عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

 

المجلس العسكري

مسار مرتبك للمرحلة الانتقالية
الإسلاميون
القوى السياسية والحركات الاحتجاجية
ما المخرج؟

أوصلتنا الانتخابات الرئاسية في مصر إلى مرحلة الحصاد، حصاد ما زرعته القوى السياسية منذ بدء ثورة 25 يناير. لكن يظل التكتل الوطني الموسع العابر للانتماءات الأيديولوجية والسياسية هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الثورة وبدء مرحلة انتقالية جديدة تنتزع فيها المناصب والصلاحيات ويتم خلالها انتقال حقيقي للسلطة من المجلس العسكري إلى المؤسسات المنتخبة، وعملية بناء دولة المؤسسات الديمقراطية، وتنفيذ برامج العدالة الاجتماعية.

 

المجلس العسكري

ما نحن فيه حصاد لسياسات المجلس العسكري الذي كان بإمكانه رعاية عملية الانتقال الديمقراطي بشكل صحيح، غير أن المصالح الاقتصادية التي يدافع عنها المجلس، وربما الضغوط الخارجية الإقليمية والدولية، دفعته إلى أن يحول مساره من حماية الثورة وترك الشأن السياسي للقوى السياسية إلى التدخل السافر في مسار الثورة وحل أول برلمان منتخب ومنح حق الضبطية القضائية لأعضاء الشرطة العسكرية والمخابرات، ثم وضع إعلان دستوري مكمل يجرد الرئيس من أهم صلاحياته ويطلق يد المجلس العسكري في تشكيل الجمعية التأسيسية ووضع الدستور الجديد.

"
المجلس العسكري أفرغ الديمقراطية المصرية المنشودة من مضمونها قبل أن نصل إليها, فالديمقراطية في جوهرها تعني عدم وجود أي سلطة غير منتخبة فوق سلطة المؤسسات المنتخبة
"

وهو بهذا يفرغ الديمقراطية المصرية المنشودة من مضمونها قبل أن نصل إليها, فالديمقراطية في جوهرها تعني عدم وجود أي سلطة غير منتخبة فوق سلطة المؤسسات المنتخبة (البرلمان والرئيس).

 

ومن جهة أخرى يعرض سلوك المجلس العسكري المؤسسة العسكرية المصرية، وهي مؤسسة وطنية منذ نشأتها، إلى تسييس مفتوح لا يعلم إلا الله مداه، إذ أدخل المجلس العسكري مؤسسة الجيش بشكل مباشر في صراع سياسي مع القوى السياسية بالطريقة ذاتها التي لجأ لها الرئيس المخلوع عندما سيّس مؤسسة الأمن لينتهي الأمر بنهاية مأساوية لهذه المؤسسة يوم 25 يناير.

 

أخطار هذا التسييس المفتوح لمؤسسة الجيش ستكون أكبر، وستكون لهذا التسييس نتائج سلبية، محلية وإقليمية، قد تمتد لسنوات بل عقود. فهل هذا ما تحتاجه مصر والمنطقة الآن؟ وهل يدرك المجلس العسكري هذه المخاطر؟

 

والأهم حصاد عام ونصف العام من المواقف الانفرادية للمجلس العسكري، ومن تشويه الثورة والثوار ومن الانفلات الأمني المتعمد ومن التباطؤ الشديد غير المبرر في تطهير مؤسسات الدولة.

 

مسار مرتبك للمرحلة الانتقالية

وما نحن فيه حصاد أيضا لمسار مرتبك للمرحلة الانتقالية، مسار مليء بالثغرات والعيوب، فلم تشهد دولة واحدة من الدول التي مرت بعملية تحول ديمقراطي ناجح اللجوء إلى الصناديق قبل إحداث توافق وطني موسع حول الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات.

موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية كان مبكرا واستبق إجراء التوافق الوطني، فكانت نتيجته استقطابا سياسيا وأيديولوجيا لا نزال نعاني منه إلى اليوم. أما الانتخابات البرلمانية والرئاسية فكان من الممكن عقدها في أي وقت طالما وضعت الأطر الدستورية والقانونية لها بتوافق وطني موسع وليس بالطريقة التي انفرد بها المجلس العسكري.

 

هذه الأطر الدستورية والقانونية لا بد أن تحترم مبدأ حكم القانون، أي وضع هذه الأطر بشكل سابق وعدم تغييرها بعد بدء الترشح، والمساواة أمام القانون وعدم التمييز بين المتنافسين، والشفافية والتوافق والرجوع إلى أهل الاختصاص، والتحقق من رضا غالبية القوى السياسية وفئات المجتمع عبر آليات مشاركة فعالة. بجانب وجود ضمانات لاستقلال القضاء، ولحريات الاجتماع والتعبير عن الرأي وعقد المؤتمرات الانتخابية، وضمانات لاحترام مبدأ التنافسية (تعدد المتنافسين وتعدد البرامج)، والأهم هنا هو احتواء هذه الأطر على ما يضمن عدم انحسار الانتخابات في استقطابات أيديولوجية أو دينية أو قبلية.

 

التسرع في الذهاب للصناديق و"سلق" هذه الأطر الدستورية والقانونية، بوعي أو بلا وعي، نتيجته ما نحن فيه الآن، وهذا أمر حذرنا منه مراراً لأنه متكرر في الدول التي تعثرت فيها الديمقراطية كروسيا وأوكرانيا والعراق ودول أفريقية أخرى.

إن معظم هذه المعايير لم تتحقق في انتخابات البرلمان والرئاسة، نظراً لانفراد المجلس العسكري بوضع الأطر الدستورية والقانونية بثغرات استخدمت في حل المؤسسة الوحيدة المنتخبة بغطاء من المحكمة الدستورية، التي هي جزء من منظومة قضائية تحتاج إلى الكثير من الإصلاحات حتى يمكن اعتبار القضاء مستقلاً، ولا بد من القيام بها قبل الانتخابات، كما تم تغيير هذه الأطر أكثر من مرة، وتجاوزت اللجنة المشرفة اختصاصاتها وتجاهلت قانون العزل، ولم تتضمن هذه الأطر آليات حقيقية لإبعاد القوى السياسية عن الاستقطابات الدينية والأيديولوجية.

 

الإسلاميون

وما نحن فيه حصاد أيضاً لمواقف جماعة الإخوان التي أساءت تقدير الكثير من الأمور، بدءا من الابتعاد عن الكثير من التوافقات الوطنية التي نادت بها الغالبية العظمى من القوى السياسية، والتقليل من شأن الحالة الثورية على الأرض، وتصور الجماعة أن البرلمان بمفرده كاف لتحقيق بقية أهداف الثورة، ظنا منها أن مواقفها هي الصواب على طول الخط وأن مواقف الآخرين مشكوك فيها دوما، واعتقادا منها أنه بمقدورها بمفردها استكمال مسار الثورة وتحقيق ما تريده عبر الحصول على الأغلبية الإسلامية بالبرلمان أو بحجة عدم وجود قوى وطنية يعتمد عليها. بجانب التباطؤ في تشكيل الجمعية التأسيسية حتى وصلنا إلى احتمال أن يقوم المجلس العسكري بتشكيلها والتدخل في وضع الدستور.

 

"
لو حصل الإخوان على كل المناصب بمفردهم ستقف أجهزة الدولة في الغالب ضدهم، كما لن تغفر معظم القوى السياسية لهم وعدهم بعدم السيطرة ولن يستطيعوا تنفيذ مشروعهم
"

في واقع الأمر الحصول على كل المناصب الرسمية لا يضمن آليا ممارسة السلطة الفعلية، فلو حصل الإخوان على كل المناصب بمفردهم ففي الغالب ستقف أجهزة الدولة ضدهم، كما لن تغفر معظم القوى السياسية لهم وعدهم بعدم السيطرة ولن يستطيعوا تنفيذ مشروعهم. وكم من رئيس منتخب في الديمقراطيات الوليدة لا يمارس صلاحياته بحرية بسبب ضعف المؤسسات أو نفوذ الجيش أو معارضة خصومه.

 

كما أشير هنا إلى أن تصور الإخوان أنفسهم بأنهم سينفذون ما يريدون بمجرد حصولهم على الأغلبية البرلمانية لم يكن صحيحا، لأسباب عدة أهمها أننا في مرحلة التأسيس للنظام الديمقراطي ولم نصل بعد لمرحلة التنافس الحر، وهذه المرحلة لا تحتمل أبدا تصدي فصيل واحد لكل الملفات.

هذه سنة كونية قد يتحدث البعض عنها لكن عند التنفيذ لا يلتزم بها. ولهذا كان من الأفضل عدم منافسة الإخوان على الرئاسة وكان من الأفضل أن يشارك الإخوان في جبهة وطنية تقوم على أساس مشاركة الجميع في تحمل المسؤولية ومعالجة كافة الملفات ذات الأولوية من خلال رئيس توافقي من خارج الجماعة وحكومة وحدة وطنية موسعة.

 

وما نحن فيه حصاد لتصور بعض المشايخ والنشطاء الإسلاميين، بالبرلمان وخارجه، أن مهمتهم الأساسية بعد انتخابات البرلمان هي "تحكيم شرع الله" ووضع دستور يضمن هذا بدلا من التركيز على مشكلات المصريين اليومية وأولويات المرحلة الانتقالية التي لا تحتمل أبدا تصدير قضايا الهوية والشريعة في مجتمع يعيش نصف سكانه تحت خط الفقر وترتفع فيه معدلات البطالة.

 

هذا الخطاب أخاف جميع القوى الأخرى وأخاف الإخوة الأقباط، والأخطر أن قيادات الأحزاب الإسلامية الرئيسية لم تبذل جهدا كبيرا في التصدي لهذا الخطاب وفي الاصطفاف بشكل مباشر وواضح وصريح مع قضايا الوطن الجامعة ومشكلات المجتمع وأولوياته، فكانت النتيجة أن تم تعميم سقطات البعض على التيار بأكمله، وقد انعكس هذا على تراجع الأصوات التي ذهبت لمرشحي الرئاسة المحسوبين على التيار الإسلامي.

 

القوى السياسية والحركات الاحتجاجية

وما نحن فيه حصاد أيضا لمواقف قوى مدنية اعتبرت أن معركتها الأساسية هي مع الإسلاميين وليس بناء دولة المؤسسات الديمقراطية التي لا تعادي الإسلام ولا الإسلاميين، وحصاد تصوراتهم الخاطئة بأن هناك مؤامرات كبرى بين الإسلاميين والمجلس العسكري، بل بين الإسلاميين والغرب على إجهاض الثورة.

كانت النتيجة هي انشغال هذه القوى بهذه الأمور بدلا من العمل في الشارع وبناء أحزاب حقيقية تنافس الإسلاميين في الانتخابات، بجانب تفضيل بعض هذه القوى العمل مع المجلس العسكري خوفا من الإسلاميين لتقترب الحالة المصرية من الحالة الباكستانية، وعلى اعتبار أن ضرر العسكري أقل ضررا من دولة دينية!

 

وحصاد تفرق القوى الاحتجاجية والشبابية وفشلهم في بلورة قيادة قوية للثورة وفي وضع رؤية محددة لاستكمال مرحلة هدم بقية النظام البائد والشروع في بناء نظام ديمقراطي بديل وذلك بعد أن تم هدم رأس النظام القديم.

 

كما ظنت قوى ثورية أخرى أن النضال في الفضائيات وفيسبوك يكفي لاستكمال الثورة، هذا ناهيك عن هجوم البعض غير المبرر على كل ما هو إسلامي. نسي هؤلاء جميعا أن نجاحنا في المرحلة الأولى للثورة كان لسبب واحد هو تخلينا عن اختلافاتنا الأيديولوجية واشتراكنا جميعا في هدف وطني واحد.

 

في واقع الأمر لم تستوعب معظم القوى السياسية الأخرى الواقع جيدا ولم تدرك أن نضال الفضائيات وفيسبوك ليس بديلا عن النزول للشارع والالتحام بقضايا الناس وبناء تحالفات على الأرض وتوعية الناس بمطالب الثورة وأهمية الثورة لتحسين أوضاعهم.

كما لم تدرك هذه القوى خطورة خوض الانتخابات بأكثر من مرشح، وظنوا أن الاحتكام إلى الناخبين سيحل لهم خلافاتهم. وهذا هو الخطأ نفسه الذي ارتكب عندما فرض علينا الاستفتاء مبكرا قبل التوافق الحقيقي على المسار، فكانت النتيجة أن الاحتكام إلى الناخبين أدى إلى تصدير خلافات النخب إلى الشارع وتعميقها. وهذا أمر نعاني منه حتى اليوم. لكن لا يجب لوم الناخبين وإنما النخب والقوى التي اختارت دوما المسار الخطأ دون تدبر في سنن الكون المتكررة في حالات الانتقال الأخرى.

 

ما المخرج؟

الفرصة الأخيرة الآن هي في تضامن وتشارك القوى السياسية جميعا وعلى رأسهم الإخوان. ويبدأ هذا بتنفيذ الإخوان لتعهداتهم وقبولهم التشارك في السلطة بتوقيع اتفاق مكتوب يتضمن تشكيل فريق رئاسي من د. محمد مرسي، في حالة إعلان فوزه بالرئاسة، ونائبين بصلاحيات محددة واختيار شخصية وطنية غير إخوانية لمنصب رئيس الوزراء، والتوافق على حكومة وحدة وطنية موسعة تحكم البلاد لأربع سنوات قادمة وتقود عملية تفاوض مع المجلس العسكري لاستكمال مسار الانتقال الديمقراطي ومعالجة مسألة العلاقات المدنية العسكرية بما يحقق بناء دولة المؤسسات الديمقراطية المنتخبة التي لا يعلوها أي مؤسسة أخرى غير منتخبة –عسكرية كانت أو دينية- من جهة، وبما يحافظ على المؤسسة العسكرية من حيث جاهزيتها وميزانياتها لكن دون أن تتدخل في الشأن السياسي من جهة أخرى.

 

"
الفرصة الأخيرة الآن هي في تضامن وتشارك القوى السياسية جميعا وعلى رأسهم الإخوان. ويبدأ هذا بتنفيذ الإخوان لتعهداتهم بتوقيع اتفاق مكتوب
"

بجانب اتخاذ موقف موحد من موضوع الجمعية التأسيسية -في حالة حل الجمعية الحالية- بالتوافق على معايير لتمثيل أوسع في الجمعية وعلى مضامين الدستور القادم بما يحقق المعايير المتفق عليها للدساتير الديمقراطية، وعلى الأخص الحفاظ على وضع الجيش كما كان في دستور 1971. وعلى أن يتم أيضا الاتفاق على الخطوط الرئيسية لبرنامج الحكومة الذي يعالج أولويات الأمن والاقتصاد والمطالب الاجتماعية والعلاقات المدنية العسكرية والملفات الخارجية الملحة. هذا فضلا عن انفصال الدكتور مرسي كلية عن الجماعة والحزب ليتحول إلى رئيس لكل المصريين.

 

مثل هذا الاتفاق على المشاركة الوطنية في السلطة لابد أن يكون مكتوبا وبه تعهدات نهائية من كل الأطراف، ويتم إعلانه للرأي العام، فهذا سيساعد على طمأنة جميع الأطراف ويعيد الثقة المفقودة بينهم، وهذا أمر شائع في حالات الانتقال الديمقراطي وحدث بإسبانيا وفنزويلا والتشيلي ودول أخرى بأميركا اللاتينية وأفريقيا. وبأدبيات النظم السياسية الكثير من الأمثلة والوثائق التي صارت وثائق تاريخية.

 

كما يجب أن يكون لهذه الجبهة الوطنية الموسعة مواقف موحدة في حالة التلاعب بنتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وإثارة هذه القضية محليا ودوليا، والتصدي لها بمظاهرات واعتصامات في كل الميادين. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك