عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي

 

تواجه الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن مسألة تعويض الضحايا وإنصافهم بالسرعة اللازمة، وذلك بعد إنجاز مرحلتها الأولى من التغيير وبداية مسار جديد انتقالي من طور إلى آخر.

ولعل تأخير تعويض الضحايا يطرح على بساط البحث مشكلات جديدة، منها كيفية التعامل مع الأجهزة البيروقراطية من جهة، ومن جهة ثانية استحقاقات المرحلة الانتقالية، خصوصاً وأن مثل هذا الموضوع مستحدث في إطار ما يتعلق بفترة الانتقال من حال إلى حال، سواءً من نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي، أو من انهيار النظام القانوني والقضائي، إلى محاولة إرساء نظام جديد، أو من حرب أهلية ونزاع مسلح -وبعضه ليس بعيداً عن تدخلات خارجية- إلى حالة السلم مع وجود قلق لهشاشة الوضع الجديد، وهذه جميعها عوامل موضوعية وذاتية تواجهها التجارب العربية، سواءً ما هو منجز منها أو ما ينتظر الإنجاز.

العدالة في الفترة الانتقالية لها خصوصياتها، حيث تشتبك مع العدالة العادية وبالقدر نفسه تختلف عنها في بعض الجوانب، وإنْ كان هدفهما مشتركاً

ولأن العدالة في الفترة الانتقالية لها خصوصيات، فإنها تشتبك مع العدالة العادية وبالقدر نفسه تختلف عنها في بعض الجوانب، وإنْ كان هدفهما مشتركاً، فإن المبادئ الأساسية والقواعد المتعلقة بالحق في التعويض تندرج في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إضافة إلى قواعد القانون الدولي العام، بما فيه القانون الدولي الجنائي.

إن هذه القوانين جميعها، إضافة إلى القوانين الوطنية، تؤكد على حق الضحايا في الحصول على تعويض مناسب وفعّال وسريع، الأمر الذي يستوجب اتخاذ إجراءات سريعة للتعويض وردّ الحق عن الأضرار وإعادة التأهيل البنيوي والنفسي، فضلاً عن ردّ الاعتبار الشخصي، بما يكفل إرضاء الضحايا: مثل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإيقاف الانتهاكات والحيلولة دون تكرارها، وضمان إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية على نحو مؤسسي.

لقد شهدت جميع الثورات تحدّيات من هذا القبيل فضلاً عن صعوبات كثيرة مثل عدد الضحايا وكيفية ردّ الاعتبار والتعويض وعلاج الانتهاكات للفرد أو للمجموعة، الأمر الذي يمكن أن يترك آثاراً بعيدة المدى على الأفراد وعلى المجتمع ككل، ناهيكم عما قد يسببه من ردود فعل خطيرة.

لقد دأبت التجارب الدولية على انتهاج سبيل العدالة الانتقالية لتعويض الضحايا وذلك لاعتبار أن هذا هو عنصر أساس من عناصرها، سواءً بإعادة الحقوق أو بالتعويض عن الأضرار أو ردّ الاعتبار الشخصي جرّاء هدر الكرامة الإنسانية، على أن يعتبر التعويض حقاً من الحقوق وليس منّة أو هدية أو مكرمة أو حسنة، الأمر الذي يستوجب وضع برنامج لاعتبار الضحايا أصحاب حق، وهو ما يتطلب دعمهم في الدفاع عن حقوقهم.

وإذا كانت التجربة الدولية تختزن نحو أربعين طريقاً للعدالة الانتقالية لنحو ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، فإن لكل بلد في الوقت نفسه خصوصيته وسماته وتطوره وتاريخه وثقافته، الأمر الذي لا يعني تقليد أو استنساخ نموذج من النماذج بقدر الإفادة منه بما له وما عليه مع مراعاة خصوصية وحساسية بلداننا العربية وتاريخها وآفاقها ومشكلاتها السياسية والاجتماعية، دون نسيان القواعد العامة التي تشكل مشتركاً إنسانياً لجميع التجارب.

إن الإقرار بحق التعويض يندرج في إطار القانون المدني الذي يقرّ بهذا الحق، وهو جزء من الاعتراف بالانتهاكات الماضية وبالمسؤولية إزاءها الفردية والجماعية، خصوصاً لتعويض الأضرار والالتزام العلني بالاستجابة لآثارها وعلاجها.

عدم حسم قضايا التعويض سريعاً والاستغراق في الروتين والبيروقراطية يؤدي أحياناً إلى إلحاق أضرار جديدة لدى الأشخاص الذين يطالبون بالتعويض

وغالباً ما ذهبت الدول وتجارب العدالة الانتقالية إلى اعتبار الاعتراف العلني أهم عنصر من عناصر التعويض، وتزداد فاعليته بالكشف عن الحقيقة وإصلاح المؤسسات وتوفير آليات للمحاسبة وإحياء الذكرى، كما أن التعويض لا ينبغي أن ينصب على إسكات الضحايا أو إسدال الستار على الماضي، بقدر كون التعويض وسيلة من وسائل البناء، لاسيما لفترات ما بعد النزاع من أجل إعادة بناء السلام والإعمار سواء كان التعويض مادياً أو معنوياً.

ويمكن للقضاء أن يلعب دوراً حاسماً في وضع معايير للالتزامات القانونية على أساس إستراتيجي، لكن هذه المعايير ليست وحدها كفيلة لمواجهة التحديات، ويتطلب الأمر من الضحايا أو عوائلهم تقديم أدلة تفصيلية عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها والأضرار التي لحقتهم وعن هوية الأفراد الذين ارتكبوا، وإذا كان الإقرار بالتعويض يتطلب برامج إدارية فإن هدفه هو الحصول على منافع رمزية أو مادية أو كليهما، سواء تقديم اعتذارات أو إطلاق أسماء شوارع أو مدارس أو ساحات عامة لتكريم الضحايا أو نقل رفاتهم بعد كشف أماكن دفنهم وإعادة دفنهم في مقابر لائقة وفي ظل احتفالات عامة، وتقديم هبات مالية وتمويل مشاريع اجتماعية ودفع تعويضات نقدية ورواتب شهرية أو تقاعدية، وهو ما حصل لبعض ضحايا ما سمّي بالمقابر الجماعية.

إن هدف التعويض هو إعادة الثقة وإدماج الضحايا في المجتمع دون إهمال الجانب المادي. وهناك التعويض الجماعي والفردي، أي للأفراد أو للجماعات أو لمناطق كاملة، مدن: أحياء سكنية، مجموعات بشرية إثنية أو دينية، أو لقطاعات شاملة، مثل حقوق المرأة، التطهير الإثني والعنصري والديني، أو عقوبات جماعية شاملة مثل التعذيب والقمع لأبناء منطقة بكاملها أو النزوح والتهجير والإجلاء لسكانها، الأمر الذي يحتاج إلى رد اعتبار جماعي كأن يتم تحويل مواقع الاعتقال السرية إلى مواقع لتخليد الذكرى والضحايا وإقامة مجمّعات ثقافية واجتماعية ومتاحف ونُصب تذكارية في المناطق التي تعرضت للعقوبات الجماعية.

وسواءً كان التعويض فردياً أو جماعياً لا بدّ من وضع أسس لمبادئ العدالة والمساواة وتجنّب المحاباة أو التمييز، ذلك لأن التعويضات ذات طبيعة رمزية للحق الذي يتمتع به كل فرد على حدة والاعتراف بقيمة كل فرد في المجتمع.

إن عدم حسم قضايا التعويض سريعاً والاستغراق في الروتين والبيروقراطية يؤدي أحياناً إلى إلحاق أضرار جديدة لدى الأشخاص الذين يطالبون بالتعويض، فيما يتعلق بالجرائم التي يصعب إثباتها بعد مرور سنوات عديدة، وذلك مثل حالات التعذيب والاغتصاب والانتهاكات الجنسية والمعاملات الحاطّة بالكرامة، وهناك عقبات كثيرة تقف أمام ذلك، سواءً كانت طبية أو الخوف من التحدث بتجارب مرّ الضحايا بها، وأحياناً حتى الفحوص النفسية لا تعطي النتائج المطلوبة، مما يؤدي إلى  زيادة معاناة الضحايا، وقد يتنازل الضحية عن حقه بدلاً من التعرّض مرّة ثانية للتجربة المريرة، خصوصاً إذا ما تعرضوا للإشهار بما حصل لهم أو لم يلقوا العلاج الكافي أو التقدير الكافي لحالتهم، وكثيراً ما يفضل الضحايا عدم الحديث عن معاناتهم، في حين يرغب آخرون بعرضها.

إذا أريد تعويض الضحايا فعلاً فلا بدّ من توفر إرادة سياسية، لأن التعويض أمر عاجل ولا يحتمل الانتظار، وهذه مسألة حساسة ونفسية بالنسبة للضحايا

وإذا كانت الدولة مسؤولة عمّا حصل للضحايا، فإن المليشيات هي الأخرى مسؤولة سواءً سلّحتها الدولة أو لم تسلّحها، مثل البلطجية والشبيحة وغيرهما، ومن واجب الدولة تعويض الضحايا حتى عن ارتكابات لمتمردين أو جماعات مسلحة، وذلك بسبب التزاماتها بالصالح العام والعمل على إعادة دمج الضحايا أياً كان المسؤول عن ارتكاب الجرائم.

إن غياب عملية الكشف عن الحقيقة يستدعي أحياناً اتخاذ عدد من الخطوات الإضافية اللازمة لبرنامج التعويض، ومنها مثلاً تحديد هوية الضحايا وتقدير الأضرار التي ينبغي معالجتها. وإذا أريد تعويض الضحايا فعلاً فلا بدّ من توفر إرادة سياسية، لأن التعويض أمر عاجل ولا يحتمل الانتظار، وهذه مسألة حساسة ونفسية بالنسبة للضحايا، والأمر يحتاج إلى تشريعات مناسبة وإستراتيجية طويلة المدى وإجراءات راسخة ذات أولويات عادلة ومنطقية بهدف إتمام إصلاح شامل لكل جوانب الحياة.

التعويض هو رد اعتبار للضحايا والإقرار الرسمي العلني بمعاناتهم، وهو تقريب معاناتهم من الرأي العام، وبالتالي اقتراب فهمه لأحداث الماضي وتنمية اهتمامه بضرورة احترام حقوق الإنسان وتعزيز التضامن الوطني وخلق شروط للمصالحة وتغذية مساراتها وحفظ الذاكرة الجماعية، خصوصاً إذا صاحبته جلسات استماع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات