وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري

مكتسبات الثورة وواقع البحث العلمي
المحددات الحاكمة والمآلات المحتملة
أركان الحل وبواعث النهضة

بدون الدخول في مقدمات طويلة تشير إلى أهمية البحث العلمي في المنطقة وإلى ترهل حالته بسبب إهمال الأنظمة العربية البائدة السابقة، ومن ثم دور ثورات الربيع العربي، وديناميات التغيير الحادثة بقوة في أكثر من بلد عربي حاليا، في بعث الأمل بإمكانية تحقيق تغييرات ثورية أخرى مشابهة، على المستوى الاقتصادي ووضعية التعليم والبحث العلمي، وغيرها من المجالات الحيوية المحددة لقيمة الدولة ولمكانتها. بعيدا عن هذه المقدمات، هل يمكن القول إن رياح التغيير ومبادئ الثورة قد امتدت فعلا إلى قطاع البحث العلمي، بخاصة في مصر، التي يمكن أخذها مثالا لبقية بلاد الربيع العربي؟ وهذا على اعتبار أن وضعية البحث العلمي فيها، والمتغيرات السياسية الحادثة، والمحددات الحاكمة لمستقبل هذا القطاع، تشابه إلى حد كبير مثيلاتها في تلك البلاد.

الرد على هذا التساؤل الكبير قد يبدو لأول وهلة سهلا، وقد لا تخرج الإجابة فيه عن كلمة "نعم"، لكن المتابع للوضع، والمدقق في الأمر، سيجد نفسه مضطرا للتفكير كثيرا، والمراجعة قبل الرد وإتيان البيان.

مكتسبات الثورة وواقع البحث العلمي
بالمقارنة مع الأوضاع السابقة، يفترض أن تؤدي الثورات الحادثة، سواء في مصر أو في غيرها، إلى عدد من المكتسبات. وإذا ما ركزنا على قطاع البحث العلمي، فإنه من المفترض أن يؤدي الربيع العربي إلى عودة الروح القومية وزيادة الانتماء والرغبة في العمل والبناء، وغير ذلك مما يحفز علماء الداخل والخارج على المشاركة بأفكارهم الخلاقة وخبراتهم العريضة في تطوير العملية البحثية والنهوض بها.

من المفترض أن يؤدي الربيع العربي إلى التحرر من قيود الروتين والبيروقراطية، ودعم دور العلماء، وزيادة التمويل ومخصصات البحث العلمي، وتعزيز قدرات العلم والتكنولوجيا

كما يفترض أن يؤدي إلى التحرر من قيود الروتين والبيروقراطية، ودعم دور العلماء، وزيادة التمويل ومخصصات البحث العلمي، وتعزيز قدرات العلم والتكنولوجيا بالجامعات والمؤسسات البحثية، وهذا بما يسهم في توفير المناخ العلمي الملائم، وإطلاق الطاقات ومكامن الإبداع، وتعظيم مخرجات البحث العلمي، وغير ذلك من العوامل المؤثرة والفاعلة في تحقيق النهضة العلمية المنتظرة.

وبالنسبة لقطاع التعليم، الذي يرتبط ارتباطا وثيقا وجذريا بالبحث العلمي، يفترض أن يقود الربيع العربي إلى القضاء على المشكلات الأزلية التي يعاني منها هذا القطاع الحيوي، وأبرزها التسرب من التعليم وعدم الإقبال على دراسة المواد العلمية، وضعف تدريس العلوم والرياضيات في المدارس والجامعات، وتدني حال المعلم والمستوى العلمي للخريج، وغير ذلك مما يؤثر تأثيرا مباشرا على جودة العملية البحثية، التي يمثل فيها الفرد ومستوى تعليمه وقدرته على البحث والابتكار عنصرا أساسيا ومحوريا.

المتفق عليه أيضا أن هذه المكتسبات لا يمكن أن تتحقق بين يوم وليلة، وأن النهوض بمنظومة البحث العلمي يحتاج إلى عمل كبير، وكثير من الصبر والمثابرة، من جميع الأطراف المعنية. ورغم أن هذا مفهوم ومستوعب، فإن تقييم الواقع الحالي، بعد مرور أكثر من 16 شهرا بعد ثورة 25 يناير، وهي فترة ليست بالقليلة على أي حال، يوضح أن إدارة أمور البحث العلمي في مصر لا تسير على نحو مرض أو يبدو أنها تمضي في مسارها الصحيح المفترض، ولدينا في هذا أكثر من مؤشر ودلالة.

وأولى هذه المؤشرات كثرة تغيير وزراء التعليم العالي والبحث العلمي فيما بعد الثورة (4 وزراء خلال 16 شهرا)، وتكرار فصل وضم البحث العلمي للتعليم العالي، وأثر هذا في تغيير السياسات الإستراتيجية وخطط التطوير، وتغيير كذلك الفكر الموجه ودفة الإدارة غير ذات مرة.

ومن المؤشرات الأخرى عدم وضوح الرؤية واستمرار حالة التخبط الإداري، وهو ما يتضح مثلا من اضطرار وزير التعليم العالي السابق لإعادة النظر في تشكيل لجان ترقية أساتذة الجامعات بسبب الطعون الكثيرة التي قدمت بحقها. ويتضح كذلك من الثغرات الكثيرة الموجودة بقانون الجامعات الجديد، الجاري مناقشته حاليا، الذي أثار اعتراضات كثيرة من قبل الأكاديميين، أدت إلى دخول عدد من الجامعات في إضراب عام ومتجدد.

كما يتضح من الموافقة على إنشاء أكثر من كلية جامعية في ذات التخصص في أكثر من موقع خلال الفترة الوجيزة السابقة، دون أن تكون هناك أولوية أو حاجة فعلية لذلك، سواء من حيث سوق العمل أو من حيث أعداد الطلبة الوافدين. ولنأخذ كليات الثروة السمكية والدراسات البحرية مثالا، حيث جرى مؤخرا افتتاح أو الموافقة على إنشاء عدد منها دفعة واحدة في كل من السويس وكفر الشيخ وأسوان والإسكندرية، وهذا إضافة إلى ما هو قائم حاليا في القاهرة والإسكندرية وأسيوط والإسماعيلية!

صحيح أن الثورة أخرجت قطاع البحث العلمي من حالة الجمود التي كان كامنا فيها، لكن من دون أن يتبع هذا ضبطا لجودة الأداء، أو يترجم لمخرجات حقيقية أو مطلوبة

أما أسوأ هذه المؤشرات، في تقديرنا، فهو اضطرار الجامعات ومراكز البحوث، بضغط من المظاهرات الفئوية والاحتجاجات الدائرة، إلى تعيين أعداد كبيرة للغاية من حملة الماجستير والدكتوراه بالجامعات والمراكز البحثية، وهذا بما يفوق قدرتها الاستيعابية وإمكانياتها الأكاديمية والمعملية. في جامعة الأزهر، مثلا، جرى تعيين أكثر من 4000 عضو جديد دفعة واحدة، ونسبة مؤثرة منهم كانت معينة أصلا بمراكز بحثية وأماكن أخرى، على ما يعنيه هذا من تفريغ هذه المراكز من كوادرها الشابة والمدربة.

أما من حيث الروتين والبيروقراطية، فلا يزال الأمر يراوح مكانه، وما زال على الباحث ومنه كاتب هذا المقال الانتظار طويلا واستيفاء إجراءات كثيرة، من أكثر من جهة إدارية وأمنية، من أجل الحصول على التمويل، أو جمع عينات من منطقة حقلية ما، أو السفر للخارج للاشتراك في مؤتمر أو حتى للتعاون مع أحد الباحثين الخارجيين، تماما كما كان الحال في السابق، من دون أي تغيير!

كذلك لا يجب إغفال الدور السلبي المباشر لوضعية الشارع المصري الحالية، المتمثلة في كثرة الاحتجاجات وتكرار قطع الطرق الرئيسية وحالات الانفلات الأمني، وغير ذلك من مظاهر الفوضى السائدة، ودور ذلك في تدهور حالة بعض المؤسسات البحثية في مصر، وإلحاق الضرر ببعض منشآتها، أو تعطيل سير العمل بها. ومن أشهر الأمثلة الموثقة على ذلك، الاستيلاء على أراضي المحطة النووية المزمع إقامتها بمنطقة الضبعة، وتعرض منشآتها ومعظم الأجهزة العلمية الكائنة بها للسلب والنهب، وكذلك حادثة طرد الباحثين والاستيلاء على المنشآت والأجهزة الخاصة بمركز بحوث الإنتاج الحيواني التابع لوزارة الزراعة في غرب الإسكندرية، ونهب وسلب فروع مركز بحوث الصحراء في كل من المطرية والشيخ زويد وبرج العرب. وغير ذلك من الأحداث الموثقة والمعروفة تفاصيلها.
كذلك لا نستطيع القول إن مناخ البحث الحالي ملائم تماما أو جاذب لعودة علماء الخارج، أو إن هناك طفرة في الإمكانيات المتاحة، أو إن وضعية هذا أو ذاك تشجع على شحذ الهمم أو إطلاق الطاقات، ويكفي في هذا الإشارة إلى ما يلاقيه حاليا مشروع مدينة زويل البحثية، وزويل نفسه، من هجمة غير مسبوقة، وإساءات رخيصة وغير موضوعية، تجعل كل باحث أو عالم في المهجر يفكر ألف مرة قبل أخذ قرار العودة.

وهذا كله لا ينفي بالطبع تحقيق بعض التقدم وبعض المكاسب الجوهرية، لكن الثابت أيضا أن هذه المكاسب لم يتم استثمارها بالشكل الأمثل، ولم ينتج عنها حتى الآن أي طرح مثمر. صحيح أن الثورة أخرجت قطاع البحث العلمي من حالة الجمود التي كان كامنا فيها، وصحيح أن مخصصات هذا القطاع ومرتبات الباحثين قد زادت قليلا، لكن من دون أن يتبع هذا ضبط لجودة الأداء، أو يترجم لمخرجات حقيقية أو مطلوبة.

المحددات الحاكمة والمآلات المحتملة
على الرغم من الصورة الضبابية الغائمة المرسومة سابقا لواقع البحث العلمي في مصر فيما بعد الثورة، فإن الفرصة لا تزال سانحة لتصحيح الوضع وتحقيق التقدم المنشود. وهذا الأمر ستحدده ثلاثة محددات أو اعتبارات حاكمة وأساسية، من دونها يمكن أن يتحول قطاع البحث العلمي إلى مسار آخر.

الآمال تتجه صوب سباق الانتخابات الرئاسية المصرية، بأن يثمر هذا السباق تولي قيادة رشيدة وملهمة تحقق مكتسبات الثورة، ومن بينها وضع التعليم والبحث العلمي

وأولى وأهم هذه المحددات تتمثل في تطورات الوضع السياسي للدولة خلال الفترة القادمة، والمدى الزمني المطلوب لعودة الاستقرار للبلاد. فمن بداهة الأمور أن استمرار الخلافات السياسية، أو تعثر انتقال السلطة في مصر لأي سبب، ومن ثم إطالة عمر المرحلة الانتقالية، سوف يؤدي بالتبعية إلى استمرار منهج الفوضى وغيبة هيبة الدولة، وإلى استمرار بقية التداعيات السيئة المؤثرة سلبا على قطاع البحث العلمي وعلى مناخ العمل المحيط. 

وثاني هذه المحددات يتعلق بنتائج انتخابات الرئاسة المصرية ذاتها، وقدرة القيادة الجديدة المنتخبة على شحذ الهمم ودفع البلاد نحو النهوض وتحقيق الطفرة العلمية المنشودة. ولا يخفى على أحد دور هذا العامل تحديدا، ودور الإرادة السياسية عموما، في إصلاح أحوال التعليم والبحث العلمي وفي إحداث النهضة الشاملة، ويكفي هنا أن نذكر القارئ بأن الصحوة الإسلامية التي حدثت أيام الخلافة العباسية لم يكن لها أن تتحقق من دون تشجيع الخليفة العباسي المنصور ومن بعده المأمون لحركة الترجمة ورفع مكانة العلم والعلماء، حتى قيل إن الأخير كان يمنح وزن الكتاب الذي أنجزت ترجمته ذهبا لصاحب الترجمة.

من هذا المنطلق، فإن الآمال تتجه صوب سباق الانتخابات الرئاسية المصرية بأن يثمر هذا السباق تولي قيادة رشيدة وملهمة بحق، يمكنها إدارة البلاد بطريقة كفؤة خلال الفترة القادمة الحرجة، ومن ثم تحقيق كافة مكتسبات الثورة، ومن بينها وضع التعليم والبحث العلمي على رأس الأولويات.

المحدد الثالث الحاكم لمنحى ومستقبل البحث العلمي في مصر، يتعلق بكيفية إدارة منظومة هذا القطاع خلال المرحلة القادمة. وبديهي هنا أن الدقة في اختيار الكفاءات الحكومية والوزارية المرشحة لتولي حقيبة البحث العلمي خلال هذه الفترة، وتوفير عاملي الاستقرار والاستمرارية لها، وسبل الدعم المادي والمعنوي، سوف يقود إلى نتائج إيجابية كثيرة ومنطقية، ليس أقلها رفع معدلات الأداء، وتعظيم مخرجات البحث، وزيادة ربطها بالصناعة، والنهوض من ثم كليا بالعملية البحثية.

وفي هذا السياق، لا يجب نسيان أهمية وفاعلية الأطر والسياسات المنظمة في ضبط جودة الأداء، وإطلاق الطاقات، وهذا يوضح دور الكفاءة والفكر الخلاق في إدارة وتسيير منظومة البحث. كما لا يجب نسيان أن المجتمع العلمي نفسه تقع عليه مسؤولية كبيرة في دفع العمل والمشاركة بفعالية وجدية في النهوض بالعملية البحثية وتعظيم مخرجاتها.

أركان الحل وبواعث النهضة
تقوم العملية البحثية، كما هو معروف، على أربعة ركائز رئيسية، تتمثل في المجتمع العلمي المعني والمناخ المحيط ونسبة التمويل المتاحة والأطر المنظمة، لذا فإن النهوض بهذه العملية، ورفع معايير الجودة المرتبطة بها، لا يمكن أن يتحقق إلا بتقوية ودعم كل هذه الركائز مجتمعة.

ومن هذا المنطلق، لا يجب أبدا التركيز على حل واحد بعينه، مثل زيادة مخصصات قطاع البحث العلمي، أو مداخيل الباحثين والأكاديميين، باعتباره حلا سحريا وشاملا لكل المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع.

لا يجب نسيان فضل الثورة المصرية في إخراج قطاع البحث العلمي من حالة الركود التي كان قابعا فيها طوال العهود السابقة، وفي إحياء الأمل في إمكانية الأخذ بناصية العلم ودفع العملية البحثية 

بل يجب أن يشمل الحل عناصر أخرى أساسية وحيوية، ومنها توفير البيئة العلمية الممكنة، والعمل على الارتقاء بالقدرات العلمية والفنية للباحثين، والتحفيز على التميز والابتكار، وتطبيق معايير جودة الأداء. كما يجب أن تشمل منظومة الإصلاح وضع أولويات للبحث، والتوسع في إنشاء مراكز التميز العلمي، وتعزيز الصلة بين البحث وقضايا التنمية، وغير ذلك مما يمكن أن يؤدي إلى وضع قطاع البحث العلمي على الطريق الصحيح، وتحقيق النهضة العلمية المأمولة.

وفي كل الأحوال، وأيا ما كانت سبل الحل المنتهجة، فإنه لا يجب نسيان فضل الثورة المصرية في إخراج هذا القطاع الشهيد من حالة الركود التي كان قابعا فيها طوال العهود السابقة، وفي إحياء الأمل في إمكانية الأخذ بناصية العلم ودفع العملية البحثية ووضع البلاد ضمن مصاف الدول المتقدمة أو الناهضة.

هذا وإن تعثر الحال أو بدا أن هناك تخبطا في اتخاذ قرار ما، أو اعتلالا مؤقتا للرؤية، خلال المرحلة السابقة الانتقالية. من هنا فإنه يجب البناء على ما سبق، واستغلال روح الثورة في تعويض كل ما فات، واستكمال الطريق، من أجل أن ينعم أولادنا بمستقبل أفضل، وتنعم مصر بمكانة أعظم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك