خرافة التغيير الكلي وإغفال المصالح
نزَق الثورات إذ يستفز التقليديين
رصيد الخيبات
استشراف وتفاؤل

من تونس إلى القاهرة فاليمن، ترتفع همسات الحنين إلى عهود بن علي وصالح ومبارك. قبل أيام صرح المغني التونسي صلاح مصباح بأنه يحيي بحرارة الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفي اليمن يتلقى الرئيس السابق في مقر إقامته في صنعاء قبل أسبوع برقيات ومكالمات التهاني والإشادة  في ذكرى وحدة اليمن. لكن الصورة المصرية تظل الأوضح إذ تنعش نتائج انتخابات الدورة الأولى من الرئاسة اعتذاريي مبارك وتعيد حملة "أنا آسف يا ريس" التذكير بإنجازاته من خلال نشر كتاب "مصر مبارك".

يبدو الأمر فاجعا لأولئك الذين قدموا التضحيات في سبيل حرية شعوبهم. كانت صيحات الفزع وخيبة الأمل تتردد في الفضاء الإلكتروني يوم الجمعة مع تتابع نتائج الفرز: "الثورة ضاعت على أيدي ناس تجهل معنى الحرية وتعشق الاستعباد – هبة حسان"، "حسبنا الله ونعم الوكيل أيها الشعب الغافل – حاتم سعد "، "نقول إيه للعيال لما تكبر؟ عملنا مليونيه عشان نشيله من الوزارة طلع رئيس جمهورية – أبو الوفا".

لفت الحيرة أيضا النخب والكتاب ولاذ البعض بتفسيرات عبد الرحمن الكواكبي صاحب طبائع الاستبداد، وأعاد آخرون إنتاج مقولة المفكر الإسلامي سيد قطب: "العبيد هم الذين يهربون من الحرية، فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيد آخر.. إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر، فيحسبون التحرر تمردا".

هي لا شك صورة غرائبية عندما يحن الضحية إلى جلاده ويشتاق الجسد إلى السوط. نحاول إراحة أنفسنا من عناء التفكير فنختصر المشهد بتصنيفات مبسترة تقسم الشعب إلى ثوار و"فلول". وننتهي دائما بالتذكير بفساد المال السياسي وشراء الأصوات والمؤامرات الخارجية التي تريد إدامة التركيبة الإستراتيجية الحالية في المنطقة.

قد يكون ذلك أو بعضه صحيحا. لكن عوامل ثلاثة غابت عنا فاستعصى علينا فهم نتائج الانتخابات المصرية واعتبرناها أمرا ملغزا محبطا للآمال. آن الأوان أن نختبر مسلماتنا وقد فتحت نتائج التصويت نافذة نادرة للنقد الذاتي لم يكن سهلا تقبلها سابقا وسط الضوضاء والنزق.

يكتب المنتصر التاريخ فيصبح المهزوم ثورة مضادة أو فلولا. ومع الوقت، يتم "تعقيم التاريخ" وإعادة موضعة قطاعات الشعب بأثر رجعي فتبدو الفئات التي قاومت الثورة وكأنها كانت متوافقة منذ البداية على الخلاص من الطغيان

خرافة التغيير الكلي وإغفال المصالح
يُوقعنا تصورنا الشاعري لطبيعة التغيير وتاريخ الثورات في خيبات الأمل. نعتقد أن الثورات الكبرى كانت فواصل جذرية قلبت الواقع رأسا على عقب وأعادت تشكيل المجتمع والدولة في لحظة على أسس جديدة. لكن الحقيقة أن كل ما نرويه من قصص الثورات ليس سوى مشاهد مختصرة لانتقال السلطة من قطاع من المجتمع، كبر أو صغر, إلى قطاع آخر يكون في تلك اللحظة أشد غلبة واندفاعا للتغيير.

هذه المشاهد تكون في العادة منزوعة من سياقات ممتدة لعقود أو قرون وتُغفل أن المهزوم، الذي قد يكون طبقة أو طائفة أو تركيبة اقتصادية أمنيّة، لا يرحل إلى المريخ ولا يتبخر إلا إذا أبيد ماديا كما حدث في بعض الثورات الأوروبية.

يكتب المنتصر التاريخ فيصبح المهزوم ثورة مضادة أو فلولا. ومع الوقت، يتم "تعقيم التاريخ" وإعادة موضعة قطاعات الشعب بأثر رجعي فتبدو الفئات التي قاومت الثورة وكأنها كانت متوافقة منذ البداية على الخلاص من الطغيان. هذا التعقيم ضروري من وجهة نظر التأريخ الرسمي حتى يعيد المجتمع بناء وحدته الوطنية. لكنه ينتج في النهاية قصصا أقرب إلى الفبركة في تبسيطها وطهرانيتها.

قامت الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب لأسباب منها قرار أبراهام لنكولن تحرير العبيد. ومع ذلك وقف ألوف من الجنود السود في صفوف قوات الكونفدرالية الجنوبية الرافضة للقرار كما حدث مثلا عند احتلال الجنرال ستونويل جاكسون لمدينة فردريك في ميريلاند.

لا يسهب التاريخ في الحديث عن هؤلاء الجنود. هل كانوا ضد حريتهم؟ هل كانوا يستعذبون سياط القهر؟ أم إن الحرية لم تعن شيئا لمزارع جنوبي أمي لا يملك قطميرا ويعتاش من العمل في مزرعة سيده؟ ماذا يفعل هذا المزارع بحريته إن كان كل ما تعد به هو إلقاؤه إلى الشارع بلا تعليم ولا مهنة ولا ملكية؟ طبعا دَعَمَ معظم السود قوات لنكولن لكن بعضهم أحجموا إذ فشلت دعوات الشمال في تقديم تصور يفهمونه ويثقون به عن مستقبل أفضل.

وفي السياق العربي، ما قيمة الحديث عن الحرية لدى فئة أو قطاع أو طائفة إذا كان كل ما توحي به هو تجريد هؤلاء من منظومة عيش ألفوها وقدمت لهم خبزا ومكانة وأمانا نسبيا؟ هل تخاطب ثوراتنا الأقليات وعناصر الأوضاع السابقة بما يكفي من الوضوح والمصداقية لتقنعهم بأنها أيضا لصالحهم؟ هل تعدهم بـ"اذهبوا فأنتم الطلقاء"؟ أم تتهمهم بالانتفاع من الوضع السابق وتدعيمه وتتوعدهم بالويل والثبور؟

نزَق الثورات إذ يستفز التقليديين
أجرى البروفسور جوناثان هايدت أستاذ علم النفس في جامعة فيرجينيا الأميركية بحوثا لفهم التركيبة النفسية للشخصيتين التقليدية والليبرالية. خلص البحث إلى أن الليبراليين يهتمون بثلاث قيم بشكل أساسي هي: العناية بالضعيف والعدل والحرية. في المقابل، يميل التقليديون إلى الاهتمام بالقيم الثلاث السابقة ذاتها لكنهم يضيفون إليها ثلاثا أخرى هي الولاء واحترام السلطة وإجلال المقدس. لكل مجتمع ليبراليوه وتقليديوه حتى في إطار الأيديولوجيا الواحدة.

الذهنية التقليدية العربية لا تختلف عن غيرها لجهة احترام السلطة. يرى تقليديونا أنه من سوء الأدب إهانة الرموز حتى لو اختلفنا معهم. عندما جلس الفريق أحمد شفيق قبل يوم من استقالته من رئاسة الحكومة في مواجهة الكاتب د. علاء الأسواني، طربنا لرؤية د. الأسواني يكيل الحجج بندية وقوة للفريق رئيس الحكومة. كان مشهدا تأسيسيا لعلاقة جديدة تقطع مع اختلالات الماضي. غير أن قطاعات تقليدية رأت في ذلك امتهانا غير مبرر لشخص يحمل رمزية الجيش والدولة ويتم تحميله افتئاتا تبعات أمور لم يكن له فيها دور.

تبدو تعليقات هؤلاء جلية واضحة على موقع يوتيوب: "الفريق أحمد شفيق ده راجل محترم جدا. كفاية بقي إهانه لرموزنا، وديتو البلد ووديتونا في داهيه، لا عارفين نشتغل ولا عارفين نخرج من البلطجيه، وبعدين إنتو ماشيين بالمثل اللي بيقول العجل لما بيقع تكتر سكاكينه –نانسي500" طبعا نحن نستحضر لقاء د. الأسواني مع الفريق شفيق كمثال لنمط عام ولا نقصد أن ذلك اللقاء بالذات هو السبب في استفزاز التقليديين.

لا نشك أن تجاوزات حدثت في الانتخابات المصرية, فبعض الأطراف المتنفذة ليست معروفة تماما بأداء الأمانات إلى أهلها, لكن ذلك لا ينفي أن ثمة ملايين صوتوا لصالح الفريق

تعيد نتائج الدورة الأولى من الانتخابات المصرية إذن تذكيرنا بنخبويتنا وتفتح أعيننا على ملايين التقليديين من إخوتنا الذين لا يعرفون ما هي صفحة "كلنا خالد سعيد" ولا يتابعون الجزيرة ولم يستلطفوا يوما فكرة "كفاية".

لا نشك أن تجاوزات حدثت في الانتخابات المصرية. فبعض الأطراف المتنفذة ليست معروفة تماما بأداء الأمانات إلى أهلها. لكن ذلك لا ينفي أن ثمة ملايين صوتوا لصالح الفريق. ألا يشي احتقار خيار هؤلاء ونعتهم بالجهل بإقصائية تذكرنا بممارسات الدكتاتوريات السابقة؟ هذه النزعة للاختزال كانت حاضرة قبل الانتخابات إذ يُصنف المجتمع إلى قسم مع الثورة وآخر ضدها.

ماذا عن الفئات التي كانت تعارض التوريث لكنها ليست ضد النظام؟ ماذا عن الفئات التي ترى الاستقرار أهم من الديمقراطية؟ هؤلاء، مع اختلافنا معهم، يسوؤهم تغييب صوتهم. لكن لا شيء يستفزهم أكثر من إنكار وجودهم أو ربطهم في حزمة واحدة مع "البلطجية" وعناصر الأمن وأتباع الحزب الوطني.

رصيد الخيبات
كان الليبيون يقولون في نهايات حكم إدريس السنوسي: "حكم إبليس ولا إدريس". لذلك هب الكثيرون لدعم انقلاب القذافي القادم بوعود الحرية والسيادة. كما تفاءل العراقيون والسوريون بانقلابات أخذتهم من منزلق إلى آخر. في الذاكرة العربية التي أدمنت الإحباط شواخص تحذيرية تجعلنا لا نثق تماما بالثوريين. صرنا نذكر أنفسنا بأن شرا تعرفه أفضل من خير تتعرف عليه "رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه".

لن تركن شعوبنا تماما إلى الثورات حتى توقن أنها ليست انتقالا من نظام قمعي إلى نظام آخر، وإنما انتقال من نظام قمعي إلى منظومة التداول مع ضمانات وكوابح كافية.

استشراف وتفاؤل
قريبا ستجرى الدورة الثانية من الانتخابات المصرية التي يُرجّح فيها فوز د. محمد مرسي الذي تعتبره معظم نخب الثورة أقرب إليها من منافسه. وبالرغم من تشاؤم الكثيرين، إلا أن إيجابيات كثيرة رشحت من نتيجة الدورة الأولى:

- لقد حطم الشعب المصري باختياراته أسطورة الشرعية الثورية التي اعتاشت في منطقتنا على حسن النوايا وأقصت خصومها بالمزاودات لتنبت في النهاية أسوأ الدكتاتوريات. ذكر المصريون الجميع أنه ليس ثمة شرعية سوى شرعية الصندوق.

تقترب بنا الثورة المصرية من غد أفضل لعل من صوره الأجمل اندغام العرب في الحدث إلى حد التفاعل اليومي وتبني مرشح بعينه والقيام بالدعاية الانتخابية والشعور بالصدمة أو التفاؤل!

- حررت هذه النتيجة نشطاء الثورة من النظرة الشاعرية، وأكدت بما لا يقبل الشك أن مهمة التغيير لم تنته وأن "التدافع" و"التمحيص" بالكاد بدآ. التغيير في النهاية تغيير ثقافة وممارسات وليس نظام حكم.

- قضت هذه النتيجة تماما على  فكرة الاستئثار في لحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل الدولة المصرية. وكم كان مطمئنا رؤية تعددية حقيقية في النتائج لا يحتكرها قطبان فقط وإنما ليس أقل من ثلاثة أطراف حقيقية وفاعلة. وكائنا من كان حاكم مصر الجديد، فإنه سيبقى على رؤوس أصابعه دأبا وعملا مدركا أن البديل قريب.

 تقترب بنا الثورة المصرية من غد أفضل لعل من صوره الأجمل اندغام العرب من المحيط إلى الخليج إلى المهاجر في الحدث إلى حد التفاعل اليومي وتبني مرشح بعينه والقيام بالدعاية الانتخابية والشعور بالصدمة أو التفاؤل!

لن تعود الأمور إلى الوراء لا في مصر ولا في اليمن ولا في تونس. ولن تتوقف الثورة السورية حتى يسقط أكثر أنظمة العصر دموية. غير أننا نحتاج، كما كان يدعو الدكتور عبد الوهاب المسيري دائما، إلى نماذج تفسيرية جديدة تنظر إلى الواقع بكامل تعقيداته وتستوعب الآخر حتى لا نبقى في التبسيط المخل والتفكير الإطلاقي الذي يوقع في الإحباط مع كل منعطف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك