نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

 

الدعاية الإيجابية
الدعاية السوداء
دعاية مصرية

التنافس في حياة البشر يقوم على سعي أكثر من طرف إلى الفوز بشيء لا يُتاح الحصول عليه إلا لعدد محدود منهم، ومن هنا لزم أن يكون عدد المتنافسين على شيء ما أكبر من عدد الفرص المتاحة، وإلا لم يكن ثمة داع للتنافس أصلا.

الدعاية الإيجابية
وإثبات الجدارة بشغل هذه المنزلة أو الحصول على هذه الفرصة هو الأساس الذي يقيم عليه المتنافسون حججهم، ويقدِّمون من خلاله مسوِّغهم للمنافسة، أي أن جدارة شخص ما بشغل هذا المنصب أو الحصول على هذه الدرجة أو التقدم على الغير في أمر ما، يعتمد بالأساس على مجموعة من الخصائص والصفات والإمكانات التي يحملها هذا الشخص قبل أي شيء آخر.

الدعاية السلبية هي التي تحاول أن تنفر الناخبين من المنافس بأن تنسب إليه من السلبيات ما يصرف عنه أصوات الناس، ولا تلتزم الصدق ولا تتحراه في كثير من الأحوال

وفي هذه الحال تتراوح مسوغات المنافسة بين التوصيف اللساني من الشخص لنفسه، والممارسة العملية التي يقوم بها، ومعرفة ماضيه، وشهادة الآخرين له:

- فحين يقول النبي يوسف الصديق –عليه السلام- عن نفسه وهو يخاطب ملك مصر: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (سورة يوسف: 55) فهذا من التوصيف اللساني للقدرات الذاتية أراد به النبي الكريم تسخير مواهبه في خدمة الحق والعدل.

- وحين يقول الله تعالى للنبي محمد –صلى الله عليه وسلم– عن القرآن الكريم: {قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (سورة يونس: 16)، فهذا من الاستشهاد بالماضي النظيف على صحة ما جاء به خاتم النبيين من الهدى والرشاد.

- وحين قالت ابنة الرجل الصالح عن موسى –عليه السلام-: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} (سورة القصص: 26)، وقال نبي من بني إسرائيل عن القائد طالوت: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} (سورة البقرة: 247)، فهذا وذاك من شهادة الآخرين للشخص بالصلاح والأهلية.

وبعيدا عن هذا العالم الإنساني الراقي الذي لا تشوبه شوائب الادعاء، يبدو من حق المرشح في الانتخابات التي نجريها في عصرنا لشغل منصب أو آخر أن يبرز مواهبه وقدراته وبرامجه المتميزة التي تؤهله للقيام بواجبات المنصب. وهو ما يحدث بالفعل، لكن دون أن يلتزم أصحابه في العادة بالواقع الفعلي للشخص وبرامجه، حيث يبرز التهويل والمبالغة، وأكثر من هذا تزداد الوعود التي تداعب أحلام الناخبين، وتركز على مطالبهم الحياتية والمعيشية الملحّة.

وسواء أكان المرشح متحريا الدقة والصدق فيما يقول عن نفسه وبرنامجه أم متجاوزا ذلك، فهذا من الدعاية الإيجابية التي تركز على الذات واستعداداتها ومؤهلاتها، ولا تنظر خارج نافذتها.

وفي مقابل هذا تأتي الدعاية السلبية التي تضع المنافس أو الخصم في بؤرة اهتمامها، وتحاول أن تنفر الناخبين منه بأن تنسب إليه من السلبيات ما يصرف عنه أصوات الناس، وبالطبع فإن هذا اللون من الدعاية لا يلتزم الصدق ولا يتحراه في كثير من الأحوال.

الدعاية السوداء
وقبل أن نخوض في الحديث عن الدعاية السلبية حسب التعريف السابق لها، أرى أن أميز بينها وبين ما اشتهر على الألسن باسم "الدعاية السوداء"، إذ تعتمد الأخيرة على تشويه الخصم وتلفيق الاتهامات له، والكذب عليه بكل وجه، وتضخيم خطئه إلى مستوى الخطيئة، وإثارة الشائعات المدمرة حوله.

الدعاية السوداء نوع من الدعاية السلبية تعتمد الكذب واتخاذ تشويه المنافس أساسا للتقدم عليه وتغيير وعي الناخبين ومواقفهم النفسية والعقلية من أطراف المنافسة

ومن هنا تبدو الدعاية السوداء نوعا من الدعاية السلبية يختلف عن غيره من أنواع الدعاية بتعمد الكذب واتخاذ تشويه المنافس أساسا للتقدم عليه وتغيير وعي الناخبين ومواقفهم النفسية والعقلية من أطراف المنافسة.

والحقيقة أن الدعاية السلبية برمتها تركز على الغزو النفسي والعقلي للناخب، حتى يفقد السيطرة على قيادة نفسه، وتحرمه حق الانتخاب الحر، خاصة إذا اعتمدت على سياسة الإغراق الإعلامي الذي يحدث حتى في أعرق بلاد الديمقراطية في العالم.

ويمكننا أن نرصد كثيرا من الأمثلة على استخدام الدعاية السلبية بل السوداء في انتخابات الرئاسة الفرنسية الأخيرة مثلا، فقد وصف ساركوزي منافسه هولاند بالكذب والتضليل وتلقي الدعم والتأييد من إسلاميين متطرفين، ووصف هولاند غريمه بأنه يقسّم فرنسا بما يتخذه من إجراءات غبية، ومن قبلُ وصفت هيلاري كلينتون منافسها السابق باراك أوباما، لاختيار مرشح الحزب الديمقراطي الأميركي في انتخابات عام 2008 بأنه "ساذج وغير مسؤول"، وهكذا.

ولعل هذا هو ما يعيبه الفلاسفة والمفكرون من قديم على الديمقراطية، وأنها –لكي تكون صالحة لاختيار من يمثل المجتمع ويقوده بشكل صحيح- تحتاج إلى التغلب على اللعب بعقول الشعوب، وإلى توفير ضمانات تمنع المتنافسين من تشويه الحقائق عند الناس، وتعطي المتميزين من أبناء الأمة ثقافيا وعلميا وفكريا وعقليا موقعا في الاختيار يفوق مواقع "العامة والرعاع"!!

دعاية مصرية
مثل غيرها من البلاد عرفت مصر الدعاية الانتخابية بكل صورها وألوانها، إيجابية وسلبية، سوداء وبيضاء ورمادية، بل عرفت مصر قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 ظواهر انتخابية نادرة، بل قد لا نجد لها نظيرا في العالم كله، من قبيل المرشح الأوحد، ومعاقبة من يتجرأ على "مجرد الترشح" في الانتخابات الرئاسية وتلفيق التهم له بالحق والباطل (د. أيمن نور نموذجا)، ومنع الناخبين من الوصول إلى صناديق الاقتراع، وإلقاء صناديق الاقتراع الحقيقية في نهر النيل وفروعه، وعدم حل البرلمان المزوَّر إلا بقرار من الرئيس مهما حكم القضاء ببطلانه..!!

ولأن مصر قد شهدت أعراسا انتخابية عدة منذ ثورتها الأخيرة، فيما يشبه السباقات الماراثونية التي يستمر فيها التصويت يومين في كل مرة، ولا يُحسَم الأمر إلا بعد جولة إعادة، لهذا السبب فمن اليسير أن تعثر على مادة دعائية ثرية تفهم من خلالها طبيعة المؤثرات التي توجه الرأي العام المصري في اختياراته في المرحلة الحالية، وهو ما يحتاج دراسة أخرى مطولة.

بقايا النظام السابق كانت أكثر استخداما للدعاية السلبية في دعم مرشحها عندما شنت حملة دعائية مضادة وُظِّفت فيها طاقات إعلامية عريضة، وتجاوزت في كثير من الأحيان حد المعقول

أما الدعاية السلبية في الانتخابات البرلمانية المصرية التي جرت في الفترة من 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 إلى 21 يناير/كانون الثاني الماضي، فقد كانت حاضرة، إلا أن تأثيرها حينئذ كان ضعيفا، نظرا للقرب النسبي من أيام الثورة الأولى، والتوافق العام بين الأطراف الثورية، إسلامية وغير إسلامية، وتبعثر بقايا النظام السابق وذهولهم أمام التطورات الثورية المتلاحقة.

وبدا حينها أن أبرز صور الدعاية السلبية هو اتهام الإخوان المسلمين وعموم الإسلاميين بأنهم يسعون إلى السيطرة على المجلس النيابي، والانفراد بوضع الدستور، وتحديد مسار الدولة ومستقبلها بكامله، واستشهد مروجو هذه الدعاية بموقف الإسلاميين من الاستفتاء على الإعلان الدستوري، وإصرارهم على أن يكون إجراء الانتخابات قبل وضع الدستور فيما بدا لهم وضعا للعربة أمام الحصان.

وقد كان هذا كله هينًا إزاء ما جرى من تضخيم هائل للدعاية السلبية في الانتخابات الرئاسية المصرية, حتى أصبحت الدعاية السلبية هي الأصل عند أحد طرفي المنافسة، وتراجعت لديه الدعاية الإيجابية إلى مستوى أقل بكثير.

وأصل ذلك أن الناظر في المشهد الانتخابي المصري الذي تمخضت عنه الجولة الأولى، يجد أنه قد تمخض عن معركة أو ملحمة ضخمة يمثل طرفاها نفس طرفي التجاذب المصري قبل الثورة: النظام السابق، والإخوان المسلمون ممثلين للقوى الشعبية والثورية المناهضة لنظام مبارك بأطيافها المختلفة.

ومن المؤكد أن العوار الذي تحمله بقايا نظام مبارك هو أظهرُ وأوضحُ وأكثر بكثير مما يحمله المنافس، مهما قيل عنه، فمرشح البقايا –في حقيقة لا تقبل الجدل ولا المراء– جزء من النظام السابق، وقد شارك في صناعة الحقبة المباركية بسلبياتها المعروفة قليلا أو كثيرا، هذا غير ما يرميه به كثيرون من غير أنصار المرشح المنافس من تهم وصلت إلى القضاء للفصل فيها.

ومع هذه الصورة، فإن بقايا النظام السابق كانت أكثر استخداما للدعاية السلبية في دعم مرشحها، فقد شنت حملة دعائية مضادة وُظِّفت فيها طاقات إعلامية عريضة، وتجاوزت في كثير من الأحيان حد المعقول.

والغريب أن دولة قطر الشقيقة، التي ناصرت الثورة في أيامها العصيبة ولا تناصر الآن مرشح الإخوان ولا غيره، كان لها نصيب كبير من الإقحام في هذه الدعاية السلبية، كالقول إن الإخوان سيؤجرون قناة السويس لقطر، وإن الدوحة أرسلت إلى الإخوان ملياري دولار عن طريق تل أبيب لتقدَّم رشًا للناخبين، وأن رئيس المخابرات القطري حط في القاهرة لمساندة مرشح الإخوان!

وقل مثل ذلك عن اتهامات أخرى دفعت "بعض الناس" إلى موقف عكسي وغير مناصر للفريق شفيق، ولم تحقق الغرض منها، كاتهام الإخوان بقتل المتظاهرين في موقعة الجمل، وأنهم جزء من النظام السابق، وأنهم لم يكن لهم أي دور في الثورة!

استخدمت جماعة الإخوان المسلمين الدعاية السلبية أيضا مجاراة للحملة الشرسة التي شُنت عليها، إلا أن فرق الإمكانات بين الطرفين لا يخفى على ذي عينين

وقد طاردت هذه الدعاية السلبية الناخب المصري في الشارع تحذره من الطاعون القادم لاختطاف لقمة عيشه، فسائقو السيارات الأجرة مهددون بمشروع الإخوان للنقل الجماعي، وأصحاب الفِراشات مهددون بإلغاء الاحتفال بالمناسبات، والذين بنوا على الأرض الزراعية مهددون بالسجن وهدم ما بنوه، والنساء سيتقاعدن عن العمل إجباريا ويفرَض عليهن الحجاب.. إلخ.

لقد تخللت هذه الدعاية أوصال المجتمع المصري، ووصلت إلى أعمق أعماقه، وركزت –في قراءة نفسية دقيقة للشخصية المصرية– على لقمة العيش ووسائل الحياة الأساسية، ويبدو أنها قد أثرت تأثيرا كبيرا على حظوظ الدكتور محمد مرسي في الجولة الأولى، ومن المؤكد أنها أثرت عليه قليلا أو كثيرا في جولة الإعادة الحاسمة.

ولا ينفي هذا أن جماعة الإخوان وقعت في أخطاء، وأنها كذلك استخدمت الدعاية السلبية مجاراة للحملة الشرسة التي شُنت عليها، إلا أن فرق الإمكانات بين الطرفين لا يخفى على ذي عينين، كما أن عوامل طائفية واجتماعية ومرارة العهد السابق سيكون لها دور كبير في حسم المعركة لطرف دون آخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك