محمد معروف الشيباني

محمد معروف الشيباني

 

سلطان ونايف.. شقيقان، كان كلٌ منهما أغلى على الآخر من إخوته.. وليّا عهدِ المملكة العربية السعودية. كانا الأقدر على الوصول للمُلْكِ والأوقع في وجدان السعوديين.. كان العرشُ قابَ قوسيْنِ أو أدنى منهما.. لكن سبحانَ مالك المُلْك.. لم يُكتبْ لأيٍ منهما.

فَصلَتْ وفاتَيْهِما ستةُ أشهرٍ وأيام.. لكن غيابَهُما سيكون بالنسبة للسعوديين مُفترقَ طرق بين حقبةِ عقودٍ مضتْ وسنواتٍ تاليات.

كانت ولايةُ العهد اختيارا توافقياً يُجريه الملك حال تولّيه سدةَ الحكم بعد سلفه، حتى أصدر الملك عبد الله بن عبد العزيز في 2007 مرسوماً بتشكيل هيئةِ البيعة من 34 عضواً لتقوم بالاختيار

فتح غيابُ الأول مسألةَ الخلافة، وأتى غيابُ الثاني ليزيد فتح بابٍ موارب.. والسعوديون يراقبون.

كانت ولايةُ العهد اختيارا توافقياً يُجريه الملك حال تولّيه سدةَ الحكم بعد سلفه، حتى أصدر الملك عبد الله بن عبد العزيز في ديسمبر/كانون الأول 2007 مرسوماً بتشكيل هيئةِ البيعة من 34 عضواً. هم أبناء مؤسسِ الدولة عبد العزيز آل سعود الأحياءُ وأحد أبناءِ المتوفى منهم، لتوكلَ للهيئة اختصاصات ترشيحِ ولي عهدِ الملكِ الجديد، وفق آليةٍ تتمثل في عرضِ الملك على الهيئة واحداً أو اثنين أو ثلاثة من قِبَلِه لترشيح واحد منهم بالتوافق لتتم تسميتُه ولياً للعهد، فإن لم تقم الهيئة بذلك فعليها ترشيح من تراه، فإن لم يوافق عليه الملك صوّتَتْ الهيئةُ على من رشّحتْهُ وواحدٍ يختاره الملك ليفوز أكثرهما أصواتاً. والنصابُ القانوني للاجتماع إما ثُلُثا الأعضاء وبالتالي تتحقق أغلبيتُه بـ12 صوتاً، أو في الحالات الطارئة نصفُ الأعضاء ويشترطُ لقرارِها تحقيق ثُلُثيْ أصوات الحاضرين أي 12 صوتاً أيضاً.

لكن تلك الآلية لم تتطرق بوضوحٍ لكيفيةِ اختيار البديل في حال وفاةِ وليِ العهدِ قبل الملك. وربما غفل أو تغافل نظامها عن ذلك لأن الحالةَ لم تحصلْ من قبلُ أبداً. لكن إرادةَ الله شاءت أن تحصلَ بوفاة ولي العهدِ الأول الأمير سلطان، ثم تكررتْ بوليِ العهدِ الثاني الأمير نايف. فبرزتْ معضلة أغفَلَها النظامُ قصداً أو سهواً.

في الحالة الأولى سارع الملك مع نهاية ثالث أيام العزاء لجمعِ رئيسِ وأعضاءِ هيئة البيعة في اجتماع رسمي أشعرهم فيه أنه اختار الأمير نايف ولياً للعهد وأصدر أمره بذلك، ووجَهَهُم بمبايعته.
والسؤال على كلِ شفةٍ الآن: وماذا سيحصل للحالة الثانية غداً؟

إنهما خياران لا ثالث لهما.. الأول: الأخذ بحرفية نظام الهيئة، وإيكال الأمر لها لتوصي للملك باقتراحها وفق آليةِ ترشيحاتها. وعندها يحقُّ للمتسائلين داخلَ و خارجَ الأسرة الحاكمة التساؤل: ولماذا لم يُؤخذْ بهذه الآلية في الحالة الأولى بعد وفاة وليِ العهدِ الأسبق؟ أَهيَ اليومَ التفاف لتمكينِ تولّي شخصٍ معيّنٍ أو استبعاد آخر؟ و لماذا؟

ومن الطبيعي أن تقود إجاباتُ تلك التساؤلات إلى ردودِ فعلٍ متباينةٍ أو غيرِ متوقعة.

يبقى الخيار الثاني الأرجح وهو: اتخاذ العاهل السعودي المنهجيةَ ذاتها التي تبنّاها في الحالة الأولى باختياره وليَّ العهد القادم، وإشعارِ الهيئة رسمياً لأخذِ البيعة منها ثم من المواطنين. وهو إجراءٌ اعتاده السعوديون طوال عهودِ ملوكِهِم منذ المؤسس حتى اليوم، لثقتهم بحسن اختيار الملك. وثبتَ سداده.

من المرجح اختيار الأمير سلمان وزير الدفاع وليا للعهد، باعتباره أكثر الباقين من إخوةِ الملك خبرةً وباعاً بشؤون الحكم وتسيير الدولة مباشرةً على مدى 55 عاماً بلا انقطاع

فإذا ترجّح هذا الخيار يبرز فوراً تساؤل: مَنْ سيكون خيار الملك؟ والإجابة ترجّح الأمير سلمان وزير الدفاع، باعتباره أكثر الباقين من إخوةِ الملك خبرةً وباعاً بشؤون الحكم وتسيير الدولة مباشرةً على مدى 55 عاماً بلا انقطاع. كما أنه يَلي في السن الأمير نايف مباشرةً. لكن الأخير كان يكبُره عددٌ معتبر من الإخوة الذين تخطاهم الملك عند اختياره. ومن الطبيعي أن يجدد كلٌّ منهم تطلُّعه الآن لسدةِ المُلْك. وهو تطلع مشروع. فلا وجود بعد الخلفاء الراشدين لزاهدٍ في ابتغائه والسعيِ لوصوله بكل السبُل.

وعليه، من الطبيعي أن تحمل الأيام القادمة تصريحاتٍ ومواقف شدٍ و جذبٍ من أطراف مختلفة، كما حملَها مَخاضُ اختيار وليِ العهدِ الراحل. و قد يكون أكثرها على سبيلِ  المناورة لا الجِديّة. وهناك فرقٌ وثمنٌ لكلٍ من الطريقين.

والأهم أن الشعب السعودي أيقنَ حتميةَ تَخَطّي عنصر الأكبر سناً بالحكمة والمُداراةِ الحسنَة، ليستمر  البيتُ السعودي قوياً متماسكاً. كما أن السعوديين قريبو عهدٍ بوفاة وليِ العهد الأسبق وأسلوبِ اختيار خلَفِه.

على أن المُلْفِتَ للمواطنين، ولا أشك أن الحُكْمَ سيتعامل معه بِحنكة، أن الانطباع الأعمَّ عن الراحل الأمير نايف أنه راعي تيار الدين والمحافظة، وأن هذا سببُ رصيده الشعبيِ الجارف، وهو أمر  يوحي أن الملكَ عكسه، تماماً مثلما روّجَ شانِئو الأمير أنه كوزير للداخلية ملأ السجونَ بآلاف المعتقلين.. وهي تهمةٌ كفيلةٌ بإسقاطِ شعبيتِه لا زيادتِها!

والواضح أن الانطباع والتهمةَ رُسّخا للإيحاء أن العاهل السعودي عكسهُما. وهو تضليلٌ كبير نَفهمُه من شانئ. أما من يجهل أسلوبَ الحُكْمِ السعودي فنوضح أن من أساسياتِ نجاحِ  الأسرةِ الحاكمة اعتمادها -بعد الله- على اعتداد صغيرِها بكبيرها، ولو كبره بيوم. وللملكِ مطلقُ الصلاحية دستورياً ونظامياً، فإذا قرر أمراً نُفِّذَ قبل جفافِ مِدادِه. ووليُ العهد يُذَيِّلُ توقيع كل خطاباته الرسمية والخاصة بعبارة الخادم.

هما عملياً أبَوان يَسوسان بيتَهُما بالتوافق التام، دون مخالفة، حتى لو فَهِمَ آخرون غير ذلك.. ولعل ذلك الفهمَ أسلوبٌ من حنكةِ الحُكْمِ ودهائه، فالأمور تستقيم بفتحِ الصدورِ والأبوابِ لكلِ التيارات والمفاهيم وجَعلِ كلٍ منها يَفهمُ مُشتَهاه، ولا يُنفذُ بالنهاية إلا ما فيه المصلحةُ العامةُ المَنوطةُ كلمتُها الأخيرة بالملك دون استشكال.

فإذا كان لا مفر للحُكْمِ من التعامل حتى مع انطباعات غالبيةِ الناس، خاصةً إنْ تركّز انطباعها عن ولي العهد الراحل بأنه راعي تيار الدين في بلاد الحرمين، فليس مرجّحاً اتخاذ الحكومة أيَّ قراراتٍ تُرسخ للمواطنين أن ذاك الانطباع حقٌ صادق، بل الأرجح سعيُها للاستفادة من غياب الراحل لِتجييرِ رصيدِه من ذلك الانطباع لصالح الملك، فيتأكّد الناس أن الملك فعلياً كان وما يزال وسيظل السند الحقيقي للانطباع المذكور.

مَنْ مِنَ الملوك سينقل السلطة للجيل الثاني أحفادِ المؤسس؟ سؤالٌ لم يُبحثْ في العلَن ولم يَدر حتى همساً

غير أن أمام السعودية تحديات جوهرية. أبرزُها: مكافحة الفساد، والصِدامُ الاجتماعي، وتسيير الثروة، والمؤسسة الدينية التي ليس لها من الأمر شيء في ولايةِ العهد سوى مباركةِ المختار ومبايعتِه.

كما تبقى الحلقةُ الغائبةُ أو المُغَيّبة. وهي: مَنْ مِنَ الملوك سينقل السلطة للجيل الثاني أحفادِ المؤسس؟ سؤالٌ لم يُبحثْ في العلَن ولم يَدر حتى همساً، لأن مَكنونَ إجابته سيفتح دفْقاً من التساؤلات، أهمُها معايير ذلك الانتقال، ودوْر الجدارةِ فيه، وتعريف ماهيةِ الجدارةِ أيضاً.

ويتطَفَّلُ السؤالُ الأكثر إلحاحاً لتوقيتِه: ما تأثير طريقةِ اختيار واسم وليِ العهدِ القادم على المَخاضاتِ العربيةِ المحيطةِ والقريبةِ من السعودية؟ والسؤالُ يجب طَرحه كذلك معكوساً: ما تأثير تلك المَخاضات على ذلك الاختيار؟

إجاباتُها تستدعي مساحةً أكبر طَرحاً ونشراً وتَناولاً.. فلعلها تكون لمقال آخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك