عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي

الحداثة من وجهة نظر تاريخية
الحداثة في السياق العربي الإسلامي

إشكالية الحداثة سؤال قديم متجدد سواء في مهدها الغربي أو في دول العالم الأخرى بالخصوص، ومن بينها العالم العربي. في هذا الفضاء الأخير وفي سياق المسار الثوري الحالي وإعادة تشكل المشهد السياسي، تطرح هذه الإشكالية بإلحاح أكثر.

إنها تطرح بشكل خاطئ كمشروع ينافس مشاريع أخرى، أو كأنها ظاهرة دخيلة على الواقع العربي الإسلامي. وقد يذهب البعض إلى أبعد من ذلك ويعتبرها مسألة يجب تجاوزها بالنظر إلى عديد مظاهر فشلها.

الحداثة من وجهة نظر تاريخية
مصدر الخلط يتأتى في أغلب الأحيان من ضبابية تعريف ما نسميه بالحداثة، وخاصة في الفضاء الثقافي العربي والإسلامي. فالبعض يقدمها على أنها خصوصية غربية لا تتأقلم مع الخصوصيات الثقافية العربية والإسلامية، بينمكا يذهب البعض إلى إدراجها في سياق مشروع غربي للهيمنة على العالم، بدأت تتوضح ملامحه مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية حملات الاستعمار المباشر.

هذه القراءة الذاتية تجعل من الأنا قيمة ثابتة خارجة عن التاريخ، وتجعل من التاريخ جملة من المسارات المتقطعة والغارقة في خصوصياتها الثقافية دون روابط عميقة بين بعضها.

على عكس هذا المنحى الفكري الانفعالي، لا بد من رؤية المسألة في سياق تاريخ عالمي انخرطت فيه جملة من السياقات التاريخية والحضارية القديمة منها والحديثة.

الحداثة ليست نظرية يمكن من خلالها فهم واقع ما، أي أنها لا تعطينا نسقا فكريا تحليليا ومفاهيم يمكن تطبيقها في سياق معرفي

ما الحداثة؟ الحداثة ليست نظرية يمكن من خلالها فهم واقع ما، أي أنها لا تعطينا نسقا فكريا تحليليا ومفاهيم يمكن تطبيقها في سياق معرفي. من جهة أخرى، لا يمكننا اعتبار الحداثة مشروعا واضحة معالمه وخلفياتها السياسية ولا يتطلب سوى مجهود لتركيزه في هذا الفضاء أو ذاك من العالم، وبهذا المعنى فإن الحداثة ليست نموذجا من بين نماذج أخرى.

يجبرنا التحليل التاريخي كذلك على العودة إلى مصدر نشأة المفهوم والإطار الذي ظهرت فيه، أي غرب أوروبا. وفي هذا السياق نقول إن عمق التحول تمثل في ظهور ديناميكية جديدة تحمل في طياتها قطعا مع أنماط التنظيم القديم ومع أشكال السائد كما يرى الفيلسوف الفرنسي جون بودريار(Jean Baudrillard).

لقد اتخذت الحداثة في حدود القرن السادس عشر، معنى الصراع بين القديم والجديد. فعامل الزمن (الوقت) هنا عامل مهم جدا لفهم الحداثة وعلاقتها بعنصر المعاصرة. وراء ظهور هذه الديناميكية الجديدة، كان هناك ظرف تاريخي يهم أوروبا أولا، ولكن أيضا -بطريقة غير مباشرة- يهم العالم كله.

المقصود هنا بداية توسع رقعة العالم باكتشاف أجزاء جديدة وشعوب جديدة وحضارات أخرى. لم يكن العرب والمسلمون بمعزل عن هذه الأحداث لأنهم ساهموا فيها بشكل مباشر (ابن ماجد) وبطريقة غير مباشرة، باعتبار أن البحث عن طريق جديد نحو الهند كان يهدف إلى التخلص من الوساطة العربية الإسلامية في التجارة العالمية.

المهم أن هذه الديناميكية تأسست على تحولات أخرى مهمة تمثلت في ظهور الدولة الملكية المركزية، وعلى المستوى الفكري في ظهور النزعة الإنسانية، وعلى المستوى العلمي في ظهور بوادر فتوحات العلوم الطبيعية الجديدة، وخاصة في مجال الفيزياء، وفي مجال الأدب بظهور الرومانسية.

الجديد إذن ليس المحتوى بما أن العقل والإنسان والدولة والأدب هي إنتاج للحضارة الإنسانية جمعاء، لكن الجديد هو تلك الديناميكية التي أعطت بعدا قيميا جديدا ورسخت المفاهيم في إطار تحقيب زمني جديد قوامه الصراع بين القديم والجديد.

أما في القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين، فقد ساهمت الثورة الصناعية -ومن قبلها الثورات السياسية- في زيادة تسارع نسق تركيز الجديد على حساب القديم، وتدعمت مؤسسة الدولة عبر اعتماد جهاز بيرقراطي وعبر اعتماد الدساتير.

كما ساهمت ثورة التقنيات الحديثة في مجال الاتصالات ونقل المعلومات في تزايد نسق الصراع بين القديم والجديد من ناحية، ولكن -وبالأخص- في توسيع دائرة هذه الديناميكية في مختلف رقاع العالم، لتتشابك الحداثة مع مفهوم جديد هو العولمة. فقد دخلت أجزاء كبيرة من العالم في هذه الديناميكية الجديدة، خاصة مع نهاية القرن التاسع عشر، فنجح من تفاعل معها إيجابيا، مثل حالة اليابان.

ليست الحداثة إذن مشروعا أو نظرية حاملة لقطيعة أو لأزمة تهدف إلى ترسيخ قيم جديدة، بل هي ديناميكية كاشفة عن قيم قديمة متجددة بمحتوى جديد.. هي ديناميكية لها منطقها وخطوطها (أو أعراضها)، ومن بينها البعد السياسي الذي يتمثل في علوية الدولة الدستورية ذات الجهاز البيرقراطي، وكذلك في تحديد الوضعية القانونية للفرد في إطار مفهوم المواطنة.

الحداثة هي في الأصل حركية جديدة وديناميكية كشفت عن إمكانية إدراج محتويات جديدة في قيم كان التاريخ البشري قد أنتجها في حضارات متعددة

في نفس الوقت هي مفهوم اقتصادي جعل من الإنتاجية عنصرا أساسيا للقطع مع النماذج الاقتصادية التي عرفتها البشرية إلى حد الآن. وربما كانت علاقة الحداثة بالوقت (أو الزمن) من أكثر العناصر المميزة لهذه الديناميكية الجديدة. لقد خرجت البشرية من ذلك الزمن المرحلي (أو الحقبي) كما تصورته الحضارات السابقة والذي نظر له ابن خلدون، إلى زمن خطي يمتد من الماضي متجها نحو المستقبل مرورا بالحاضر.

وكما يقول جون بودريار.. إن كان التقليد أو القديم يركز على الماضي فإن عمل الحداثة مركز على المستقبل.. إنه خروج من الزمن الخرافي إلى الزمن التاريخي الذي يدور حول الإنسان وحول التطور المستمر، هذا هو كنه الحداثة.

يبرز إذن عبر هذا التقديم الوجيز أن ما نسميه بالحداثة هو في الأصل حركية جديدة وديناميكية كشفت عن إمكانية إدراج محتويات جديدة في قيم كان التاريخ البشري قد أنتجها في حضارات متعددة. ومن بين هذه القيم: الحرية، والإنسان، والعقلانية، والتنوع، وقد أدرجتها ديناميكية الحداثة في سياق تاريخي بشري وخطي يتجه إلى الأمام وإلى المستقبل باستمرار. الجديد هو أن هذه القيم أصبحت قيما عليا تدور حول مفهوم الإنسان. علينا فقط أن ننظر إلى الثقافة العربية الإسلامية كي نقف على العديد من الآثار الأدبية والفكرية التي تعالج هذه القيم ولو في إطار مختلف. 

الحداثة في السياق العربي الإسلامي
تبرز الآثار السلبية للحداثة بوضوح أكثر في تلك المجتمعات الطرفية (الهامشية)، حيث تم تلقي ديناميكية الحداثة على أنها فعل عدائي خارجي. في العالم العربي تجسد الاكتشاف الصدامي للحداثة في حملة نابليون على مصر عام 1798، وفي احتلال الجزائر عام 1830، ثم في احتلال بقية البلدان مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

نقطتان فارقتان جسدتا اختلاف التفاعل مع ديناميكية الحداثة بين الحالة الأوروبية والحالة العربية: تتمثل النقطة الأولى في عدم حصول ثورة سياسية أو اقتصادية أو فكرية في العالم العربي تجعل من ديناميكية الحداثة عاملا محفزا لحصول تغيرات عميقة. ثم من جهة ثانية أن هذه الديناميكية قدمت من الخارج، من خارج متربص ومعتدٍ.

النتيجة أنه بغياب هذه التحولات السياسية والثقافية العميقة، طغت على التفاعل العربي مع الحداثة ثلاث سمات:

أولاها هيمنة بُعديها الشكلي التقني والاستعراضي عوضا عن بُعديها العقلاني والإنساني، أي أنه تم الاقتصار على الأخذ بشكليات الحداثة من تقنيات مثل الطباعة والصناعة والمعمار وغير ذلك. في هذا الإطار نفهم كيف أن حركة الإصلاحات في العالم العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر، مست أساسا مؤسسة الدولة بالمعنى الإداري، وخاصة المؤسسة العسكرية وما صاحب ذلك من شراء أسلحة جديدة.

أما في القرن العشرين وخاصة في النصف الثاني منه، فقد تدعمت هذه الاستعارات التقنية بجوانب استعراضية نلاحظها خاصة في البلدان العربية النفطية التي تركز على مشاهد البنايات الشاهقة واستعمال وسائل الاتصال الحديثة واستعمال الحاسوب والسيارات وغير ذلك.

السمة الثانية تتمثل في أن ديناميكية الحداثة في العالم العربي والإسلامي لم تكن مبنية على التقابل بين القديم والجديد كما كان الشأن في أوروبا، بل طغى على ثنائية القديم والجديد صراع بين ما هو داخلي وما هو خارجي.

فلئن أفرزت ديناميكية الحداثة في الغرب صراعا حول الأنا وحول الذات، فإن ديناميكية الحداثة في العالم العربي والإسلامي تركزت في جانب كبير منها حول علاقة الأنا بالآخر.

في هذا السياق نفهم تلك السمة الثالثة لهذه الديناميكية والمتمثلة في نوع من المراوحة بين جديد يحاول أن يجد مكانه وبين قديم يتجدد باستمرار.

ديناميكية الحداثة في العالم العربي والإسلامي لم تكن مبنية على التقابل بين القديم والجديد كما كان الشأن في أوروبا، بل طغى على ثنائية القديم والجديد صراع بين ما هو داخلي وما هو خارجي

فالمعاصرة -وبشكل متناقض- تتخذ في بعض الأحيان شكل عودة تقليد قديم على أنه حل حداثي، مثلما لاحظنا ذلك من خلال عودة العشائرية مثلا في بعض البلدان التي شهدت قطيعة سياسية في اتجاه البناء الديمقراطي، وكذلك نشاط الحركات السياسية باسم الإسلام. نلاحظ هذا اللبس الحداثي في حالة لبنان كذلك، حيث تمر تمظهرات الحداثة إلزاما عبر بوابة الطائفة والمجموعة الدينية.

هل يعني هذا أن سياق الحداثة العربي كان سلبيا في مجمله؟ طبعا حصل تقدم مهم في عديد المجالات. فحتى عوارض الحداثة من تقنيات وأدوات أفرز استعمالها تغيرات لم تكن متوقعة من طرف الأنظمة السائدة، ولنا في الإنترنت وفي توسع استعمال الهاتف الجوال خير مثال. لكن على مستوى الثقافة العليا والتحولات العميقة التي تذهب إلى عمق الإنسان، بقي هناك قصور كبير نتمنى أن تصححه الثورات العربية الحالية. ويتوقف ذلك طبعا على مدى قبول الحرية في سياقها الحداثي كهدف نهائي لهذه الثورات.

إن اعتبار الحداثة في بُعدها التاريخي ديناميكية جديدة ظهرت في الغرب، وفي بعدها المطلق عقلنة لقيم كانت الإنسانية قد أنتجتها في سياقات وفي حقب مختلفة، لكفيل بإخراجنا من تلك الأسئلة المغلوطة حول مدى تأقلم الإسلام مع الحداثة، أو حول شروط تهذيب الحداثة لأقلمتها مع الإسلام. الحداثة كما قلنا ديناميكية غربية أبرزت للوجود قيما كونية ليست كلها غربية، والدعوة إلى الحداثة هي إذن في عمقها دعوة إلى المصالحة مع الذات، أي مع الإنسان ومع العقل ومع التاريخ.

المصدر : الجزيرة

التعليقات