وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري

ملاحظات على المشهد الإعلامي الحالي
نتائج المقدمات ومأزق الدولة
لب المشكلة وسبل حلها

هل يمكن أن يفعل أحد ما أو طرف سوءاً بذاته وبمحيطه مثلما يفعل الإعلام المصري حاليا؟ وهل يمكن أن تضل بعض الأقلام وما تسمى بالنخبة المثقفة طريقها وسبيلها إلى حد الخروج عن كل أخلاقيات العمل الإعلامي والأعراف المهنية؟ وهذا بعد أداء محمود وذي أثر نافذ أيام الثورة وقبلها؟ يؤسفني أن أقول إن هذا هو ما ينطبق تماما وفعليا على المشهد الإعلامي الحالي برمته في معظم الفضائيات والصحف المصرية حاليا، وعلى مصداقية وحرفية الرسالة الإعلامية المقدمة من خلالها.

حقيقة صعبة وصادمة للغاية هي تلك. نعم، لكن لا أحد في بر مصر يستطيع الآن إنكارها أو التغاضي عن تداعياتها وآثارها السلبية المتعددة على المتلقي وعلى المجتمع المصري بأكمله. ولدينا في هذا أكثر من إشارة وملاحظة موثقة، نسوقها هنا بدون تجن على أحد ولا مزايدة، يحدونا الأمل من وراء هذا أن يصل مضمون الرسالة إلى كل من هو معني بها، وأن يخرج بدرس مستفاد، يعين السلطة الرابعة في مصر المحروسة على العودة لصوابها ومجدها، عوضا عما يحدث حاليا من سوء نهج ومن ضلال وتضليل.

ملاحظات على المشهد الإعلامي الحالي
ينبغي بداية وقبل استعراض ما آل إليه حال الإعلام المصري، التوقف عند ملاحظات سلبية عدة ظاهرة وذات دلالة تتعلق بالمشهد الإعلامي الحالي، ولا يمكن التغاضي عنها عند تقييم مجمل هذا المشهد والنتائج المترتبة عن السلبيات المحيطة به. وتكمن أهم هذه الملاحظات فيما يلي:

من أبرز علامات المشهد الإعلامي عودة مقدمي البرامج والمتلونين مع كل المراحل، ممن صنفوا سابقا على أنهم "فلول الإعلام" وممن تم وضع أسمائهم في قوائم سود مضادة للثورة، إلى تصدر الساحة الإعلامية
 

* ظهور وإطلاق عدد كبير جدا من الفضائيات والصحف الخاصة، منها ما ينتمي للثورة، وأخرى ذات توجهات دينية وحزبية، مقابل غياب شبه تام للقنوات الأهلية والحكومية، مع بيع حصص عدد من الفضائيات التي أطلقت بثياب ثورية إلى رجال أعمال، لا علاقة لهم بالإعلام، مما أدى إلى زيادة سطوة هؤلاء على الوسائل الإعلامية، وأدى كذلك إلى تغير خريطة الإعلام المصري وتوجهاته، بشكل جذري ومؤثر.

* افتقاد التنوع، وكثرة عدد البرامج الحوارية وما يعرف ببرامج التوك شو المسائية بشكل لافت للغاية، مع كثرة عدد مقدميها، واحتلالها فترات عرض يومية مفتوحة حتى ساعات الصباح الأولى، مع اقتصار قائمة الضيوف والعناصر المتحاورة، رغم ذلك، على عدد محدود نسبيا من الكتاب والمفكرين والسياسيين والحقوقيين والنشطاء وشباب الثورة، إلى درجة اضطرار بعضهم للتنقل بين القنوات، الواحدة تلو الأخرى، في ذات اليوم بالزي نفسه أو بزي مغاير.

* عودة مقدمي البرامج والمتلونين مع كل المراحل، ممن صنفوا سابقا على أنهم "فلول الإعلام" وممن تم وضع أسمائهم في قوائم سود مضادة للثورة، إلى تصدر الساحة الإعلامية من جديد بخاصة المرئية، بعد فترة احتجاب، بل احتلال واجهة معظم البرامج الحوارية المقدمة وأعمدة الصحف، مع تحول الأغلبية الساحقة منهم وتلونهم الفجائي من تأييد وتبرير سياسات النظام السابق إلى الدفاع عن الثورة والثوار وشهدائها.

* اختلاط وأحيانا ازدواج أدوار القائمين على إدارة العملية الإعلامية، حيث شهدت السنوات الثلاث الأخيرة تحول عدد متزايد من الكتاب الصحفيين والمعدين إلى تقديم البرامج التلفزيونية وخاصة الحوارية، وفي مقابل هذا جرى استقطاب أكثر من مقدم برنامج تلفزيوني إلى بلاط صاحبة الجلالة لكتابة عمود أسبوعي أو خلافه. بل إن الأمر قد انسحب أيضا على بعض الضيوف اليوميين، الذين ارتأى بعضهم أن يستأثر بالساحة، فتحول لتقديم البرنامج ذاته بدلا من الاستضافة، سواء في القناة ذاتها أو قناة مغايرة.

* وجود حالة من الانفصام الإعلامي والممارسة الإعلامية المتناقضة، تقوم على محاسبة ومحاكمة معظم مقدمي البرامج الحوارية والأقلام الصحفية لكافة الأطراف والفصائل الأخرى، والتعريض بهم في أحايين كثيرة، والتغاضي في الوقت ذاته عن أخطاء زملاء المهنة وعن حيود البعض عن الأصول الإعلامية المتعارف عليها. ولدينا في هذا أكثر من مثال، لكن يكفي أن نشير إلى أن أمر استقالة رئيس تحرير إحدى الصحف المستقلة ذات الشعبية، وانتقاله لإدارة صحيفة ثانية جديدة، وسلب الأولى نائب رئيس التحرير ونصف طاقم كتاب الأعمدة والمحررين لصالح الجديدة، في مخالفة واضحة لأدبيات المهنة، قد مر مرور الكرام من دون نيل أي نقد أو حتى مراجعة من أي طرف.

* لجوء أكثر من صحيفة وقناة تلفزيونية مصرية في مرحلة ما بعد الثورة إلى منهج الإثارة والتهييج، وإلى نفاق الثورة والثوار، وقدح وذم المجلس العسكري والحكومة وبعض التيارات السياسية، وهذا ربما بغرض إثبات الوجود واستقطاب أكبر عدد ممكن من المتابعين ومن المؤيدين للثورة. ناهيك عن إهمال حقوق الكتلة الصامتة، وإشاعة مفهوم دكتاتورية القلة، ناهيك عن تحيز بعض مقدميها إلى أو ضد جهة أو شخصية محددة، وما أدى إليه ذلك من انتقائية عرض وجهات النظر واستقدام الضيوف وتعمد تصيد أخطاء الآخرين وتدويل الأخبار المغلوطة أو المجهّلة المصدر، وغير ذلك مما يضع علامات استفهام كثيرة على مصداقية الرسالة المقدمة ومهنية مقدميها.

* تراجع دور الإعلام الحكومي نتيجة كثيرة التغييرات الإدارية خلال الفترة الماضية، بما أدى إلى تغيير خطط التطوير أكثر من مرة، وعدم إمكان النهوض به. وهذا إذا ما أضيف إلى هجرة نسبة كبيرة من أفضل إعلاميه، تبقى النتيجة الطبيعية زيادة انحدار مستوى هذا القطاع وتراجع دوره بشكل واضح، لا سيما في ظل تزايد حدة الهجمة الشرسة الواقعة عليه بسبب انتسابه للدولة.

* اختفاء الرقابة الحكومية وآليات المحاسبة والمراجعة الإعلامية بشكل نهائي، وهو ما كان فاعلا بقوة فيما قبل الثورة، وهذا وإن كان سببا في التضييق في كثير من الأحيان على حرية العمل الصحفي والإعلامي، وسببا في تقييد الإبداع وتذمر جهات إعلامية كثيرة في السابق، إلا أنه كان له فائدة كبيرة ودور مهم في ضبط الأداء الإعلامي بوجه عام، وفي الحد من الأخطاء المهنية الواقعة. 

اختلاط الحابل بالنابل واختلال منظومة العمل الإعلامي ووقوعه في أخطاء مهنية, خلال الستة عشر شهرا الماضية، قد أدى إلى الإخلال بمصداقية وحرفية الرسالة الإعلامية المقدمة

نتائج المقدمات ومأزق الدولة
المقدمات المتشابهة تقود إلى نتائج متشابهة، وهذا ما ينطبق حرفيا على الواقع الحالي للإعلام المصري الخاص والحكومي، إذ يمكن القول إن اختلاط الحابل بالنابل واختلال منظومة العمل الإعلامي ووقوعه في أخطاء مهنية على النحو المذكور سابقا خلال الستة عشر شهرا الماضية قد أدى إلى الإخلال بمصداقية وحرفية الرسالة الإعلامية المقدمة، وإلى افتقاد القنوات الإعلامية، سواء كانت صحفية أو تلفزيونية، دورها الأساسي المنوطة به، وهو توعية المواطن بحقوقه وواجباته، ومقاربة واقع الشارع المصري، وغير ذلك مما يصب في صالح المواطن والثورة والدولة.

وهذا إذا كان له أكثر من دلالة خطيرة، فالأخطر هو ما ترتب عنه، وأبرزه انخفاض نسبة المشاهدة بشكل حاد، وعزوف المواطن المصري عن متابعة الصحف والبرامج الحوارية إلى نوافذ إعلامية أخرى، فضلا عن إشاعة حالة من الإحباط واليأس لدى أغلب المتابعين، بسبب التلون الإعلامي الحاد الحادث، وعدم تناسق المواد والرؤى المقدمة مع نبض الشارع، وهذا كله ثابت ومتفق عليه، ولا يحتاج لأية استشهادات.

وقد تجلت أزمة الإعلام المصري وواقعه الحالي المرير في أكثر من موقف وحادثة، لكنه كان أوضح ما يكون فيما آلت إليه نتائج الجولة الأولى من الرئاسيات المصرية، حيث جاءت هذه النتائج مخالفة تماما لتوجهات واستبيانات جميع الصحف وبرامج التوك شو المسائية، وما أكثرها.

ويكفي في هذا أن نشير إلى ملاحظتين جديرتين بالانتباه. الأولى أن استطلاع الرأي الوحيد الذي جاء مقاربا لنتيجة الانتخابات والترتيب النهائي للمرشحين، قد صدر عن قناة غير تابعة للإعلام المصري الحكومي أو الخاص، ونقصد بها قناة الجزيرة مباشر. وهذا في الواقع يفرض علامات حيرة وتساؤلات كثيرة عن مهنية الاستطلاعات المقدمة من القنوات الإعلامية المصرية، وعن الغرض الحقيقي من وراء بثها.

الملاحظة الثانية تتعلق بالتغطية الإعلامية لبرامج المرشحين وبنتائج الانتخابات ذاتها، فقد كان الفريق شفيق ومرشح الإخوان مرسي، وهما الفائزان بجولة الإعادة، أقل المرشحين حظوة واستضافة في برامج التوك شو المسائية، وأكثرهما تعرضا للنقد والذم والتشويه. في مقابل هذا جاء كل من صباحي وأبو الفتوح وموسى، وهم أكثر المرشحين استضافة وتأييدا في القنوات الإعلامية، سواء كانت صحفا أو فضائيات، في مرتبة متدنية وراء مرسي وشفيق. وهذا في الحقيقة يعني أحد أمرين، إما أن تقديرات وتوجهات هذه القنوات ومعديها ومقدميها كانت خاطئة تماما وغير متسقة مع توجهات القاعدة الجماهيرية والكتل التصويتية، وأما أن هذه البرامج ومن وراءها قد لعب دورا سلبيا مباشرا في تراجع مرتبة الثلاثي المذكور سابقا وراء مرسي وشفيق.

وعلى هذا المنوال يمكننا القول إن مأزق مرسي- شفيق الواقع فيه الشعب المصري حاليا، يعزى جزئيا إلى الآلة الإعلامية وأدائها السيئ خلال الفترة الماضية، إذ لا جدال أنه صنيعة فصيلين رئيسيين، الأول النخب الثورية المتنافسة التي فوتت فرصة ذهبية للتوحد وحشد الأصوات الانتخابية وحسم من ثم سباق الرئاسة، والثاني النخبة المثقفة والفضائيات والصحف الخاصة بممارساتها وتوجهاتها الخاطئة إبان الانتخابات، وبانفصالها التام عن الواقع الانتخابي وعن نبض الشارع.

لبّ المشكلة وسبل حلها
لا أحد معصوم من الخطأ، والوقوع في التيه أو تقييم أمر ما بشكل خاطئ وارد في العمل الإعلامي، بل يصعب تجنبه، خصوصا إذا كثر الاجتهاد، وإذا كان تحقيق السبق هو الهدف، لذا لا بأس ولا غضاضة في العودة للطريق القويم. لكن مشكلة النخبة المثقفة وأغلب القائمين حاليا على الإعلام المصري لا سيما الخاص، أنهم لا يريدون الاعتراف بأن هناك تقصيرا وأخطاء مرتكبة بالجملة، أو أن الإعلام المصري يعاني أزمة من الأساس.

لذا لا تزال أغلب البرامج الحوارية المسائية المقدمة تمارس غيها، ولا يزال أغلب مقدميها يصرون على تقديم الرسالة الخطأ بنفاق الثوار والمزايدة على الثورة، وتحويل طاولات العرض إلى مصاطب ليلية، لا ضابط فيها على ما يقال ولا مهنية. ناهيك عن مخالفتها لأبسط أخلاقيات العمل الإعلامي، تارة بالتحيز السافر لبعض التيارات والنخب السياسية، وتارة ببث المعلومات الخبرية المغلوطة دون تحري الدقة، وتارة أخرى بتصوير الجماهير العريضة على أنها قطيع، يسهل التأثير عليه وتوجيهه بأكياس الأرز والسكر.

يجب أن يعي الإعلام الخاص أن المتلقي المصري لا تفوته فائتة ويتمتع بذاكرة قوية وقدرة فائقة على تمييز الخبيث من الطيب، وعليه أن يعي أيضا أن هذا المتلقي قد سئم حقا من سوء الرسالة الإعلامية المقدمة ومن تلوّن مقدميها

وليس في هذا ولا فيما ذكر آنفا من أوجه قصور ومخالفات أي شيء من عندنا، ومن يشك في هذا عليه مطالعة إشارات التقارير الصادرة من جهات كثيرة متخصصة، وأحدثها مثلا التقرير الصادر منذ أيام عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وتقرير مجلة الأهرام السياسية الدولية المعنون بـ"دلالات صعود مرسي وشفيق لجولة الإعادة"، ونتائج الدراسة المنشورة بصحيفة اليوم السابع عن ذات الموضوع للباحث مشهور إبراهيم، وغير ذلك مما يوضح أن الأعلام المصري، لا سيما الخاص، يمر فعلا بأزمة طاحنة.

وعليه يجب أن يعي الإعلام الخاص أن المتلقي المصري لا تفوته فائتة ويتمتع بذاكرة قوية وقدرة فائقة على تمييز الخبيث من الطيب، وعليه أن يعي أيضا أن هذا المتلقي قد سئم حقا من سوء الرسالة الإعلامية المقدمة ومن تلون مقدميها، وأن السيل قد بلغ الزبى، وهذا بما لا يستبعد معه أن تحدث ثورة أخرى، ليس ضد النظام القائم هذه المرة، بل ضد كل إعلامي فاسد أو ناشز.

من هنا فإن على جميع الأقلام والمنافذ الإعلامية المصرية الناشزة تحمل مسؤولياتها واستذكار دورها السابق القويم الذي لعبته أيام الثورة وقبلها. ونحسب أن أمام هذه المنافذ فرصة تاريخية خلال الفترة القادمة لاستعادة بوصلتها الإعلامية وتوجهاتها القويمة، إما استغلالها والعودة لنيل ثقة المتلقي، وإما فقد الثقة فيها للأبد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك