأخرى فهي مشكلة الحدود التي تحولت من الرسم على الأرض إلى مشكلة متعلقة بالخرائط، حيث ألقى كل طرف بخريطته وفي دخيلته أحقيته الكاملة بها. ولكن سحر الخرائط المرسومة بعناية متضمنة المناطق موضوع الخلاف بين الدولتين وعلى رأسها منطقتا أبيي وهجليج ليست كعصا موسى تلقف ما يظن كل طرف بأنّ الآخرين هم من يأفكون.

ما زال مأزق الحدود يواجه المتفاوضين في الجولات الثلاث الماضية ويندس في طيات المسائل السياسية والأمنية، فقد عملت لجنة الحدود المشتركة جنباً إلى جنب بموازاة الجولات الأخرى حتى تتمكن من الوصول إلى حلول للمسائل العالقة كالنفط ومسألة الجنسية للجنوبيين في دولة السودان  والشماليين في دولة الجنوب. ولتحديد نقطة الصفر ففي هذه النقطة يتفق طرفا التفاوض على تحديد المنطقة المعزولة السلاح وهي المنطقة الجغرافية المحايدة بين الأطراف المتنازعة.

انهارت المفاوضات في السابع من يونيو/حزيران بعد الفشل في الاتفاق بصدد إقامة منطقة منزوعة السلاح والتأمت مرة أخرى بعد أقل من أسبوعين. ربما لعب حرص الاتحاد الأفريقي لحل المشكلة دوراً في ذلك وفقاً لما هو منوط به في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2046 الصادر في الثاني من مايو/أيار الماضي.

كما أنّه عمل على تسريع وتيرة اللقاء مرة أخرى في الحادي والعشرين من شهر يونيو/حزيران لإكمال ما تمت بدايته من مفاوضات. ومرة ثالثة في الأسبوع الأول من شهر يوليو/تموز والتي ربما تكون الأخيرة  قبل انقضاء مهلة مجلس الأمن. ويحمل القرار والذي يتعلق بحل الخلافات والقضايا العالقة بين دولتي السودان وجنوب السودان والتي تتمثل في ملفات الحدود والأمن والنفط والديون، بارقة أمل لحل القضية قبل اكتمال المدة المحددة بثلاثة أشهر من الثاني من مايو/أيار إلى الثاني من أغسطس/آب المقبل.

ولكن ما زال هناك تخوف من أن يلجأ الوفد التفاوضي لجنوب السودان إلى خيار التحكيم الدولي كآخر الحلول بعد استنفاد الخيارات الأخرى البديلة. فالعودة لمائدة التفاوض جاء فيها الملف الحدودي مؤسساً للحل الأمني، باعتبار أنّ القرار 2046 وضع سقفاً زمنياً محدداً يتطلب عزماً  أكيداً للوفاء به دون ترك التفاوض مفتوحاً على كل الاحتمالات الزمنية، وذلك لما لهذه المدة من أهمية تتضمن في ثناياها ملامح عقوبات لوّح بها مجلس الأمن في قراره قبل اللجوء للفصل السابع الذي يسمح للأمم المتحدة باستخدام القوة العسكرية لحماية المدنيين.

حالة الانهيار الملازمة لجولات التفاوض بين دولتي السودان وجنوب السودان حملت الطرفين على التوقف مرة أخرى عند معضلة الحدود وهي القضية الأساسية التي تتضاءل إزاءها كل الاتفاقات الأخرى من اتفاق وقف العدائيات وغيرها.

إدارة الأزمة
دارت عجلة المفاوضات من إستراتيجية الإنهاك واستنزاف الوقت والجهد إلى إستراتيجية مفترق الطرق التي اتبع فيها كلا المفاوضين أسلوب التنازل المغلف في قضايا هامشية أو إرجائها حتى يتم الحصول على تنازلات في القضايا الأكثر أهمية وهي العالقة.

فعندما تماشى وفد جنوب السودان مع وفد السودان كان يأمل مقابلته في منتصف الطريق. وعند نقطة الالتقاء أخذ الجانبان المتفاوضان كل قضية بتجزئتها بغرض الوصول إلى الحل النهائي لها والسبب في اللجوء إلى إستراتيجية التدرّج هو انعدام الثقة بين الجانبين المتفاوضين.

يفتقر التفاوض للتكتيكات الأساسية المتمثلة في التكتيكات التنفيذية الإستراتيجية والتي يرجى منها توسيع قاعدة المشاركة، وتنوع سبل التعاون بتقديم عروض بديلة للحلول المتعسرة، وإستراتيجية تفادي النزاع بكسب الوقت أو حتى مواجهة النزاع في حالة التعصب للرأي بالرجوع للحقائق ودعم الموقف بالمستندات.

غادر وفدا التفاوض أديس أبابا بعد الجولة السابقة بنية مشاورة القيادات في البلدين، وختم وفد جنوب السودان هذه الجولة بمقترح يتضمن تحريك كافة قضايا الخلاف في مسارات متساوية بدلاً من حصر التفاوض في ملف واحد وهو ما يتعلق بالملف الأمني الذي اقترحته الخرطوم سابقاً وقبل به وفد جنوب السودان وزكاه الاتحاد الأفريقي الراعي لمفاوضات السلام بين البلدين.

يفتقر التفاوض بين الخرطوم وجوبا للتكتيكات الأساسية المتمثلة في التكتيكات التنفيذية الإستراتيجية والتي يرجى منها توسيع قاعدة المشاركة، وتنوع سبل التعاون بتقديم عروض بديلة للحلول المتعسرة

وفي عودتهما الآن يتضح أنّ دولة جنوب السودان تتبنى عبر التخطيط الإستراتيجي، رؤية خلاصتها، بناء الدولة في مختلف المجالات، فرغم الفقر الواضح في الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية فإن نزوع الدولة الوليدة ليكون لها دور أساسي في تقرير مصير المنطقة بعد تقرير مصير الدولة يحتاج إلى شروط موضوعية لتحقيقه. ولكي تحقق ذلك فإنّ النظر إلى تحقيق المكاسب وتقليل الخسائر خاصة في علاقتها مع الغرب يعطي دولة السودان بشكل أو بآخر مساحة لتحديد الإستراتيجيات المناسبة والمتفقة مع شروط شريكتها في التفاوض.

ولكي تستثمر دولة السودان هذا العامل فإنّ ما قامت به من دمج بين ثلاثة أنواع من خطط إدارة الأزمة وهي التنازع والتحالف والإعداد للتفاوض يُؤهلها للمضي قدماً في التفاوض. فالمتوقع أن تكون دولة السودان اكتسبت القدرة على إيجاد تصور شامل لأي عملية تفاوضية مستفيدة من الدروس السابقة في إدارة الصراعات.

وإن لم ترضخ الدولتان للضغط الدولي لتقديم بعض التنازلات فإنّ هناك ضغوطاً سياسية واقتصادية داخلية تواجهها الدولتان تتطلب منهما أن تكونا أكثر حكمة ومرونة. ولن تشفع لهما حينها نتائج الجولة التفاوضية الأخيرة وهي الاتفاق على آلية مشتركة للتحقيق في ادعاءات الأطراف بحدوث اختراقات، والاتفاق على آلية لمراقبة الحدود. حيث لا يمكن لمسارات السلام التفاوضية التي ترفرف راياتها البيضاء أن تستقر دون التوصل لاتفاقات لوقف العنف حتى يتم استثمار وتبادل الفرص الجذابة للتسوية الدائمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك