أسامة أبو ارشيد

أسامة أبو ارشيد

كاتب فلسطيني مقيم في واشنطن, من مواليد القاهرة (مصر) عام 1973

 

بصرف النظر عن كون ترشيح جماعة الإخوان المسلمين في مصر للدكتور محمد مرسي للرئاسة قرارا سياسيا مصيبا أو مخطئا، فإن هذا لا ينفي أن حق الترشح من حيث المبدأ حق أصيل لأي تيار سياسي أو فكري في مصر، بل ولأي مواطن مصري، فكيف لو كان هذا التيار هو التيار الأكبر والأكثر تنظيما وشعبية في مصر، كما هو حال الإخوان اليوم؟!

فحكمة ترشيح مرسي، بعد استبعاد المهندس خيرت الشاطر من قبل لجنة انتخابية تَمُتُّ شخوصها إلى الحقبة "المباركية" وبناء على اتهامات سياسية أدين بها الرجل في ذات الحقبة البائدة، أمر قابل للخضوع لقراءات سياسية متعددة، وهي قراءات قابلة للنقض والتقويم والتثبيت ضمن سياقات سياسية مختلفة. وبالتالي يصعب الجزم بأن طرفا ما يملك الحقيقة، سواء في جانب المؤيدين أم في جانب المعارضين لهذه الخطوة.

ينبغي أن يتحول النقاش إلى مسألة الحكمة السياسية من وراء قرار الإخوان خوض الانتخابات الرئاسية بدلا من التشكيك في نواياهم وإخلاصهم للمصلحة العليا للوطن، واتهامهم كما يفعل البعض

الإخوان المسلمون قدموا مبرراتهم لإعادة النظر في مسألة الترشح للرئاسة، وهي مبررات ذات قيمة وصدقية. فكون أغلبيتهم البرلمانية أضحت لا قيمة لها في منظور المجلس العسكري وأصبحت عبئا عليهم (أي على الإخوان) في نظر الشارع الذي انتخبهم.. وكون الحكومة التي ينتمي رئيسها عمليا لـ"فلول" حقبة مبارك لا تبدي أي احترام للمجلس ولتشريعاته ودوره الرقابي، بل تعمد إلى خلق أزمات لأغلبيته البرلمانية لإحراجها شعبيا.. وكون المحكمة الدستورية بذات الشخوص "المباركية" تنظر في حل البرلمان.. هذا فضلا عن أن الثقة الشعبية التي مُنِحَتْ للإخوان أصبحت محل "تحقير" من قبل خصومهم السياسيين الذين يسعون لتفريغها من محتواها، كما في مسألة أحقيتهم في لعب دور مركزي في صياغة الدستور (مع التحفظ على الطريقة التي شكل بها الإخوان وحزب النور السلفي اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور)، غير أن المشكلة الحقيقة أن خصوم الإسلاميين بشكل عام، والإخوان بشكل خاص، يعارضون أي دور للإخوان على أساس أنهم التيار الشعبي والسياسي الأول، سواء صغر هذا الدور أم عظم..

كل هذا يعني أن للإخوان وجهة نظر، ووجهة نظر معتبرة وقيمة ينبغي أن تؤخذ في الحسبان. وبالتالي فينبغي أن يتحول النقاش إلى مسألة الحكمة السياسية من وراء هذا القرار أو ذاك، بدل التشكيك في نوايا الإخوان المسلمين وإخلاصهم للمصلحة العليا للوطن، واتهامهم كما يفعل البعض -بمن فيهم إسلاميون على خصام مع الإخوان- بأنهم قدموا مصالح وحسابات الجماعة على مصلحة المجتمع!

إذن، المشكلة ليست في قضية الترشح للرئاسة بعد أن قال الإخوان في السابق إنهم لن يطلبوها، ولا هي في سعيهم الآن لتشكيل الحكومة بعد أن اتضحت معالم لعبة العسكر لحرق شعبيتهم في البرلمان "المنزوع الدسم والصلاحيات" حتى هذه اللحظة.. المشكلة أكبر من ذلك، إنها مشكلة تتعلق بنظرة البعض إلى الإخوان. فمنهم من لا يراها إلا جماعة منكوبة، مطاردة، وغير شرعية، وهذه رؤية خصومها السياسيين من التيارات الأخرى، في حين يريد بعض الإسلاميين المستقلين أو من تيارات أخرى أن يضعوا الجماعة تحت الوصاية، على أساس أنها كتلة غير عاقلة ولا تفقه السياسة التي يفقهها أولئك المتفذلكون.

الطرف الأول لا يهم كثيرا، ذلك أن السياسية هي لعبة "اللاأخلاق واللاقيم". وبالتالي فالتيارات السياسية والفكرية الأخرى المعارضة للإخوان يلعبون اللعبة بقوانينها الطبيعية "القذرة". وسواء أحببنا ذلك أم كرهناه، فإن هذه هي قوانين اللعبة، وأي حديث عن "المدينة الفاضلة"، وسحب الأخلاق الفردية على الأخلاق السياسية في فضاء التدافع السياسي القائم اليوم يغدو ترفا وتوهمات لأناس غير ذوي صلة بالواقع كما هو.

ومشكلة الإخوان الحقيقية ستكون في حال عجزهم عن إدراك هذه الحقيقة، مع ضرورة مراعاة أن دخولهم اللعبة ضمن قوانينها "القذرة" في مواجهة هذه التيارات، لا ينبغي أبدا أن ينسحب على تعاملهم مع الشعب والوطن. فتميزهم لن يكون إلا بصدقهم وإخلاصهم لقضايا الأمة والوطن.
غير أن المشكلة الحقيقة هي في الطرف الثاني المكون من بعض الإسلاميين والذين يريدون أن يفرضوا على الجماعة وضعية "السفيه السياسي" المحتاج إلى وصاية عاقل راشد عليه، بل وربما حتى الحجر عليه!

إنهم ذات الأشخاص الذين زعموا في الأمس أن الإخوان حاولوا التوصل إلى صفقة سرية مع نظام مبارك ثمّ مع المجلس العسكري ضد الثورة وبنوا اتهاماتهم على أساس انحياز لمعلومات غير موثقة زعمها "إخوانيون سابقون" في حين رفضوا معلومات زعمها الإخوان في المقابل عن حقيقة ما جرى.. وهم ذاتهم الذين اتهموا الإخوان بخذلان الثورة لأنهم آثروا السير في طريق الانتخابات بناء على اقتناعهم (أي الإخوان) بضرورة ملء الفراغ الدستوري الذي يَشْغَلُهُ العسكر واقعا وقد يَؤلَفونَهُ ومن ثمّ فقد يرفضون مغادرة موقع السلطة.. وهم الذين يتهمون الإخوان اليوم بأنهم يريدون "التكويش" على كل السلطة في مصر عبر سعيهم للرئاسة.. إلخ.

بالنسبة لهم، الإخوان مخطئون في السراء والضراء، ومن ينطلق من منطق كهذا يصعب أخذ مؤاخذاته على الفعل السياسي للإخوان بجدية، حتى ولو كانت انتقاداته تمثلا رأيا معتبرا.
شخصيا، كنت أتمنى أن يدعم الإخوان الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. فهو رجل كفء، وثقة، وصاحب تاريخ معروف ومشرف، سواء كان ذلك في مصر أم في الجماعة. ولا أظن أن هناك محبا للإخوان ومدركا لقيمة هذه الحركة في صيرورة التغيير في مصر ومناطق عربية أخرى، لا يتمنى أن تعيد الجماعة النظر في علو حس مركزية التنظيم عندها على حسابات الانفتاح والمصلحة العامة في بعض الأحيان.

أن يتحول ترشح الإخوان للرئاسة من مجرد وجهة نظر قد تصيب وقد  تخطئ، إلى طعن ومبالغة وإسفاف في الاتهام، فهذا لا يعني إلا تقديم الحقد والخصومة مع الإخوان على تقوى الله ومصلحة مشروع التغيير والثورة

ولكن أن يتحول هذا من مجرد وجهة نظر قد تصيب وقد تخطئ، وأن يتحول من رجاء وإشفاق على مصلحة الإخوان والمصلحة العامة إلى طعن ومبالغة وإسفاف في الاتهام، فهذا لا يعني إلا تقديم الحقد والخصومة مع الإخوان على تقوى الله ومصلحة مشروع التغيير والثورة. وضمن هذا السياق فأن يصبح دعم أبي الفتوح المُتَرَشِّح بقرار ذاتي -مخالفا في ذلك لقرار الجماعة عندما كان لا يزال عضوا فيها- معيارا لوفاء الجماعة للوطن فهذا فيه الكثير من التجني.

أبو الفتوح نفسه وقبل أيام قليلة من سقوط حسني مبارك أكد عبر شاشة الجزيرة أن الإخوان لن يترشحوا للرئاسة ولن يشاركوا في الحكومة، واعتبر أن عمر سليمان شخصية وطنية. الظروف تغيرت، ومعها تغيرت وجهة نظر الرجل، ما المشكلة في ذلك!؟ ولماذا يعطى هو حق مراجعة رأيه ولا تعطى الجماعة ذات الحق بناء على تغير الظروف والمعطيات!؟
أيضا، أليس من حق الجماعة أن تخشى من حديث أبي الفتوح عن عدم أحقيتها في ممارسة العمل السياسي، فماذا لو أصبح رئيسا؟ سيقول البعض إنه يرى أن الجماعة ينبغي أن تمارس العمل السياسي عبر حزبها "الحرية والعدالة".

وهذا صحيح، ولكن الإخوان جماعة قائمة ولها حساباتها السياسية، وأي عاقل سيدرك أن غياب ثقل الجماعة من وراء الحزب سيعني تحجيمه، أي تحجيمها هي استتباعا. أليست هذه مصلحة سياسية مشروعة يحق للجماعة أن تأخذها في عين الاعتبار!؟ وأي تأثير سلبي لذلك على الوطن!؟

هذه مسألة سياسية ومصلحية تخضع للأخذ والرد، ولا داعي للحديث فيها بلغة فوقية متعالية ومتعالمة مع الإخوان. وهو الأمر ذاته الذي ينسحب على تخوف الإخوان من أن وصول مرشح غير مرشحهم للرئاسة قد يعني تهميشهم وأغلبيتهم البرلمانية كليا، حتى ولو كلفوا بتشكيل الحكومة. فرئيس لا يخضع لمحاسبة البرلمان، كيف سيتم التعامل معه في حال اختلاف وجهات النظر والرؤى!؟

دع عنك طبعا، أن دور الإخوان المفترض في صياغة الدستور القادم يتعرض لتهميش متعمد وتقليص مدبر منذ حل اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور. فإذا كان الإخوان والسلفيون قد أخطؤوا في سعيهم للسيطرة شبه المطلقة على اللجنة، فإن هذا لا ينبغي أن يعمي أعيننا عن خطورة محاولة تهميشهم أو تقليص دورهم لصالح جهات وتيارات هامشية، وهم الفائزون بالثقة الشعبية.

وأما الحديث عن تشتيت مرشح الإخوان لأصوات الإسلاميين، فهو حديث بلا قيمة. فلماذا لا ينسحب الإسلاميون الآخرون له حتى لا تتشتت الأصوات؟ لماذا فقط مرشح الإخوان مطلوب منه الانسحاب؟

نقطة أخرى في هذا السياق، وهي أسخف اتهام يوجه للإخوان على الإطلاق. فالعلمانيون ومن يصفون أنفسهم تعسفا بالليبراليين يقولون إن الإخوان يريدون إعادة إنتاج تجربة "الحزب الوطني" البائد في السيطرة على مقاليد الأمور كلها في مصر. أقول هذا اتهام سخيف وتافه لأسباب عدة:

أولا، فإن الإخوان لم "يتسلبطوا" على المناصب بل أخذوها بعملية ديمقراطية حرة ونزيهة. إنها أصوات الشعب لا دبابات العسكر التي أوصلتهم إلى الأغلبية البرلمانية.

ثانيا، هل يوجد عرف أو قانون يمنع أي قوة سياسية من أن تترشح لكافة المناصب في أي دولة، بما في ذلك الدول الديمقراطية العريقة؟ هل لو كان حزب الوفد، على سبيل المثال، قادرا على حصد الأغلبية البرلمانية ومن ثم الفوز بالرئاسة في مصر.. هل كان سيترفع عن ذلك؟ وقس على ذلك المصنفين أنفسهم على أنهم ليبراليون.

ثالثا، من قال إن مشاركة الإخوان في كل انتخابات تعني مغالبة لا مشاركة؟ إذا كانوا سينجحون فهم سينجحون بأصوات الشعب في انتخابات حرة ونزيهة، وإذا كانوا سيخسرون، فعندها سيعلمون وسنعلم أنهم لا يملكون الشارع كله. 

ما يغيظ النخب العلمانية وأدعياء الليبرالية ليس مدى شعبية الإخوان، بل مدى هامشيتهم هم في المجتمعات العربية والإسلامية

إن ما يغيظ تلك النخب العلمانية الدعِيَّةَ في الليبرالية ليس مدى شعبية الإخوان، بل مدى هامشيتهم هم في المجتمعات العربية والإسلامية. ولذلك تجد أنهم هم من رجوا من العسكر من قبلُ تأجيل الانتخابات البرلمانية عندما أدركوا هامشيتهم، وهم من حرض العسكر (معززين بذلك موقعهم في الحكم) في الأمس القريب على الإخوان في اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور، والآن يملؤون الدنيا ضجيجا حول احتمال فوز الإخوان في انتخابات الرئاسة.

وكلمتان أخيرتان، الأولى أظنها تلخص مشكلة العلمانيين المدعين الليبرالية.. مشكلتكم الحقيقة مع الشعوب وليس مع الإسلاميين والإخوان. فالشعوب هي من تختار هؤلاء لا هم من يختارون أنفسهم، فلماذا لا تبحثون عن شعوب أخرى لكم على مستواكم!؟ فالذي يبدو هو أنكم أنتم الكائنات الغريبة القادمة من الفضاء الخارجي لا الإسلاميون. هذا ما يقوله نبض الشعوب على الأقل آنيا. والإسلاميون ليسوا ملزمين بالاعتذار عن مدى شعبيتهم، ولا ينبغي أن يفعلوا ذلك.

أما الكلمة الثانية فهي موجهة إلى محترفي صنعة جلد الذات والاغترار بالنفس والمستوى مقارنة بالإخوان "السطحيين". فمشكلتكم تكمن في أن حساسيتكم من الإخوان تفقدكم الموضوعية في مقاربة الأمور وتحديد الموقف. وما التشكيك في النوايا والحديث في الشخصانيات إلا دليل انعدام الاتزان في قراءة المشهد بكليته.

فالذي يغار على دعوة أو مصير ثورة، كثورة مصر العظيمة، لا يغرز خنجرا آخر مسموما في جسدها، بل ينصح لله ولدين الله ولعباد الله، ولمصر.. نعم لمصر.. ينصح مخلصا، موجها، أمينا، لا فاضحا مؤنبا، محقرا ومسفها لقامات قد تعلو على قامته بمراحل كثيرة، فهما وعلما وخبرة وفداء وتضحية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك