مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

 

ثورة الفلول وكلمة سر العسكري
مهام الرئيس الصعبة
الاختلاف الشعبي والتوازن الدبلوماسي
الإخوان.. الدرس الذي لا يتكرر

كانت طبيعيةً ومؤشرا منهجيا مهمًا تلك الاحتفالات الشعبية العفوية الهادرة التي أشعلت الشارع المصري, وحسبما نقل بعض المراسلين أن الاحتفاء شمل بعض من صوّت للفريق شفيق أو بعض من امتنع، فكلهم شارك في هذه الفرحة الوطنية كإيمان بأن مصر حققت عتبة تقدم جديدة لحريتها المدنية عبر فوز مرشح الثورة المصرية والتاريخ الجديد.

وهو احتفاء مهم لأنّه يُكرّس قضية مهمة في فقه الثورة الذي لا يزال يصطدم بدروس تكشف أنّ مشروع التنحي الشامل للنظام لم يتحقق, وأنّ الخضوع للإطاحة برأسه جاء بترتيب مسبق لثورة مضادة لم تُعلن انسحابها حتى الآن وتحتفظ بالعهدة الدستورية.

وبالتالي فإنّ هذا الزخم الجماهيري للاحتفال بفوز الدكتور محمد مرسي يُشكل محطة دعم معنوي لمسيرة النصر السياسي للثورة، في برنامج كفاح سينطلق في مسارات صعبة تتفاوت بين الصراع والتفاوض والاحتجاج الشعبي المدني والتنازل المؤلم في بعض المسارات، يُبقي الثورة في مسار يتقدم دون انحراف دموي ولكن لا يُسلّم زمامه لخصومه.

ثورة الفلول وكلمة سر العسكري
وقبل الوصول لخاتمة الانتخابات الرئاسية صدرت مجموعة من القرارات والفعاليات المُحاصرة للثورة، والتي برزت في صورة مفاجئة حين احتشدت فجأة بعد دورة الانتخابات الأولى لتقدمها في مسار موحد يعيد النظام السابق إلى سدة السلطة التنفيذية المنسجمة مع المجلس العسكري، في مدار يُصفي كلياً مشروع الثورة المصرية.

ولعل هذا الدرس وغفلة تيارات الثورة والقوى السياسية وخاصة الإخوان عن استيعاب هذا البرنامج الذي أُعد له جيّداً، هو من أبرز دروس المرحلة التي يجب أن يعيها الجميع في تأثير الصراعات الداخلية التي أُثيرت أو أثاروها وعززت قدرة ثورة الحزب الوطني المنحل للعودة للمشهد بقوة.

كلمة السر التي نطقها عمر سليمان في بيان التنحي هي قوله "وتفويضه المجلس الأعلى كامل صلاحياته"، وهذا ما طبقه تنفيذياً المجلس العسكري

لقد اشتغل الرأي العام بالصورة الساخرة للرجل الذي وراء عمر سليمان، لكنّ الكلمة التي قالها عمر سليمان بعد مصطلح التنحي كانت مهمة للغاية واتخذها المجلس العسكري كمرجعية تنفيذية في كل برنامجه، دون أن يُركز عليها حتّى لا يُثير تيارات الثورة أو الرأي العام من أنّ هذه الكلمة لوحدها قد تعني كثيرا لإبقاء روح النظام القديم قائمة, ثم تُفعّل بحيوية عند أي جسم ممكن أن يتشكل ويُناسب استدعاؤه وهو ما كاد أن يجري بتنصيب الفريق شفيق.

أما كلمة السر هذه فهي العبارة التي نطقها عمر سليمان في بيان التنحي بعد أن لفظ تنحي الرئيس مبارك، وهي قوله "وتفويضه المجلس الأعلى كامل صلاحياته"، وهنا صلاحياته كحاكم عسكري مطلق وهو الذي طبقه تنفيذياً المجلس العسكري وساعده في ذلك الخلاف بين تيارات الثورة والطموح الحزبي وحركة التكفير المتبادلة بين التكفير الديني والتكفير المدني، حيث مكنته من استخدام مواقف بعض القوى وتسخيرها لنقض أي تقدم يهدد هذه الصلاحيات.

وبغضّ النظر عن مساحة الفراغ القانوني الذي استخدمته المحكمة الدستورية لحل البرلمان، والذي قد يكون تكييفه القانوني له وجهٌ من الصحة، لكن حركة استثماره والدفع بالقضية كان من الممكن أن يُعطل باعتبار مرجعية الاستفتاء الدستورية فوق القوانين السابقة للثورة, وما يعنينا في كل ذلك أن هذه التراتبية في المشهد كان فيها فاعلٌ رئيس واضح لا يُمكن لأي محلل سياسي أن يلغي دوره المركزي فيها وهو المجلس العسكري.

فقد انتهى البرنامج لعودة السلطات في يديه بعد حل البرلمان وأظهر حرصه على ذلك رسمياً وبصورة معلنة في بيانات التطويق الرئاسي المجردة للرئيس المنتخب, مع ملاحظة أنّ الساعات الأخيرة من إعلان الرئيس كانت تتأرجح وكأنما هناك مراقب يوازن بين الإقدام على إسقاط مرسي والإرادة الشعبية وبين انعكاساتها الخطيرة التي كانت تتوجه لتحول التحالف السياسي الجديد للثورة وردة فعل أهالي الشهداء وقطاع شعبي من أحكام البراءة للجهاز الأمني إلى عاصفة احتجاجات تهدد وجود المجلس العسكري وليست هيمنته فقط.

مهام الرئيس الصعبة
أمام د. محمد مرسي الرئيس المنتخب ملفّات حرجة جداً ومسار لا بد أن يخضع لحركة تدرج إلزامية لاسترداد الصلاحيات الدستورية له كرئيس يمثل الإرادة الشعبية, وهو في موقف يخضع لتوازنات ضاغطة عليه لكن هناك توازنات هي في مصلحته أيضاً، وبالتالي الخطة الإستراتيجية يفترض أن تَعبر بتقليص التوازن الضاغط بالتوازن المساند لتحقيق مساحة أكبر لتوازن المصلحة الدستورية العليا للشعب.

وهذا سيعتمد على بنائين: الأول الحفاظ على جسم التحالف السياسي الجديد الذي أَعلن حمدي قنديل ناطقاً باسمه, والعمل على تحقيق التوافق المدني الذي أقره د. محمد مرسي في 22 يونيو/حزيران وقبل إعلان النتائج الرسمية, وبالتالي الحفاظ على الدعم الثوري وأكبر قاعدة تآلف سياسي حوله, وعدم المخاطرة باستفزازها منه شخصياً أو من قالبه الحزبي القديم، وترك مساحة لحراكهم الاحتجاجي في مداره.

أمام د. محمد مرسي ملفّات حرجة جداً ومسار لا بد أن يخضع لحركة تدرج لاسترداد الصلاحيات الدستورية له, وهو في موقف يخضع لتوازنات ضاغطة عليه وأخرى في مصلحته

لكن عليهم هم أيضاً تقدير مسؤوليته كرئيس، وحاجة المجتمع الضرورية الذي صوّت نصف ناخبيه لشفيق لمبرر الاستقرار المعيشي، مع أن ناخبي د. مرسي هم في ذات الدائرة، لتحقيق هدوء اقتصادي واستقرار أمني يعاني الشعب من غيابه ويجب أن لا يُستهان به.

أمّا البناء الثاني الذي سيتعاطى معه د. محمد مرسي فهو المجلس العسكري والبناء القديم للعهد السابق، وهو برنامج يحتاج لنفَسٍ طويل وغير متعجل يوازن المصالح والمفاسد على حياة الشعب المصري ومسيرة الثورة المتدرجة, ونجاحه في كسب بعض قوى العهد القديم وطمأنة بعضها الآخر وتحييد البعض، وحصر المواجهة في أقل مجموعة سيضطر لمواجهتها الدكتور مرسي كرئيس لا بد أن يبقى قوياً حكيماً أمام الإرادة الشعبية التي انتخبته.

وسيحقق د. محمد مرسي تفوقا أكبر في حال عودة البرلمان أو حتى انتخابات جديدة قد يفقد الإسلاميون المحافظون جزءًا من مقاعدهم فيه, ولعل هذا لصالحهم وصالح مصر, لكن بالمقابل سيتقدم الإسلاميون الإصلاحيون واليسار والقوى المدنية المساندة لمشروع مصر الدستورية بالإرادة الشعبية, وهذا التوازن مهم جداً لمشروع الإنقاذ المصري التاريخي.

الاختلاف الشعبي والتوازن الدبلوماسي
كان خطاب د. مرسي كرئيس منتخب مساء 24 من يونيو/حزيران متوازنا جداً، ومثّل رجل الدولة ومسؤول الوطن الكبير، وهو مقدمة مناسبة لتعاطي الرئيس مع واقع توجهات الشعب المصري المخالف لتوجهات حزبه أو حتى توجهات الثوار, وهي مساحة كبيرة في الشارع المصري المنهك من تردي الأوضاع كحاجة بشرية للإنسان أينما كان.

وبالتالي النزول إلى إنسان الشارع البسيط أو المهني أو الطبقة الوسطى التي خاطبها في كلمته تحتاج مشاريع عملية ودفعا للتوازن الاقتصادي المُستشعر على الأرض أكثر من التبشير بأفق مشروع النهضة الذي لم يتحقق بعد كونه ميلادا جديدا لبرنامج انتخابي.

وهذا الاستقرار المعيشي يحتاج إلى توازن دبلوماسي يُحفّز على كسب أو طمأنة رأس المال الدولي والعربي وخاصة الخليجي، دون إخضاع كرامة مصر القوية لمفاهيم تغض منها لكن أيضاً دون استفزاز لها، وإدارة العلاقة بتوازن وجسور مصالح وإعلان هو من صميم مهمة مصر القومية وصدارتها العربية برفض مس الأمن القومي للخليج العربي المتحسس جداً من تغوّل إيران والمشترك مع كل محيطه العربي في رفض عدوانها على الشعب السوري.

بل إن هذا الملف المهم قد يخلق للدكتور مرسي برنامج توافق مبدئي للتعاون في دعم الثورة السورية مع دول الخليج العربي من واقع مبدئية الشعب المصري، وفي ذات الوقت فتح آفاق الاستثمار لمشروع مصر الجديدة ليعبر لأول مرة من خلال الشارع الاقتصادي وليس حيتان الفساد للنظام السابق.

الإخوان.. الدرس الذي لا يتكرر
المراقب السياسي يعرف قوة هذه الجماعة وصمودها التاريخي الذي يتحول الآن ليواجه برنامجا وطنيا ودوليا مختلفا, وعليه فإن الجماعة تواجه مفصلا زمنيا لا يتكرر يستدعي بالضرورة أن تتحول إلى قوة وطنية تشارك في صناعة دولة المستقبل وتتقاطع مع محيط عربي وإقليمي ودولي صعب جداً.

تحول إخوان مصر من حركة جماعة دينية مغلقة إلى حركة مجتمع شاملة هو ضرورة لهم ولمشروعهم الإسلامي الحضاري الذي يعلنونه

وبالتالي فإن تحول إخوان مصر من حركة جماعة دينية مغلقة إلى حركة مجتمع شاملة هو ضرورة لهم ولمشروعهم الإسلامي الحضاري الذي يعلنونه, وأول بنود هذه المهمة تثبيت التوافق الوطني الذي نفذ كقاعدة توجه إستراتيجي وليس تكتيكا مرحليا هشا, يستفز القوى الوطنية والمدنية حين يُنقض ويُغير شراكتها مع الإخوان إلى قطيعة شاملة في وقت حسّاس.

إنّ استقالة د. مرسي من الجماعة كرئيس للجمهورية لا تغيّر شيئا في كونها قاعدة شعبية له، وهو أمرٌ إيجابي بل ضروري لقوة الرئيس المدنية, لكنّ ذلك يُحقق في توازن وطني شامل يُرى بمنظور الوطن لا الأسرة التربوية, وصناعة التحول لحركة مجتمع لا تقتضي بالضرورة أنموذجا محددا ولا التخلي عن برنامج التربية أو الغوث الاجتماعي، لكن تعزل العمل المدني والسياسي عن هذا البعد الذي تُحترم كل مساراته في دولة الحرية وتفرز حراكها السياسي بمنظور السياسي الحكيم الذي يفقه أخوة المواطنة في الشريعة، ولا تُكلف الواعظ أو التربوي البسيط عمق الخوض في الدولة المدنية وتأسيس مرجعيتها التشريعية بفقه المقاصد.

وهذا لن يتم ما لم تتقدم الجماعة بموقف شجاع وانتخابات داخلية تدفع بتلك النماذج المتميزة لساحة مصر الوطنية والمدفونة في جبة المشيخة التربوية.. إنه الطريق لقوة الإخوان ومشروع نهضة مصر القوية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات