عبد الحكيم هلال

عبد الحكيم هلال

كاتب وصحفي يمني


يواجه الرئيس اليمني الجديد، عبد ربه منصور هادي، رزمة كبيرة من المشاكل المعقدة، المتداخلة والمتنوعة بين سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، كان قد ورث معظمها –إن لم يكن جلها- من النظام السابق.

وورث هادي بلدا شبه فاشل, فهو إلى جانب أنه أصبح في حكم المنهار اقتصاديا، مازالت الاختلافات والتوترات السياسية محكومة –حتى اليوم- بانعدام الثقة، مع توسع ملحوظ للتشظيات الاجتماعية، في وقت مازالت فيه المؤسسة العسكرية منقسمة إلى جبهتين شبه متكافئتين بالقوة: الأولى تتبع عائلة رأس النظام السابق، بينما الأخرى تتبع القيادات العسكرية المناصرة للثورة الشعبية.

في الواقع، ربما كان هادي –قبل انتخابه رئيسا توافقيا في 21 فبراير/شباط الماضي– يدرك تماما أنه سيرث تركة ثقيلة من نظام كان هو نفسه جزءا منه، إلا أن المرجح أنه حين قبل بذلك، ربما كان ينظر إلى مستقبل البلاد بعيون المجتمع الدولي، الذي قدم وعودا مغرية والتزامات كبيرة بالمساعدة والوقوف إلى جانبه خطوة بخطوة، في سبيل حلحلة كافة تلك القضايا، وبشكل خاص خلال فترته الرئاسية المحددة بعامين من بداية انتخابه.

غير أن جزءا مما يحدث اليوم، قد يضع هادي أمام أعباء إضافية، من حيث مواجهة مصالح دولة عظمى، أكثر تأثيرا كأميركا, سواء تجاوب كليا مع رغباتها في توسيع نطاق عملياتها في محاربة الإرهاب، أم حتى في حال أبدى تجاوبا جزئيا مشروطا، لكنه قد يخرج عن السيطرة، تبعا لما قد تفرضه حاجته الماسة إليها للمساعدة في التخلص من التحدي الأكبر والمشترك، القادم من تنظيم القاعدة.

مع انتخاب هادي رئيسا، لوحظ تصاعد سيطرة القاعدة على عدة مناطق جنوبية، تركزت معظمها في محافظة أبين التي ينتمي إليها الرئيس، وهو ما يعد تحديا شخصيا له

مواجهة القاعدة.. أكثر الأولويات الملحة
مع أنه كان جزءا من النظام السابق، الذي خاض اليمنيون ثورة عارمة لإزاحة رموزه عن السلطة مع مطلع عام 2011، إلا أن رجلا هادئا، كـ "هادي"، كان هو الخيار الوحيد المتاح –كحل توافقي- أمام إتمام الصفقة السياسية، التي قادها المجتمع الدولي، عبر المبادرة الخليجية.

ولقد قبل الرجل بأن يكون هو المنقذ، بكونه الأنسب، مدركا في حينه أن المرحلة التي أسندت إليه، ستكون هي الأخطر في تاريخ البلاد. طبقا لتصريحات متكررة أصدرها في مناسبات مختلفة. ومع ذلك، فربما أصبح من الممكن القول: إن "هادي"، اليوم، ربما بات يدرك –أكثر من السابق- حجم وعظم المخاطر والصعوبات، والعوائق التي سيتوجب عليه مواجهتها، وتجاوزها لإنقاذ البلاد.

ومع انتخابه رئيسا، لوحظ تصاعد سيطرة هذا الفرع الإرهابي على عدة مناطق جنوبية، تركزت معظمها في محافظة أبين التي ينتمي إليها "هادي"، ما اعتبر بمثابة التحدي له شخصيا. وبدا أن مثل هذا المتغير، انعكس على تحديد الأولويات الأكثر أهمية على المدى القصير في أجندة الرئيس الجديد. وبحيث بات من الملاحظ أن المسألة الاقتصادية العويصة، أو إشكالية الخلافات والتجاذبات السياسية، القائمة على أساس من انعدام الثقة بين طرفي المعادلة السياسية المورثة من الماضي، وربما، في السياق أيضا، تلك التشظيات الاجتماعية المتوسعة، لم تعد هي القضايا الرئيسية الهامة التي يفترض بها أن تثير اهتمام ومخاوف الرجل بقدر ما كانت تقلقه أكثر مسألة توسع وانتشار وطغيان حضور فرع تنظيم القاعدة في اليمن، المعروف بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وحتى حين كانت تحضر تلك القضايا الأخرى، باعتبارها رئيسية في مجال اهتماماته.. كان يمكننا –بقليل من التركيز- أن نتأكد، غالبا، من حضور قضية الحرب على القاعدة، بشكل أو بآخر، باعتبارها -في نهاية المطاف– هي القضية الأكثر أولوية.

وعلي سبيل المثال، كان قرار إقالة قائد المنطقة العسكرية الجنوبية، مهدي مقولة، الموالي لرئيس النظام السابق، والذي أصدره "هادي" مباشرة كأول قرار بعد انتخابه، قد اعتبر على أنه يجسد أحد أهم الأهداف الملحة للثورة (المتمثل بإزاحة وإقالة أتباع وأنصار النظام السابق).

فيما اعتبر بالنسبة للرئيس هادي والداعمين الغربيين له، قرارا ملحا يدخل في سياق الترتيب لمواجهة تنظيم القاعدة هناك. لاسيما بعد التشكيكات المتواترة والاتهامات المتكررة بوجود تعاون وإسناد للقاعدة هناك من جهة قيادة تلك المنطقة العسكرية.

ناهيك عن أنه قد لوحظ تحسن واضح في تصاعد وتيرة وقوة ونجاحات العمليات العسكرية في مواجهة المجموعات الإرهابية المسلحة في المناطق والمساحات التابعة لتلك المنطقة العسكرية، والتي كان التنظيم سيطر عليها بسهولة.

القرارات الرئاسية الأخيرة
وفي 6 أبريل/ نيسان الماضي، أصدر الرئيس الجديد حزمة قرارات رئاسية -وصفت بالهامة والجريئة– استهدف بها إقالة واستبدال رموز وقيادات عسكرية بارزة. ومع أنه كان يدرك مسبقا أن معظمها ستثير حفيظة مراكز القوى التي مازالت قابضة على مفاصل المؤسسة العسكرية، وبالتالي من المتوقع جدا أنها (أي تلك القرارات) سترمي به إلى بداية المواجهة في أتون معركة داخلية يدرك أنها لن تكون سهلة, إلا أنه ربما كان قد أدرك، أيضا، أن هذه المعركة -حتمية الحدوث- سيتوجب عليه البدء بخوضها الآن، لتعزيز قوته وسيطرته على مفاصل الجيش كرئيس شرعي منتخب وقائد أعلى للقوات المسلحة.

وبدون ذلك، أو في حال تأخر الأمر، فإن "أنصار الشريعة"، الجماعة "الإرهابية" التابعة للقاعدة، والتي أعلنت نفسها بهذا الاسم في محافظة أبين وما جاورها، سيتاح لها المجال لتنجح أكثر في تعزيز حضورها هناك، وربما إلى الحد الذي قد يصعب عنده النجاح في فكفكتها لاحقا، لاسيما مع إعلانها إحراز المزيد من النجاحات ضد القوات العسكرية المرابطة، في الوقت الذي كان يزداد فيه ضعف الجيش وانكساراته في ظل استمرار الانقسام والتشتت وتعدد الولاءات بين القيادات العسكرية التي يتبع بعضها –وأهمها- المعسكر المحسوب على النظام السابق.
أصدر الرئيس هادي حزمة قرارات رئاسية كان يدرك أنها لا بد منها لتعزيز قوته وسيطرته على مفاصل الجيش كرئيس شرعي منتخب وقائد أعلى للقوات المسلحة

الواقع أن تلك القرارات لم تنفذ كاملة، وبشكل خاص من جهة الطرف التابع للرئيس السابق. وبصورة أكثر تحديدا، فقد تمرد عليها قائد القوات الجوية اليمنية، محمد صالح الأحمر، الأخ غير الشقيق لصالح، وكذا طارق محمد عبد الله صالح، نجل شقيق صالح، والذي كان عين قائدا للواء الثالث حرس جمهوري مدرع (أكبر الألوية العسكرية المحيطة بالعاصمة صنعاء) بقرار أصدره مؤخرا أحمد علي، نجل صالح، وقائد الحرس الجمهوري (القوة العسكرية الأكثر عددا وعتادا وتدريبا في اليمن).

وكان قرار أحمد علي، هذا، فسر على أنه إجراء احترازي هدف إلى محاولة تأمين قيادة هذا اللواء الضارب، بإسناده إلى إمرة ابن عمه، والذي كان أصدره بعد أيام من انتخاب هادي، وقراره الأول بإقالة قائد المنطقة الجنوبية. لكن هادي اعتبر ذلك التصريف تحديا لسلطاته العليا على القوات المسلحة، ليعمل لاحقا على تغييره في سياق قراراته الأخيرة.

وحتى الآن، ما زال نجل شقيق الرئيس يرفض تنفيذ القرار، فيما رضخ الأول، مؤخرا، ووافق على تسليم قيادة القوات الجوية، في 24 أبريل/نيسان، أي بعد 18 يوما من التمرد، تحت ضغوطات وتهديدات المجتمع الدولي بإمكانية فرض عقوبات دولية في حال استمر التمرد.

وقبل يومين فقط، من إعلان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، جمال بن عمر (الذي حضر في 18 أبريل/نيسان، لحل الإشكالية) عن نجاحه في إقناع صالح وأخيه غير الشقيق على التنفيذ والتسليم، بعث السفير الأميركي بصنعاء، برسالة واضحة –في مؤتمر صحفي مصغر، الأحد 22 أبريل/نيسان– حين أكد أن التغييرات الرئاسية الأخيرة انعكست بشكل إيجابي على عمليات الجيش في أبين ضد تنظيم القاعدة، وأن قرارات الرئيس يجب أن تنفذ كاملة، موصيا بعدم التراجع عنها.

توسيع الضربات الجوية الأميركية
لعل من المناسب أن تقرأ تصريحات السفير الأميركي السابقة في إطار التحركات الأميركية الأخيرة في اليمن لتوسيع إستراتيجيتها بشأن الضربات الجوية للطائرات بدون طيار التابعة لها. حينها ربما يمكننا القول إن السفير كان يبعث رسالة مزدوجة، بحيث كان الجزء الواضح والمباشر فيها تهديدا موجها إلى المتمردين على شرعية الرئيس، بضرورة الانصياع. بيد أن الجزء الأخر، غير المباشر، قصد به إبلاغ الرئيس هادي، أن الحكومة الأميركية تعلن بقوة وقوفها مع قراراته الرئاسية.

وبالنظر إلى الحوارات الجانبية التي تواصلها الإدارة الأميركية مع الرئيس هادي، وأخذا بالاعتبار تركيز وحاجة هذا الأخير إلى محاربة تنظيم القاعدة، فإنه سيمكننا القول بأن تصريحات السفير الأميركي تلك، كانت تصب في مصلحة تقوية سلطات هادي الرئاسية، طالما أنها ستفضي إلى تحقيق مصالح الطرفين.

وفي 26 أبريل/نيسان نشرت وكالة أسوشيتد برس –مقرها الرئيسي في نيويورك– تقريرا ضمنت فيه تصريحات على لسان مسؤولين أميركين ويمنيين، أكدت على حاجة الرئيس اليمني "هادي" للدعم والمساندة الأميركية في القضاء على القاعدة. ومع أنها قالت إنه منح الضوء الأخضر لوكالة الـ(CIA) لتنفيذ ضربات جوية عبر الطائرات بدون طيار، إلا أنها أكدت أيضا على أنه قصرها على ما يسمى بـ"الضربات المفوضة"، أي تلك التي يتم الموافقة عليها مسبقا. كما يجري الأمر في باكستان. وذلك خوفا من تعرض المدنيين للقتل، مما قد يؤدي إلى المزيد من العداء القبلي العشائري ضد الحكومة اليمنية.

يأتي ذلك، فيما كانت تقارير نشرت –في اليوم نفسه– بواسطة وسائل إعلام أميركية –بشكل خاص– تحدثت عن مصادقة البيت الأبيض –في وقت سابق من هذا الشهر- على قرار توسيع نطاق ضربات الطائرات الأميركية –بدون طيار– في اليمن. وإن كانت نوهت إلى أن المسؤولين الأميركيين أكدوا "على أن الغارات الأميركية في اليمن ستظل مفروضة عليها الكثير من القيود، بشكل أكبر مما هو الحال عليه في باكستان" حسب واشنطن بوست.

وبحسب المعلومات المنشورة في الصحافة الأميركية، فإن المحادثات بخصوص توسيع نطاق البرنامج كانت قد بدأت في ديسمبر/كانون الأول الماضي. أي بعد توقيع الرئيس اليمني السابق على المبادرة الخليجية، التي قضت بتفويض هادي في معظم صلاحياته الرئاسية، مع بقاء صالح رئيسا لمدة ثلاثة أشهر تنتهي بانتخاب هادي رئيسا توافقيا.

رغبة الولايات المتحدة في توسيع ضربات طائراتها -بدون طيار- ضد أهداف إرهابية, تشكل مبررا قويا للإدارة الأميركية في الانحياز الواضح والمعلن لدعم الرئيس هادي وقراراته 

أعباء إضافية في حضن الرئيس
إجمالا، يمكن القول إن رغبة الولايات المتحدة في توسيع ضربات طائراتها -بدون طيار- ضد أهداف إرهابية وأفراد بمجرد الشك بأنهم على علاقة بتنظيم القاعدة في اليمن، حتى دون أن يكون قد تم التأكد تماما من هويتهم وانتمائهم للقاعدة، تبرز -جنبا إلى جنب مع رغبة الرئيس هادي في توسيع التعاون والدعم الأميركي للتخلص من سيطرة وحضور تنظيم القاعدة في اليمن- لتشكل مبررا قويا للإدارة الأميركية في الانحياز الواضح والمعلن لدعم الرئيس هادي وقراراته. كما قد يشكل الأمر ذاته، مع رفع وتيرة الدعم والتأييد الأميركي المعلن، مبررا لرضوخ هادي وتجاوبه اللاحق مع الرغبات والمصالح الأميركية.

على أن ذلك، يعتقد بأنه في الوقت الذي يمكن أن يمثل قوة إضافية للرئيس هادي تمكنه من مواصلة إصدار قرارات أخرى، أكثر قوة وجراءة، في سبيل فرض سيطرته وشرعيته الرئاسية على المؤسسة العسكرية، بداية، ثم وصولا إلى إعادة السيطرة على كامل البلاد، والنجاح في إضعاف تنظيم القاعدة واستعادة المناطق التي خرجت عن السيطرة. فإنها –ومن زاوية أخرى- قد تمثل عبئا إضافيا عليه، لاسيما في حال انعكست إستراتيجية توسيع نطاق عمليات الضربات الأميركية الجوية سلبا على المدنيين من غير المقاتلين في تلك المناطق. وأن مثل تلك الانعكاسات السالبة، لن تطال فقط ولاءات رجال القبائل المتضررين، بل أكثر من هذا، فهي ربما تتجاوز ذلك لما هو أبعد بحيث تطال عملية الحوار الوطني القادم الذي بدأ الشروع في التحضير له هذه الأيام.

وأخيرا، ربما كان من المهم التأكيد على أن احتمال كهذا، مازالت نسبة ترجيح حدوثه مرتفعة بشكل كبير جدا، طالما وأن أجزاء كبيرة ومهمة من المؤسسة العسكرية، والأمنية في اليمن، بما فيها قوات مكافحة الإرهاب، مازالت تحت سيطرة وقيادة عائلة رئيس النظام السابق. وبشكل أكثر تحديدا يمكن تخصيص الحديث أكثر على الاستخبارات اليمنية التي مازالت كلية تحت سيطرة عمار محمد عبد الله صالح، نجل شقيق الرئيس السابق، ووكيل جهاز الأمن القومي، المعني بتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الجانب الأميركي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك