زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

 

من الأمور البديهية المعروفة في كافة مجالات النشاط الإنساني الجماعي، تقويمُ المرء أو الجماعة لأدائها منذ انطلاق نشاطها، هذا إن كانت مهتمة بالمحافظة على نفسها. ففي مجال الرياضة، ولنأخذ لعبة كرة السلة أو كرة القدم، نجد أن الفرق تأخذ دومًا استراحة قصيرة ليس فقط لاستعادة أنفاس اللاعبين وإنما أيضا لمراجعة أدائها وخططها. هذا يبدو واضحا تمامًا في كرة السلة حيث يتم الأمر أمام الجمهور وفي أرض الملعب.

في كرة القدم، يتجلى الأمر عبر استبدال المدرب لاعبا أو أكثر بآخرين، وما يجري في قاعة الاستراحة البعيدة من أعين الجماهير أكثر بكثير من استراحة جسدية حيث يسجل المدرب ملاحظاته على مسار لعب فريقه والفريق الخصم، ووضع مسارات جديدة لأداء فريقه، إن اقتضى الأمر.

ثمة تقليد في الغرب، يمنح الشخص أو الحزب المنتخب فرصة مائة يوم لتقويم أدائه ومقارنة أقواله إبان الحملة الانتخابية بأفعاله، وغالبًا ما يقوم التقويم على أسس غير ثابتة وربما ثانوية

في السياسة، ثمة تقليد في الغرب، تجمع عليه الجهات المتخصصة في المؤسسة الحاكمة، تمنح الشخص أو الحزب المنتخب فرصة مائة يوم لتقويم أدائه ومقارنة أقواله إبان الحملة الانتخابية بأفعاله، وغالبًا ما يقوم التقويم على أسس غير ثابتة وربما ثانوية.

فعلى سبيل المثال، ما كاد الرئيس الفرنسي الجديد هولاند يُنتخب حتى بدأت الصحافة، المعادية له، بإثارة كل ما يمكن أن يحرجه، تمامًا كما فعلت مع زوج الرئيس السابق ساركوزي، عندما أثارت مسألة كلماتها التحببية المرتبطة بالأفيون (القادم من أفغانستان)، والآن جاء دور الرئيس هولاند وما يقال عن "ثرثرة" زوجه على "تويتر". لكن النقد و"المحاكمات" هذه تبقى ضمن قواعد اللعبة في النظام النيابي، المسمى "الديمقراطي"، مع أنني لم أجد إلى الآن أي شرح موحد لمعنى المصطلح.

أما عندنا فنرى أن كثيرا من العاملين في الشأنين السياسي والوطني يتبعون مقولة: من السهل الوصول إلى الحكمة بعد وقوع الكارثة.

المشكلة الأولى التي تواجهني في هذا الاستعراض، لما مررنا به منذ اندلاع الحراك الشعبي في تونس، هي تعريف الهدف. فقد قيل الكثير عن الحرية والديمقراطية وما إلى ذلك من الشعارات الفضفاضة (تخطف البصر وتعمي البصيرة) التي تعني الكثير وفي الوقت نفسه لا تعني شيئًا ملموسًا.

كتبتُ من قبل في مفهومي "الفلسفي" لمعنى الحرية، وعن مخاطر استنساخ شعارات مقولبة وأخطار وضع "العلاجات الجاهزة" المبسطة، الشعبوية الطابع والجوهر، لمواجهة مشاكل على جانب كبير من التعقيد، في مجتمعات محملة بثقل قرون من الضياع والانفصال عن مسار التاريخ البشري الذي بدأت أوروبا، والغرب عمومًا، برسم خطوطه العامة، بل حتى تفاصيله.

حذرنا من قبل من أخطار زرع أوهام بوجود حلول جاهزة ثبُتَ نجاحها في بلاد أخرى، وما علينا إلا نقلها، مع بعض "التعريب".

ولم نكن يومًا من دعاة أغلبية في مواجهة أقلية، ولا نريد انتخابات تستبدل طاغية "منتخبا" بطاغية جاء بطريق غير صندوق الاقتراع.

كل هذا كتبناه هنا، وأشرنا إلى المخاطر، ليس فقط التي تواجهنا إن لم نتوقف عند كل محطة وعند كل منعطف، لنراجع الأداء، ونرى الهاوية التي سنسقط فيها إن لم نتمعن في كل ما نقوله ونفعله.

الآن، وبعد مرور كل هذا الوقت واتضاح الصورة تلو الأخرى، تبدو صورتنا المستقبلية أكثر قتامة في المستقبل المنظور، لأنني على قناعة بأن انتقالنا إلى مجتمعات عصرية لن يتم من خلال حركة تستمر شهرا أو شهرين، وإنما هي في حاجة إلى عقد أو عقدين.

هذه قناعاتي، ونحن لسنا في حالة جمود، والعالم يتغير، وما سيكون عليه بعد عقدين سيكون مختلفًا عما هو عليه الآن، وليته يكون أفضل، للشعوب والفقراء والضعفاء والمظلومين.

بعد مرور ما يزيد عن ثمانية عشر شهرًا على اندلاع الاحتجاجات، والانتفاضات والثورات والتمردات، لم نعثر على مراجعة للأداء في الفترة الماضية

بعد مرور ما يزيد عن ثمانية عشر شهرًا على اندلاع الاحتجاجات, والانتفاضات, والثورات, والتمردات، نرى من الضروري لفت الانتباه إلى مجموعة من الأمور لم نعثر على أثر لها في الأدبيات ذات العلاقة. فرغم كل ما حدث في كثير من بلادنا، بلاد العرب، لم نعثر على مراجعة للأداء في الفترة الماضية.

ما أعنيه هنا، أن القوى ذات العلاقة، المباشرة وغير المباشرة، المساهمة فيها بشكل مباشر وعلى نحو غير مباشر، وتلك التي تمارس دور المتفرج لكنها تدعي المشاركة، في مختلف الحراكات في بلادنا، ولا أعني طرفا محددًا، وإن في الوقت نفسه لا أستثنى أحدًا (فقط لأن الاستثناء يؤكد القاعدة)، لم تتوقف لمراجعة مواقفها وبرامجها وتحلل تطور الأحداث في مختلف البلاد ومكامن الخطأ والصواب. هذه القوى جميعها (مرة أخرى الاستثناء يؤكد القاعدة) تبدو منفصلة تمامًا عن الواقع.

لكن هناك من "تعلم" من الواقع المرئي على نحو عجيب نستقيه من مثال لا يخلو من الطرافة، نستحضره فقط كي نخفف من وقع الأحداث في جروحنا.

تقول الطرفة: كان ثمة عالم يجري تجارب على ذبابة وضعها في كأس على طاولة. صرخ بأعلى صوته "طيري" وفي الوقت نفسه طرق الطاولة بقبضة يده. طارت الذبابة، فسجل ملاحظته العلمية: إذا أمرت الذبابة بالطيران فإنها تطير. ثم أحضر ذبابة أخرى وقص جناحيها ووضعها في الكأس وكرر صرخته وضربة قبضته على الطاولة، فلم تطر الذبابة. "العالِم" الكبير سجل ملاحظته العلمية: إذا قصصتَ جناحي الذبابة فإنها تفقد حاسة السمع!!

مع قناعتي الذاتية بأن الوقت قد فات، لكن وجب عدم فقدان الأمل. المطلوب من القوى الفاعلة الكثير الكثير، كي نختصر "درب الآلام" ولا ننتهي إلى كانتونات مذهبية متصارعة، ويكون حضورنا الحضاري العظيم في التاريخ البشري الذي دام ألف ألف قرن، "غلطة مطبعية" لا أكثر، وأن صعودنا ذاك قد تم بمعزل عن التاريخ وفي غفلة منه.

لنوضح أكثر ما نقصد فنقول:
- لننظر في الشعارات التي طرحت منذ بدء الحراكات ونقارنها بما نقوله الآن.
- لننظر في شروطنا التي وضعناها وأقسمنا بكل ما هو غال ونفيس على عدم التخلي عنها مهما كانت الأثمان، ولنرى ما نصرح به الآن.
- لننظر في الصور البراقة التي رسمناها لمستقبلنا القريب جدًا، ونقارنها بما نحن عليه.
- لننظر في تقويماتنا الأولى لأوضاعنا وقوانا وقوى خصمنا (الذي جعلنا منه عدوًا في بعض الأحيان)، ونقارنها بما صرنا إليه.
- لننظر في تشخيصنا لأسباب أزماتنا في البداية والعلاجات التي طرحت للتخلص منها، ولنقارنها بما نحن فيه من أحوال.
- لننظر في التعهدات التي قطعناها على أنفسنا، ولنقارنها بالوعيد الذي ينتظر كثيرا من أوطاننا.
- لنكن صادقين مع أنفسنا لأن المسألة ليست مرتبطة بشخص وإنما بأوطان ومستقبل أمة، إما أن تتمكن من حجز مكان لنفسها في عالم تتقاذفه أمواج الطامعين، وإما أن تستحيل سطرا فقط في سفر تاريخ البشرية.

المطلوب من القوى المنخرطة في الصراعات العبثية وغير العبثية ليس التذاكي على النفس واستغباء الغير، وإنما مراجعة الذات والتخلص من حالة الإنكار

لنكن واقعيين ولنعترف بأن السبب الرئيسي لما وصلنا إليه من أحوال هو خطأ في الحسابات.
- كل منا أخطأ في حساب مدى قوته وقوة الطرف أو الأطراف الأخرى.
- كل منا أخطأ في حساب مدى تصميم الطرف الآخر على السير في الطريق الذي اختطه.
- كل منا أخطأ في حساب مدى دخول العوامل المحلية والإقليمية والدولية في الصراعات في بلادنا وعليها.
- الكل أخطأ في فهم عمق الأزمات التي تعصف بأوطاننا ومجتمعاتنا.
- الكل أخطأ في فهم طبيعة شعوب أمتنا ومطالبها الحقيقية وطبيعة ردود فعلها على أفعال الطرف الآخر.
- الكل أخطأ في كل شيء فاتبع كل ما وجب تجنبه وتجنب كل ما وجب عمله.
والقائمة تطول.

المطلوب من القوى المشاركة في هذه الحراكات (أو سمها ما شئت) وقفة صادقة مع النفس، مع أن مسار بعض أزماتنا الوطنية، بل أكاد أقول الوجودية، لم يعد بأيدينا.

المطلوب من القوى المنخرطة في الصراعات العبثية وغير العبثية ليس التذاكي على النفس واستغباء الغير، وإنما مراجعة الذات والتخلص من حالة الإنكار، والاعتراف الصادق، غير المشروط، بما ارتكبته من أغلاط قاتلة، تمهيدًا لاستخلاص الدروس والعبر، وتقديم المصلحة الوطنية والقومية على كل اعتبار.

عندما قلنا من قبل: "لا شرعية لثورة فلسطينُ ليست شعارَها"، لم يكن القصد وضع قضيتنا الوطنية/القومية في مواجهة طموحات شعوب أمتنا وتطلعاتها وحقوقها في مستقبل أفضل، وإنما الإشارة إلى البوصلة حتى لا نفقد الاتجاه ونغرق في بحار من الشعارات الشعبوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

قلنا إن فلسطين يجب أن تبقى الهدف لأن التخلي عنها يجعل كل الصراعات ليس أكثر من شجار على منصب أو على كرسي، لأن السياسة (politics)، كما نعرف، دهاء الوصول إلى كرسي الحكم، والاحتفاظ به ما أمكن. وهذا يسري على الأشخاص كما يسري على المؤسسات السياسية، أحزابا كانت أو تجمعات.

إن وضع قضيتنا الوطنية/القومية الأولى في مواجهة قضايا التحرر من الاستبداد يود البعض تصويره وكأن التمسك بحقوقنا معيق للتقدم والانعتاق من الظلم، وكأن محاربة العدو الصهيوني والنضال من أجل استعادة حقوق شعب طرد من وطنه ظلمًا، ساهم فيه حكام عرب في تلك المرحلة فقط من أجل الاحتفاظ بعروش قصبية مهلهلة، يعيق التحرر الوطني من الأنظمة المستبدة.

هذا ما حاول البعض تصويره لتسويغ إبعاد قضية العرب والمسلمين الأولى عن ساحة الصراع وإفراغ النضال الوطني ضد الاستبداد من أي مضمون حقيقي، وأن وصول هذا أو ذاك من المستوظِفِين (careerist) يشكل الدواء العجيب الكفيل بالقضاء على كل أمراضنا الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية.

الانخراط في حالة الإنكار للأفعال ومواصلة السير في الطريق المدمر الذي لا بد أن يقودنا إلى المقولة المعروفة، ولكن المضللة: العملية نجحت لكن المريض مات

ليت الأمور بهذه البساطة!
لم يفت الوقت بعد، والمطلوب الإعداد لمصالحات تاريخية كبرى تجمع كل فئات الشعب. علينا الابتعاد عن النظر إلى شريكنا في الوطن، أيا كانت الذنوب التي ارتكبناها جميعنا، على أنه عدو. نعم هو شريك، وشريك غريم أو خصم، لا أكثر، يحكم بيننا قانون عادل ينحاز للضعيف ضد القوي، وللفقير ضد الغني، وللمظلوم ضد الظالم.

قد لا يعجبنا خصمنا، أو فكره أو بعض تصرفاته وأفعاله، لكنه شريك في الوطن، وله حقوق، ضمن شروط العقد الاجتماعي المطلوبة صياغته في مسار المصالحة التاريخية الكبرى.

إن لم نفعل ذلك ولم ينظر كل منا إلى الآخر على أنه مجرد خصم أو منافس، ليس ثمة من بديل عن العيش معه في البيت ذاته، فإننا سنجد أنفسنا وقد فقدنا ما قد تبقى لنا الآن، ونتابع الانخراط في حالة الإنكار ونواصل السير في الطريق المدمر الذي لا بد أن يقودنا إلى المقولة المعروفة، ولكن المضللة: العملية نجحت لكن المريض مات.

هذه مقولة معروفة وسائدة في حياتنا اليومية. نسمعها من الطبيب الفاشل، المصمم على عيش حالة الإنكار، التي عاشها كثير من حكامنا، ويعيشها أغلب المستوظِفِين الطامعين في ذلك الكرسي اللعين، ولو كان وسط حطام وأنقاض ومقابر جماعية وفردية أو في أحضان العدو.

المصدر : الجزيرة

التعليقات