باكستان ودبلوماسية الوصاية
أوراق الضغط
الانسحاب وتحدياته

في أجواء سادها التوتر بين الولايات المتحدة وباكستان، انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي في مدينة شيكاغو الأميركية في الفترة من 20 -21 مايو/أيار 2012، لتناقش الترتيبات اللازمة لمرحلة ما بعد الانسحاب من أفغانستان. وعندما قام البيت الأبيض بتوجيه الدعوة إلى الرئيس الباكستاني كان الساسة الأميركيون يأملون في أن يجعلوا هذه القمة مناسبة لإيجاد حسن النية اللازمة لردم الهوة بين البلدين، فإذا بالقمة تتحول إلى مناسبة لإهانات متتالية يتلقاها الجانب الباكستاني. ما هو جوهر العلاقات الباكستانية الأميركية؟ كيف الخروج من أفغانستان؟ وماهي أوراق القوة والضغط المتاحة لكلا الطرفين؟

باكستان ودبلوماسية الوصاية
ثمة علاقة إستراتيجية ربطت الولايات المتحدة بدولة باكستان منذ السنوات الأولى من استقلالها. لقد ساهمت باكستان في تأسيس أحلاف مختلفة تؤمن العمق الإستراتيجي لحلف شمال الأطلسي في غرب آسيا مثل حلف "بغداد" و "سنتو" و "سيتو" وذلك لإيقاف المد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو. هذا الدور جعل من الدولة الباكستانية وسيطا أميركيا مدللا يمارس حق الوصاية على جارته الأفغانية التي وقعت فريسة للدب الروسي الزاحف من الشمال.

إن الاحتلال السوفياتي لأفغانستان هيأ فرصة ذهبية لسماسرة السياسة والجيش في العاصمة الباكستانية ليجمعوا بين النقيضين ويتبنوا سياسة اللعب على الحبلين ويفتحوا أبواب البلاد أمام الجماعات الجهادية القادمة من بلاد العرب من جهة، والمشاريع المخابراتية الغربية من جهة أخرى.

ثمة علاقة إستراتيجية ربطت أميركا بدولة باكستان منذ السنوات الأولى من استقلالها مما مكنها من لعب دور وسيط أميركي مدلل يمارس حق الوصاية على جارته الأفغانية التي وقعت فريسة للدب الروسي

وعندما انتصر الجهاد الأفغاني، جاءت الولايات المتحدة لتشارك حليفتها الباكستانية في إنشاء حركة طالبان سنة 1994 وذلك بهدف ضرب الإسلام الأفغاني المقاتل بنسخة أكثر تشددا وبداوة من طرف وتشديد الحصار على إيران وزعزعة بلاد آسيا الوسطى الواقعة في دائرة النفوذ الروسي من طرف آخر.

وإذا كان الساسة الباكستانيون قد تمكنوا بالأمس القريب من جمع الأضداد ثم توجيهها لخدمة مصالحهم فإنهم اليوم بدؤوا يفقدون مصداقيتهم لدى كل الأطراف. والدليل على ذلك أن السيادة الباكستانية على الأرض أصبحت اليوم هدفا لحركة طالبان باكستان وقوات التحالف على السواء، الأمر الذي يمكن أن يلطخ هيبة الدولة في الوحل ويستنزف طاقاتها الاقتصادية والعسكرية.

رغم وجود قضايا خلافية بين البلدين والتي كانت تظهر بين الفينة والأخرى خلال السنوات العشر الماضية إلا أن الأزمة المتعلقة بمرور مركبات حلف شمال الأطلسي أخرجت النزاع إلى السطح، وجعلت القيادة الباكستانية تتلقى إهانة تلو أخرى خلال أيام انعقاد قمة شيكاغو تبلورت في:

1- النية المسبقة في عدم توجيه الدعوة إلى الوفد الباكستاني، وعندما وجهت الدعوة كانت متأخرة.
2- رفض الرئيس أوباما استقبال الرئيس الباكستاني، فبعد أن وجه البيت الأبيض الدعوة لرئيس وزراء باكستان في آخر لحظة لحضور القمة رفض كل من الرئيس الأميركي أوباما وأمين عام حلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن استقبال آصف علي زرداري.
3- تجاهل الرئيس أوباما ذكر الحليفة باكستان خلال مخاطبته المؤتمر حيث وجه كلمة شكر إلى جمهورية روسيا الاتحادية وشعوب آسيا الوسطى التي سمحت لقوات التحالف بالمرور عبر أراضيها، وتجاهل دولة باكستان التي كان رئيسها يجلس على بعد أمتار منه.

إن الجو العام في المؤتمر حشر الدبلوماسية الباكستانية في زاوية ضيقة وذلك لأول مرة، الأمر الذي جعل الصحافة الباكستانية تعتبر المعاملة التي تلقاها الرئيس الباكستاني والوفد المرافق له في قمة شيكاغو إهانة كبيرة للدولة الباكستانية.

علقت صحيفة دان الباكستانية الناطقة باللغة الإنجليزية على الطريقة التي عومل بها رئيس باكستان بالقول: مثل السيد زرداري في قمة حلف شمال الأطلسي كمثل الصبي المنبوذ الذي يتوق للانضمام إلى زملائه الذين ينادونه وعندما يهرول في اتجاههم يصرخون في وجهه ويمنعونه من الاقتراب منهم.

عندما وجه البيت الأبيض الدعوة إلى رئيس وزراء باكستان كان يتوقع منه أن يساعد في تسوية الأزمة الدبلوماسية الناجمة عن الغارة الأميركية التي تسببت في مقتل 24 جنديا أميركيا وأن يوافق على فتح خط إمداد القوات الدولية المستقرة في أفغانستان. ولكن الوفد الباكستاني طالب برفع ضريبة مرور شاحنات ناتو عشرين ضعفا، أي خمسة آلاف دولار على كل شاحنة بدل 250 دولارا الذي كان يدفع لباكستان. وقد جاء الرد الأميركي سريعا أي بعد مرور يوم واحد من اختتام قمة شيكاغو أعمالها عندما ربط مجلس الشيوخ الأميركي مساعداته إلى باكستان بفتح الأخيرة طريق خط الإمداد أمام قوافل حلف شمال الأطلنطي.

أوراق الضغط
ماهي الأوراق الإستراتيجية التي بيد كل من باكستان والولايات المتحدة للضغط على بعضهما البعض؟ أوراق باكستان تتمثل في نقطتين: حركة طالبان أفغانستان أولا، والخط الذي يربط المحيط الهندي بالأراضي الأفغانية ثانيا، الورقتان اللتان استخدمهما الجانب الباكستاني بكامل طاقتهما.

هل من الممكن أن تغلق باكستان هذا الخط إلى غير رجعة؟ من الصعب أن يبقى الطريق مسدودا لاسيما إذا ربطت الولايات المتحدة مساعداتها به. والجدير بالذكر أن باكستان تعتمد على الولايات المتحدة التي قدمت مساعدات لها تجاوزت عشرين مليارا خلال السنوات العشر الماضية.

أما فيما يتعلق بالورقة الثانية فيبدو أنها هي الأخرى في طريقها إلى النفاد. فحركة الجهاد الأفغاني التي احتضنتها باكستان قبل ثلاثة عقود تختلف عن الجماعات المقاتلة التي تصول اليوم وتجول على عرض التراب الباكستاني وطوله والتي تعتبرها كل من الصين والهند وروسيا الاتحادية والغرب بالإضافة إلى دول الشرق الأوسط بما فيها إيران خطرا على أمنها  في كل من سينكيانغ وكشمير والشيشان وأوزبكستان وغيرها.

يبدو أن حركة طالبان أفغانستان-فرع الملا عمر بدأت تتجاوز الوسيط الباكستاني وتدخل في حوار مباشر مع الولايات المتحدة الأمر الذي يمكن أن يخرج أقوى الأوراق من يد باكستان

والأهم من ذلك أن الدولة الباكستانية بأجهزتها الأمنية فقدت مصداقيتها لدى هذه الجماعات. فهل يمكن لدولة باكستان أن تواصل هوايتها في اللعب على حبلين؟ لا أعتقد. فحركة طالبان أفغانستان-فرع الملا عمر يبدو أنها بدأت تتجاوز الوسيط الباكستاني وتدخل في حوار مباشر مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يمكن أن يخرج أقوى الأوراق من يد باكستان.

وثمة تغيير طارئ في خطاب طالبان السياسي المتمثل في نفيها العلاقة بتنظيم القاعدة وذلك على لسان الناطق باسمها في اللقاء مع مراسل محطة "سي إن إن" الأميركية وأيضا في موقعها على الإنترنت، التوجه الذي ينسجم مع لغة المعاهدة الإستراتيجية الموقعة بين أفغانستان والولايات المتحدة التي نصت على كون تنظيم القاعدة خطرا على أمن العالم وتجاهلت ذكر حركة طالبان.

ثمة أوراق أخرى يتحدث عنها الأكاديميون الأميركيون بين الفينة والأخرى ولم تستخدمها الولايات المتحدة ضد الحليفة العدو بعد. منها محاولة تقسيم أفغانستان إلى شمال وجنوب، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى انفصال المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان. كما أن تبني مشروع استقلال بلوشستان الذي ظل يلوح به بعض أعضاء مجلس النواب الأميركي في الآونة الأخيرة أصبح مصدر قلق لباكستان.

السيطرة على مياه نهر كابل المتدفقة نحو التراب الباكستاني وبناء السدود عليها يمكن أن تؤثر على الإنتاج الزراعي في دولة تعتمد على الزراعة. وفي هذا الإطار قامت جمهورية الهند ببناء عشرات المشاريع على نهري "شناب" و"جهلم" والتي يمكن أن تؤدي إلى تحويل حقول بنجاب وسند الخضراء إلى صحارى قاحلة.

بقيت ورقة القنبلة النووية الباكستانية التي ظلت تلوح بها باكستان ويلقبها البعض بالقنبلة الإسلامية. عند المقارنة بين الأوراق الرابحة عند كل طرف, سألت دبلوماسيا باكستانيا معارضا: "ألا يمكن اعتبار السلاح النووي الباكستاني صمام أمان لسيادة البلد واستقلالها السياسي؟" فأجاب قائلا إن القنبلة النووية في يد مؤسسة الجيش الباكستاني الذي ساوم دوما ولعب دور مخلب القط لتطبيق الإستراتيجية الأميركية مثلها كمثل بائعة هوى تحمل خنجرا للدفاع عن عرضها.

الانسحاب العسكري وتحدياته
اتفق المؤتمر على إعطاء مسؤولية الأمن للقوات الأفغانية إلى منتصف عام 2013 وسحب قوات التحالف بحلول نهاية عام 2014م من أفغانستان. والسؤال المطروح: ما هو طريق الانسحاب؟

التاريخ يشهد بأن عملية الانسحاب من أرض جبلية وعرة ودولة مغلقة مثل أفغانستان يعتبر أصعب من احتلالها. ففي عام 1842 توصلت بريطانيا إلى اتفاق مع بعض القادة الأفغان لسحب نحو 18 ألفا من القوات البريطانية من كابل وبدأ الانسحاب في الخامس من شهر يناير/كانون الثاني، إلا أن رجال القبائل على الطريق بين كابل-غاندامك لم يلتزموا بالاتفاق فهاجموا القوات البريطانية في معبر خرد كابل وأبادوهم جميعا ما عدا الدكتور وليم برايدن حسب البعض.

عندما يحين موعد الانسحاب مع نهاية عام 2014 كيف يمكن سحب أكثر من 130 ألف جندي بالإضافة إلى العتاد العسكري الضخم من أرض ليس لها منفذ بحري ومحاطة بدول معادية لسياسة الولايات المتحدة. فهذه القوات لابد أن تخرج عبر طرق برية، ولكن المشكلة أن أفغانستان واحدة من الدول القليلة التي تحيط بها اليابسة من كل الجهات.

ظلت باكستان تحتفظ بلقب أقرب حليف للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي, وهو اللقب الذي انتزعته أفغانستان بقيادة كرزاي مما اعتبره الساسة الباكستانيون تهميشا لدور إسلام آباد في المنطقة

هنالك اتجاهان للانسحاب: الانسحاب عبر الأراضي الباكستانية إلى المحيط الهندي، ولكن باكستان أغلقت هذا الطريق منذ ستة أشهر، كما أن هناك خطر الهجوم على القوافل المنسحبة. والخيار الآخر هو الطريق الشمالي الممتد إلى جمهورية أزبكستان التي تدور في فلك روسيا. وجمهورية أزبكستان هي الدولة الوحيدة التي يربطها خط سكك الحديد الروسية بأفغانستان. روسيا الاتحادية هي أهم طريق جوي، ولكن المشكلة أنها ليست مشتركة مع حلف شمال الأطلسي في أفغانستان.

يبدو أن الجانب الأميركي لم ييأس من محاولة فتح أقرب وأنسب طريق إمداد إلى قواته في أفغانستان -وظل يستخدم مرة عصا ومرة جزرة- وإن كان قد يئس من الوساطة الباكستانية في علاقاتها بأفغانستان.

الدولة الباكستانية ظلت تحتفظ بلقب أقرب حليف للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في المنطقة لسنوات طويلة، اللقب الذي انتزعته دولة أفغانستان بقيادة حامد كرزاي في وثيقة المعاهدة الإستراتيجية الأفغانية الأميركية، الأمر الذي اعتبره الساسة الباكستانيون الموالون للولايات المتحدة تهميشا لدورهم في المنطقة.

يمكننا تلخيص العلاقات الأميركية الباكستانية في المثل الشعبي الأفغاني القائل: "لا تقترب مني لأن رائحتك تؤذيني، ولا تبتعد عني لأنني أخاف عليك من الذئب".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك