صالح النعامي

صالح النعامي

صحفي وباحث فلسطيني

 

عزوف عن الأحزاب الدينية
أهداف الاختراق
مجموعة "القيادة اليهودية"
من التأثير للقيادة

تداعيات الاختراق
 

تكاد إسرائيل تكون الدولة الوحيدة في العالم التي يبادر المتدينون فيها لاختراق الأحزاب العلمانية في مسعى واضح لزيادة النفوذ وإحكام القبضة على مفاصل الكيان الصهيوني. وقد باتت هذه الظاهرة الطارئة تجذب الانتباه في الأعوام الثلاثة الماضية، لما لها من تأثيرات آنية كفيلة بإعادة صياغة المشهد الحزبي الإسرائيلي الداخلي برمته، وما قد تسفر عنه من تداعيات على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.

ولعل أكثر ما يعكس التأثير المتعاظم للمتدينين في الأحزاب العلمانية الإسرائيلية هو ما شهده الاجتماع التي عقدته قبل شهرين اللجنة التنفيذية لحزب الليكود الحاكم، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد أحرج نتنياهو في هذا الاجتماع أيما إحراج عندما تمكن أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب من المتدينين من حشد أغلبية داخل اللجنة لرفض مبادرته بتعيين شخصية موالية له في رئاسة اللجنة التنفيذية، حيث كان الأعضاء المتدينون يرغبون في تعيين شخصية متدينة أكثر تطرفًا من مرشح نتنياهو.

وكما نقل بعض مراسلي الشؤون الحزبية في الصحف الإسرائيلية فقد ذهل نتنياهو عندما جلس على منصة المتحدثين وشاهد أن عددًا كبيرًا من أعضاء اللجنة التنفيذية، الذين يفوق عددهم ألفي عضو، هم من أصحاب اللحى ومعتمري القبعات الدينية المزركشة، الذين ينتمون بشكل خاص للتيار الديني الصهيوني، الذي يحمل لواء الاستيطان والتهويد.

عزوف عن الأحزاب الدينية
على الرغم من أن اختراق المتدينين للأحزاب العلمانية قد أصبح ملاحظًا بشكل كبير في الأعوام الثلاثة الماضية، فإنه بدأ بصمت وبهدوء قبل أكثر من عقد من الزمان، وبشكل يوحي بأنه يأتي ضمن مخطط يهدف لممارسة أكبر قدر من التأثير على دائرة صنع القرار في الكيان الصهيوني من خلال اختراق الأحزاب العلمانية، وتحديدًا ذات التوجهات اليمينية، لأنها باتت المرشحة لتولي الحكم لفترة طويلة في إسرائيل.

أتباع التيار الديني الصهيوني يركزون بشكل خاص على اختراق "الليكود" على اعتبار أنه الحزب المرجّح أن يواصل إدارة دفة الحكم في الكيان الصهيوني لفترة طويلة

ومما يدل على هذا التوجه أن الحرص على اختراق الأحزاب العلمانية من قبل المتدينين قد ترافق مع عزوف واضح لأتباع التيار الديني الصهيوني عن الانضمام للأحزاب التي تمثل هذا التيار.  وهذا الذي يفسر انخفاض تمثيل الأحزاب التي تمثل التيار الديني الصهيوني في البرلمان الإسرائيلي، حيث انهار حزب المفدال، وتقلصت قوة حزب "الاتحاد الوطني "، في حين حافظت الأحزاب التي تمثل التيار الديني الحريدي مثل حركة "شاس" على قوتها. وإذا كانت نخب التيار الديني الصهيوني تخترق أحزاب اليمين ويمين الوسط المشاركة في الائتلاف الحاكم: الليكود، و"إسرائيل بيتنا"، و"كاديما"، فإن كل الدلائل تؤكد أن أتباع التيار الديني الصهيوني يركزون بشكل خاص على اختراق "الليكود" على اعتبار أنه الحزب الذي تؤكد كل الشواهد أنه سيواصل إدارة دفة الحكم في الكيان الصهيوني لفترة طويلة.

أهداف الاختراق
على الرغم من أن الأحزاب الدينية لعبت دور بيضة القبان في معظم الائتلافات الحاكمة التي تشكلت في إسرائيل بعد الانقلاب السياسي الذي شهدته إسرائيل عام 1977، بصعود الليكود للحكم، فإن هذه الأحزاب لم تتمكن من إملاء مواقفها في بعض الأحيان على الحكومات التي شاركت فيها، ولا سيما على صعيد التسوية مع الفلسطينيين وحل الصراع مع العرب.

فقد جاء التوقيع على اتفاقية "كامب ديفد" مع مصر و"أوسلو" مع منظمة التحرير الفلسطيني بخلاف رغبة هذه الأحزاب. ونظرًا لأن المتدينين يشكلون حوالي 30% من الإسرائيليين، وبسبب تناقضات الأحزاب الدينية الداخلية واختلافاتها "الفقهية"، فقد أدركت النخب المتدينة أنه ليس بوسع هذه الأحزاب الوصول لسدة الحكم، وبالتالي التأثير بشكل حاسم على دائرة صنع القرار في الكيان الصهيوني.

وهذا بالضبط ما دفع النخب الشابة في التيار الديني الصهيوني للتسلل إلى الأحزاب العلمانية اليمينية الكبيرة، وعلى وجه الخصوص الليكود بغرض التأثير على مواقف الحزب وبرنامجه السياسي والإسهام في صياغة هيئاته القيادية بشكل يضمن إملاء مواقفها الأيدولوجية والسياسية، وذلك بشكل يفوق الثقل الديموغرافي للمتدينين وتمثيل أحزابهم في البرلمان.

ومن نافلة القول، أن الذي سهل مهمة اختراق المتدينين الأحزاب العلمانية اليمينية هو التقارب بين اليمين العلماني والتيارات الدينية، حيث إن اليمين العلماني يحرص على استدعاء المسوغات الدينية لتبرير منطلقاته الأيدولوجية ومواقفه السياسية.

مجموعة "القيادة اليهودية"
ومما يدل على أن اختراق الأحزاب العلمانية من قبل المتدينين يأتي ضمن جهد تنظيمي مبلور، وليس مجرد مبادرة فردية، حقيقة وجود مجموعات من الشباب اليهودي المتدين تعمل بشكل منظم على اختراق الأحزاب العلمانية.

ويمكن القول إن مجموعة "القيادة اليهودية"، هي أكثر المجموعات المتدينة التي حققت نجاحات واضحة في اختراقها حزب الليكود الحاكم. وقد أسس هذه المجموعة موشيه فايغلين، الذي كان أحد الكوادر الشابة في حركة "كاخ" اليهودية الإرهابية التي كان يتزعمها الحاخام مئير كهانا، والتي كانت تنادي بطرد الفلسطينيين إلى الدول العربية.

وبعيد التوقيع على اتفاقية "أوسلو" أسس فايغلين منظمة "هذه أرضنا"، التي كانت تنظم عمليات احتجاج هدفت لمنع تطبيق "أوسلو". وكان فايغلين أول من فطن إلى أهمية اختراق الأحزاب العلمانية، ولا سيما حزب الليكود، حيث نجح في تأسيس مجموعة أيدولوجية من الشباب المتدين، أطلق عليها "القيادة اليهودية"، تعمل على إقناع أكبر عدد من المتدينين، وتحديدًا المستوطنين بالانتساب لحزب الليكود، وذلك من أجل الدفع بأكبر عدد من المتدينين إلى اللجنة التنفيذية للحزب التي تتولى اختيار قائمة مرشحي الحزب في الانتخابات التشريعية، كما أن مرشح الحزب لرئاسة الوزراء يتم اختياره في انتخابات تمهيدية يشارك فيها المنتسبون إلى الحزب، مما يعني أنه كلما زاد عدد المنتسبين من تيار أيدولوجي معين، زاد ذلك من قدرته على تحديد هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي.
 
مجموعة "القيادة اليهودية" هي أكثر المجموعات المتدينة التي حققت نجاحات واضحة في اختراقها حزب الليكود الحاكم, ووصل الأمر إلى حد تبني ساسة الحزب العلمانيين للمواقف المتطرفة لهذه المجموعة ضمانا لمستقبلهم
وبالفعل فقد نجح مخطط "القيادة اليهودية"، وتمكنت من إيصال عدد كبير من أعضائها إلى اللجنة التنفيذية لحزب الليكود، مما جعل ساسة الليكود الراغبين في التنافس على مقعد في قائمة مرشحي الليكود للانتخابات التشريعية يخرجون عن طورهم في مسعاهم لاسترضاء أعضاء "القيادة اليهودية".
ومن أجل أن يضمن كل سياسي في الليكود أن يكون نائبا أو وزيرا في المستقبل فعليه أن يعلن التزامه بسلسلة من التعهدات أمام أعضاء "القيادة اليهودية" يتمحور معظمها حول سبل دعم المشروع الاستيطاني والتهويدي في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب الالتزام بعدم منح أية فرصة لمشاريع التسوية الهادفة لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني.

وقد وصل الأمر بعدد من الساسة العلمانيين في حزب الليكود إلى حد "ترف التطرف" في تبنيهم المواقف الصقرية المتطرفة استرضاءً لأعضاء القيادة اليهودية. ولعل المواقف التي تعبر عنها عضو الكنيست عن حزب الليكود العلمانية ميري ريغف، التي كانت ناطقة باسم الجيش الإسرائيلي تصلح مثالاً للمسافة التي تبدي النخب العلمانية في الليكود استعدادًا لقطعها في التزلف لأعضاء "القيادة اليهودية". 

فريغف لا تتورع عن اتهام نتنياهو بـ"التفريط" في حقوق اليهود في الضفة الغربية، مع أنه لا خلاف على أن نتنياهو هو أكثر وزراء إسرائيل تطرفًا في كل ما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين، وذلك لأنها تدرك أن أعضاء "القيادة اليهودية" معنيون بمحاصرة نتنياهو وزجره عن الرضوخ لأي ضغط خارجي بإبداء مرونة على صعيد المفاوضات مع السلطة الفلسطينية.

من التأثير إلى القيادة
ولقد أغرت النجاحات التي حققتها "القيادة اليهودية" قيادتها بعدم الاكتفاء بالتأثير على مجريات الأمور في حزب الليكود، بل أخذت مؤخرًا تسعى لأن تكون جزءًا أصيلاً من قيادة الليكود. ومما يدل على هذا التوجه حقيقة أن فايغلين أصبح السياسي الوحيد الذي يتجرأ على منافسة نتنياهو على زعامة حزب الليكود.

وقد خاض فايغلين معركتين في مواجهة نتنياهو، حصل فيهما على 25% و30% من أصوات المنتسبين إلى الحزب، وهذا يعد إنجازا كبيرًا ومهمًّا. وقد أعلنت "القيادة اليهودية" أن قادتها سينافسون على مواقع في قائمة مرشحي "الليكود" للبرلمان قبيل الانتخابات التشريعية القادمة، بحيث أنهم لم يعودوا يكتفون بمنح أصواتهم لساسة علمانيين مقابل الحصول على تعهدات منهم بشأن دعم الاستيطان والتهويد ونبذ التسوية، بل باتوا يستعدون لأن يكونوا ضمن كتلة الليكود البرلمانية في الكنيست القادم.

وحسب استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخرًا، فإنه من المتوقع أن تتمكن "القيادة اليهودية" من إيصال عشرة من قادتها وكوادرها إلى أماكن مضمونة في قائمة مرشحي الليكود في الانتخابات التشريعية، أي أنهم سيحصلون على ثلث عدد المقاعد.

والمفارقة أن الجهات التي انبرت لدعم "القيادة اليهودية" ماليًّا كانت جماعات اليمين المسيحي في الولايات المتحدة. لكن ازدياد نفوذ فايغلين في الحلبة الحزبية الإسرائيلية دفع الكثيرين من رجال الأعمال الإسرائيليين إلى دعمه والتبرع لحملاته الانتخابية، وعلى رأس هؤلاء رجل الأعمال شلومو بن تسفي، الذي يملك معظم أسهم قناة التلفزة العاشرة، التي تعتبر إحدى أهم قناتي تلفزة في إسرائيل.

ونظرًا إلى الإقبال الكثيف على دعمه، فقد أعلن فايغلين أنه لم يعد يتحمس لقبول المزيد من عروض الدعم بسبب كثرتها. وإذا كانت عمليات التسلل لحزب الليكود هي الأوضح والأكبر، فإن العلمانيين تمكنوا من إيصال عدد من النواب المتدينين إلى قائمتي حزبي "إسرائيل بيتنا" و"كاديما" العلمانيين.

تسلل المتدينين إلى الأحزاب العلمانية الكبيرة سيقود إلى إشعال جذوة الصراع مع العالم العربي, وإسدال الستار على التسوية السياسية, وسيشجع التعاطي العنصري مع العرب، وسيغير النظام السياسي الإسرائيلي
  

تداعيات الاختراق
 لقد بات في حكم المؤكد أن تسلل المتدينين إلى الأحزاب العلمانية الكبيرة سيقود إلى هذه التداعيات:
أولاً: إشعال جذوة الصراع مع العالم العربي وإسدال الستار على التسوية السياسية. فالبرنامج السياسي لفايغلين يدعو صراحة إلى فرض السيادة اليهودية على المسجد الأقصى وتدميره وإقامة الهيكل الثالث على أنقاضه.

ويرى فايغلين أنه يمكن أن يقبل ببقاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي فلسطين 48 فقط إذا قبلوا بالسيادة اليهودية على فلسطين وقبلوا بتجريدهم من حقوق "المواطنة"، مع أنه يجاهر بأن هدفه الأسمى هو طرد الفلسطينيين إلى الدول العربية. ويبدي فايغلين حماسه لنظرية صراع الحضارات، ويقول: "كل طفل يولد في القاهرة هو ابن لادن جديد".

ثانيا: تشجيع التعاطي العنصري مع العرب، حيث أن فايغلين يتبنى موقفًا عنصريا بالغ القتامة تجاه العرب، فهو يقول: "العربي لا يعيش في صحراء، بل هو يوجدها"، ويصف الإسلام بأنه دين "إجرامي".

ثالثا: إدخال تحولات كبيرة على النظام السياسي الإسرائيلي، ففايغلين الذي يستغل أدوات الديمقراطية يجاهر برفضه لها، وهو لا يتردد في تفضيل حكم التوراة على القوانين الوضعية. ومن المفارقة أن فايغلين قد عبر في أكثر من مناسبة عن إعجابه بالزعيم النازي هتلر بسبب توظيفه للديمقراطية في خدمة أهدافه الأيدولوجية.

ما تقدم يشكل دليلاً إضافيًّا على مدى انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف العنصري والشوفينية بشكل يجعل من السخف مواصلة الرهان على تحقيق تسوية سياسية للصراع مع الكيان الصهيوني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك