عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

توصيفات ومواقف
المفهوم والمركبات
توصيف الوضع

تواترت في الآونة الأخيرة تصريحات بعض كبار المسؤولين الغربيين حول توصيف ما يجري في سوريا باعتباره حربا أهلية، حيث تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن تعرّض سوريا لحرب أهلية بمساعدة الأسلحة الروسية ودعم موسكو للنظام السوري، وكذلك ذهب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة لشؤون عمليات حفظ السلام هيرفيه لادسو إلى القول إن سوريا باتت في حرب أهلية.

وسبق للمبعوث المشترك الدولي والعربي كوفي أنان أن حذر من أن خطته هي الفرصة الأخيرة لتفادي حرب أهلية، قد تؤثر على المنطقة بأكملها، حسب قوله.

توصيفات ومواقف
وفي سياق الخوض في المسألة السورية، تفتقت أذهان بعض المحللين والمعلقين والسياسيين في إطلاق أوصاف متسرعة على الوضع في سوريا من "اللبّننة" إلى "العرّقنة" إلى "الليّبنة" إلى "البلّقنة"، وصولاً إلى "السوّرنة". وجميعها يُضمر مسميات لاحتراب أهلي طائفي، وتدمير وتفتيت وتقسيم الدولة والعباد، وقيست على أشكال مختلفة من الحروب والنزاعات الطائفية والعرقية، باختلاف المواقع والأزمنة، كما حصل في لبنان والعراق والبلقان وسواها.

وينطلق أصحاب هذه المسميات من منطق المقايسة والإحالة والإرجاع، الذي يحكمه عقل ميتافيزيقي، متعال ومتعجرف، لا يعترف بالواقع والمعطيات والظروف، ويساوي بين جميع الأطراف في المسؤولية، وما ينجم عن ذلك من تشويش وعدم التمييز بين ممارساتها ومواقعها.

النظام السوري يرفض مقولة الحرب الأهلية لأنها تفنّد نظرية المؤامرة, بالمقابل ترفض قوى المعارضة السياسية السورية توصيف الوضع في سوريا بالحرب الأهلية كذلك لأنه لا يعبر عن الثورة

ويدفع الحديث المتزايد عن حرب أهلية في سوريا إلى فحص مفهوم ومركبات الحرب الأهلية في الفقه القانوني الدولي، وفي المواثيق والأعراف الدولية، ومعرفة الدوافع والحيثيات التي جعلت قوى دولية تدفع باتجاه مزايد نحو الأخذ بها لتوصيف الوضع السوري، أو التحذير من وقوعها ومن عواقبها وإرهاصاتها على سوريا والمنطقة.

والأهم هو معرفة مدى تطابق الوضع في سوريا مع توصيف الحرب الأهلية، خصوصاً وأن قوى عديدة في العالم ما زالت تتردد في الأخذ بمقولة الحرب الأهلية، من منطلق رفضها المساواة في الأرضية الأخلاقية والإنسانية للصراع ما بين النظام وبين المعارضة وجمهور المحتجين.

كما أن النظام السوري يرفض مقولة الحرب الأهلية، لأنها تفنّد نظرية المؤامرة ونهج الإنكار الذي اتبعه منذ بداية الثورة السورية، حيث أنكر –وما زال- وجود أزمة وطنية كبرى في البلد، وأنكر حتى وجود معارضة ومحتجين سلميين لهم مطالب مشروعة، واعتبرهم مجموعات مسلحة وإرهابية تريد النيل منه، وتنفذ مخططات مؤامرة أجنبية.

بالمقابل، ترفض قوى المعارضة السياسية السورية توصيف الوضع في سوريا بالحرب الأهلية، لأنه لا يعبر عن صورة الأحداث الجارية، ولا عن ثورة الشعب السوري السلمية، فضلاً عن أنه يساوي بين الضحية والجلاد، ويتجاهل أعمال القتل والمجازر، ويطمس مطالب الشعب السوري المشروعة بالحرية والكرامة وبالتغيير نحو الأفضل.

أما الأطراف الدولية الداعمة للنظام، وخاصة روسيا وإيران والصين، فلا ترى في الثورة، التي انطلقت منذ الخامس عشر من مارس/آذار 2011، سوى هجوم لقوى إرهابية، متطرفة وجهادية، على النظام العلماني في دمشق، وتأخذ بنظرية المؤامرة الأجنبية التي اختلقها النظام لتبرير الحل الأمني والعسكري الذي سار فيه منذ اليوم الأول، بوصفه السبيل الوحيد لقمع الحراك الاحتجاجي.

ولا يخفي المسؤولون الروس دعمهم للنظام وممارساته، بل يتمادون في تكرار حديثهم الممجوج عن المؤامرة، التي حاكتها القوى الغربية، وتنفذها جموع المحتجين السوريين والأطراف المسلحة، ويرفضون الضغوط الغربية على النظام، بحجة أنها تدوّل الأزمة السورية، وتحولها إلى صراع على سوريا، وكأنهم لا يتدخلون مطلقا في الشأن السوري، ولا يشكل دعمهم المتعدد الأشكال وإسنادهم للنظام تدخلاً خارجياً. والأدهى من ذك أنهم يقولون على الدوام إن مشاكل سوريا يحلها السوريون، وهو قول مخاتل، وحق يريدون به باطلاً، فضلاً عن كونه كلاما أخرق حين يصدر عن ساسة روسيا الاتحادية ومن يدور في فلك ترهاتهم.

المفهوم والمركبات
لا شك أن فرادة الحالة السورية، وطول أمد الأزمة وتداخلاتها الإقليمية والدولية، جعلها موضع نقاش وسجال واختلاف حول دقة التوصيف لما يجري منذ أكثر من خمسة عشر شهراً، لكن ذلك لا يحجب حقيقة أن الحراك الاحتجاجي بدأ سلمياً، وتركز حول مطالب الحرية والكرامة، إلا أن العنف الذي مارسه النظام جعل الحراك الثوري يمرّ بأطوار عديدة، خاصة بعد الانشقاقات والتسلح.

وما زال الطابع العام سلمياً لمختلف المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها مختلف المدن والمناطق السورية. وعلى الرغم من أعمال العنف والمجازر والتمادي في الحل الأمني، وما يسببه نهج الحسم العسكري، فإن توصيف الوضع بأنه حرب أهلية لا يعكس حقيقته، ذلك أن تعريف الحرب الأهلية يشي بوجود صراع مسلح بين مجموعتين منظمتين في دولة واحدة، هدفه السيطرة على هذه الدولة أو على جزء من أراضيها للانفصال عنها.
تضع مختلف التعاريف القانونية والسياسية الحرب الأهلية في خانة النزاعات المسلحة غير الدولية، الأمر الذي يكسب المفهوم صفة الاتساع والعمومية والشمول

وقد بني هذا المفهوم تاريخياً، في العالم الحديث، في نطاق النزاعات المسلحة غير الدولية. وهو مفهوم سائب، غير صلب، وغير مقيد، يتداخل مع سواه من النزاعات الداخلية، ولا يوجد توافق في المواثيق والقوانين الدولية بشأن مركباته أو معناه الدقيق.

وهناك من فقهاء القانون الدولي من يعتبر الحرب الأهلية حرب ساحات مفتوحة، وحرب الأحياء والشوارع والسجون، يتقاتل فيها الجار مع الجار، والصديق مع الصديق، والخصم مع الخصم، أو حسبما قال الفيلسوف توماس هوبز حرب الكلّ ضد الكل. كما يعتبر بعض فقهاء القانون الدولي أن الحرب الأهلية تندلع داخل الوطن الواحد بين طرفين مستقلين، بوصفهما عدوين، يسعى كل منهما للانتقام من الآخر وتصفيته، ولا يعترف أحدهما بالآخر أو بحكم مشترك بينهما.

وتضع مختلف التعاريف القانونية والسياسية الحرب الأهلية في خانة النزاعات المسلحة غير الدولية، مركزة على نطاق النزاع المسلح، وعلى وصف الأطراف المتنازعة، الأمر الذي يكسب المفهوم صفة الاتساع والعمومية والشمول. أما وثائق القانون الدولي، فلم تتطرق إلى مفهوم الحرب الأهلية، بل ركزت على النزاعات المسلحة الدولية بشكل عام.

توصيف الوضع
لا يستطيع أحد أن يزعم بوجود معايير محددة بذاتها لوصف وضع ثوري أو مأزوم في بلد من البلدان بالحرب الأهلية، نظراً لاختلاف مركباتها من وضع إلى آخر، وإن كان ثمة مشتركات ومؤشرات عليها، تتمحور في اقتتال أهلي واسع، تشترك فيه مكونات المجتمع الواحد، وداخل الوطن الواحد. وهو أمر لم يحصل في تاريخ سوريا، وليس حاصلاً في حاضرها. ذلك أن ما يجري منذ أكثر من خمسة عشر شهراً هو حراك احتجاجي، له مكوناته ومركباته، الأهلية والمدنية، السلمية. وهي أساس الحراك الثوري. وله كذلك مكونه العسكري، الذي نشأ في سياق الانشقاقات الحاصلة والدفاع عن النفس.

ولا يمكن وصم حراك ثوري مجتمعي بالاقتتال الأهلي، لأن طابعه يخص عموم الناس، من سائر المتضررين من ظلم النظام، ويجمع قطاعات واسعة من الناس، من مختلف المشارب والفئات والانتماءات، من شباب وشيوخ، ونساء ورجال، محركهم الأساس الخلاص من الاستبداد ورفع الظلم، ويقوي عزيمتهم الاعتقاد الراسخ بالسعي لتحقيق المطالب والآمال بالحرية والكرامة.

ويتلخص الوضع السوري في أن ما حدث منذ 15/3/2011، وما يزال، هو احتجاج ورفض شعبي واسع، قادته جماعات الشباب على سياسات ونهج النظام، وعلى الأزمات السياسية والاجتماعية العميقة، وعلى التمييز والتهميش والبطالة المقيمة، وعلى الإمعان في الإقصاء، والإيغال في مرتع الأزمات والخيبات. لكن قوى النظام وأجهزته لم تقدم حلاً سوى القتل والعزل والتفرقة والتمييز والفصل والتهميش، ومع ذلك بقي الحراك الاحتجاجي -رغم القمع الهائل وأعمال القتل- شديد الطهارة والسلمية إلى حدود غير مألوفة في الحركات الشعبية الثورية، التي عرفها عصرنا الراهن.

وتنبع قوة الحراك الاحتجاجي السوري من الطابع المجتمعي لحراك ناسه، ولعل شموله وعمقه أكسبه واحدة من أهم سماته، التي جعلته قادراً على الاستمرار طوال أكثر من خمسة عشر شهراً خلت.

ونظراً للامتداد الأفقي للحراك منذ الأشهر الأولى، فقد كرّس الالتفاف الشعبي حول مطالبه تعاضد فئات اجتماعية وسطى وفقيرة واسعة، أجمعت بواسطة الدم والتضحيات على لحمة خيوط النسيج الوطني الحديث، وعلى وحدة السوريين، بمختلف مدنهم وبلداتهم وقراهم، وبمختلف أطيافهم الدينية والمذهبية والإثنية، جسدها شعار "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد"، بل إن شعار "بالروح بالدم نفديك يا درعا"، أعلن امتداد التعاضد والتكاتف إلى مختلف المناطق، حيث تناوبت وتتالت فيه أسماء المحافظات والمدن والبلدات والقرى السورية، من جنوب البلاد إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها.

على الرغم من محاولات الشحن "الأقلّي"، فإن جموعاً هامة من السوريين لم ترتد أو تنكص إلى انتماءاتها الضيقة، بل تبنّت انتماءات إنسانية واسعة من دون القفز على انتمائها الوطني أو تجاوزه

وعلى الرغم من محاولات الشحن "الأقلّي"، والسعي إلى تفتيت النسيج المجتمعي، والعمل على تقوية مختلف الانتماءات ما قبل المدنية، من مناطقية وعشائرية وطائفية ومذهبية، التي فعلت فعلها على مدى عقود عديدة من الزمن، وأنتجت وعياً أيديولوجياً زائفاً، بل مقلوباً وعصابياً، وسلوكاً "أقلّياً" لدى البعض، فإن جموعاً هامة من السوريين لم ترتد أو تنكص إلى انتماءاتها الضيقة، بل تبنّت انتماءات إنسانية واسعة، من دون القفز على انتمائها الوطني أو تجاوزه، ولم ترتهن في غالبيتها إلى نزعات جهوية أو فئوية أو أنانية وذاتية.

ولا يخفي ذلك وجود ارتكاس في بعض الحالات إلى مختلف الانتماءات ما قبل المدنية، بسبب غياب المواطنة، إلى جانب ممارسات وسياسات التمييز، والاضطهاد والقمع والتهميش، من طرف سلطة حاكمة، عاملت الناس على أساس كونهم رعايا لها، وليسوا مواطنين في دولة، لهم حقوقهم وعليهم واجبات، يضمنها دستور البلاد وقوانينها.

وقد برهن الحراك الثوري على أنه مهما تغوّلت قوى النظام في القمع والقتل، فإنه قادر على تقديم مثال للتضحية بكل ما لديه، كي يحقق طموحاته التي يسعى إليها في العيش بكرامة وبدون خوف، وأن يحقق مواطنته، بما تقتضيه من حقوق وواجبات، والأهم هو أن لا يتوقف الشعب عن امتلاك مختلف سبل المقاومة المدنية والتصميم على تحقيق أهدافه ومطالبه. كما برهن على وحدة غالبية قطاعات المجتمع، وعلى أهمية إعادة مأسسة الوطنية السورية حول الحرية والكرامة، وتاريخية العيش المشترك، ووحدة أبناء الوطن، بوصفها صمام الأمان، الذي أفشل كل مساعي إشعال فتيل الاقتتال الأهلي، المذهبي أو الطائفي، على الرغم من التوتر والاحتقان في أكثر من موضع، وحدوث بعض التجاوزات الفردية والمحدودة، التي لاقت استنكار قوى المجتمع الأهلي والمدني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك