أحمد محمدن

أحمد محمدن

لقد كانت جهود الطبيب الإنجليزي أورد جينر مثالا في الجد وقوة العزيمة فتكللت باكتشاف لقاح الجدري عام 1796، حيث كان وباء الجدري يحصد الناس من حوله فجعل ذلك وقودا لعزيمته حتى نجحت تجاربه وأطلق على العملية الجديدة التي تؤمن من مرض الجدري "تلقيحا" (vaccination) فكان أول من نحت هذه الكلمة من اللفظ اللاتيني الدال على جدري البقر. ويعزى إلى هذا الطبيب أيضا استحداث كلمة فيروس (virus) المعربة، الشائعة الاستخدام اليوم.

هكذا بدأت التلقيحات جهدا بشريا محمودا لمكافحة الأوبئة والقضاء عليها وما زالت في تطور مستمر منذ نشأتها. فقد رعاها الكيميائي الفرنسي ليس باستور والألماني كوخ وغيرهما حتى تكون علم المناعة ووصل إلى ما هو عليه اليوم من تطور مدهش.

ولكن ما نود لفت النظر إليه هو الاستغلال السياسي والاقتصادي والإعلامي لهذا الجهد البشري العظيم وأثره على ساكنة العالم الثالث بشكل خاص. فقد أصبح من الواضح أن الإعلام يتلقف "النبأ" فيوجهه بالطريقة التي "يربح" منها. وكذلك تفعل شركات الأدوية الكبرى، ويفعل الساسة في الدول الكبرى أيضا!

ولا يسع المتتبع لصناعة المناعة إلا الاعتراف بأن أصابع المنفعة المادية للشركات الكبرى أصبحت تتحكم فيها وتوجه ما يتلقاه المواطن العادي على أنه سياسات للصحة الوقائية. وليس الكسب السياسي بمعزل عن ذلك فإنه يصيد في دماء الأبرياء والعزل وجراحهم. ونستعرض هنا حالات من الترويع بانتشار الأوبئة واستغلال ذلك إعلاميا واقتصاديا وسياسيا.

بعد سنوات خمس من العمل الجاد أثبت فريق طبي أن لا علاقة بين لقاح (أم أم أر) ومرض الانعزالية وبدأت معركة قانونية ضد الدكتور ويكفيلد وبحثه انتهت بسحب البحث من دورية لانست ورفع دعاوى قضائية عليه

لقاح "أم أم آر" في بريطانيا
هو لقاح ضد ثلاثة أمراض (الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف) وكان يعطى للأطفال الرضع باطّراد حتى نشر الدكتور آندرو ويكفيلد بحثا في دورية لانست (The Lancet) الطبية الشهيرة، سنة 1998، ربط فيه بين هذا اللقاح والإصابة بمرض الانعزال والتوحد.

وقد أدى هذا البحث إلى تراجع حاد في أعداد الأطفال الذين حقنوا بهذا اللقاح. وكان لوسائل الإعلام دور عظيم في التأثير على قرار المواطنين في تلقيح أطفالهم، تراوح بين التهويل والتخويف من اللقاح وبين أقلية من الصحف طالبت بدحض الدليل بالدليل قبل الحكم.

ولكن بريطانيا دولة قانون ونظام وبها بقية من العدالة تسمح بالكشف والتمحيص خاصة إذا تعلق الأمر بالصحة العامة. ولهذا فقد تصدى مجلس الطب العام البريطاني (General Medical Council) لهذه الدراسة فخصص فريقا للتأكد من نتائجها تجريبيا وبحث كافة جوانبها.

وبعد سنوات خمس من العمل الجاد أثبتوا أن لا علاقة بين اللقاح والانعزالية وبدأت معركة قانونية ضد الدكتور ويكفيلد وبحثه انتهت بسحب البحث من دورية لانست وسحب رخصة الدكتور ويكفيلد ورفع دعاوى قضائية عليه ما زالت تفاعلاتها مستمرة في بريطانيا وأميركا حيث يقيم هذا الطبيب منذ سنوات عديدة.

وأما وقع الموضوع كله على الأمراض واللقاح، فتظهر إحصائيات وزارة الصحة البريطانية ارتفاعا كبيرا في حالات الحصبة. فبعدما كانت أقل من 300 حالة في العام قبل نشر الدراسة، بلغت 500 حالة عام 2003، وهي اليوم تزيد على ألف حالة في العام!

لقاح إنفلونزا الخنازير
الزكام الموسمي ظاهرة سنوية مألوفة وفي كل بلد يتهيأ لها الناس بما عهدوا من مقاومة كالمشروبات الساخنة والكمامات وغيرها. وفي البلدان المتقدمة يعدون لقاحا سنويا ضد الزكام الموسمي يعطى لذوي المناعة الضعيفة كالمسنين والحوامل والأطفال الذين لم يبلغوا الخامسة من العمر.

في العاشر من شهر أغسطس/آب 2010، أعلنت منظمة الصحة العالمية "نهاية وباء إنفلونزا الخنازير" الذي بينت الدراسات والأبحاث أنه لا يختلف في شيء عن الزكام الموسمي العادي بعدما أنفقت الملايين من الدولارات!

ولكن زكام عام 2009 كان مختلفا، فقد نقلت وسائل الإعلام أن أعراضا مشابهة لإنفلونزا الخنازير رصدت في المكسيك وماهي إلا أيام حتى استطاع أباطرة الإعلام ترويع ساكنة الأرض من كارثة لا قبل لهم بها فانتشر الخوف في الآفاق وبدأت حملة تطهير على الخنازير وارتبكت التبادلات التجارية واضطرب النقل الجوي... وفي غضون أسابيع قليلة كانت بعض عمالقة الشركات الصيدلية جاهزة لبيع "لقاح واق" من إنفلونزا الخنازير فبدأت الدول تتسابق إلى شرائه فجمعت وأوعت.

فقد حقنت إنجلترا وحدها 4.5 ملايين من مواطنيها في الشهور الستة الأولى من الأزمة! أما الدول العربية فقد كدست ملايين الحقن، كل حسب استطاعتها، فأنفقت مليارات الدولارات عليها وملايين أخرى على الحملات الإعلامية والتوعية وأجهزة الرقابة في المطارات والمنافذ.

وفي العاشر من شهر أغسطس/آب 2010، أعلنت منظمة الصحة العالمية "نهاية وباء إنفلونزا الخنازير" الذي بينت الدراسات والأبحاث أنه لا يختلف في شيء عن الزكام الموسمي العادي! وهكذا احتالت شركات كبرى فاستنزفت موارد ضخمة كان الأولى صرفها في خدمة المجتمعات صحيا أو تعليميا أو في جوانب التنمية الأخرى.

إنفلونزا الطيور جعلوه مُعديا
بعدما أسدل الستار على إنفلونزا الخنازير جاء الدور على الطيور!
وتختلف إنفلونزا الطيور اختلافا جوهريا وشبه مطمئن في أنها لا تنتقل بين البشر ولا تنتقل إليهم إلا بشروط يعزّ توفرها. وبهذا المعنى، فهي ليست وبائية ولا تصلح لترويع الناس الذين "نجوا لتوهم من إنفلونزا الخنازير".

فهل من محض الصدفة أنه في صيف 2011 موّل معهد الأبحاث الصحية الأميركي دراستين تحت "بند الاستخدام المزدوج للأبحاث" من أجل تعديل فيروس إنفلونزا الطيور وراثيا حتى ينتقل بين الثدييات (من إنسان إلى إنسان) وقد أجريت الدراسة على حيوان ثديي صغير يسمى النومس (ferret) ونجحت العدوى! ولكن الهيئة الاستشارية العلمية في البيت الأبيض أوقفت نشر الدراسة وأمرت بالتحفظ على نتائجها والتكتم عليها حتى لا تقع في أيدي مجموعات إرهابية.

وقد سافرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى جنيف في ديسمبر/كانون الأول 2011 لشرح خطورة هذه الأسلحة البيولوجية وإمكانية حصول المجموعات الإرهابية عليها، وذلك أمام لجنة الأمم المتحدة للحد من هذه الأسلحة.

وفي فاتح مارس/آذار الماضي كتب عضو مجلس الكونغرس الأميركي عن ولاية ويسكنسين، جيم سنسنبرينر (Jim Sensenbrenner ) خطابا إلى الدكتور جون هولدرن كبير مستشاري الرئيس أوباما في الشؤون العلمية، يستفسر فيه عن سياسات الاستخدام المزدوج للأبحاث والموازنة بين نشر العلم والأمن القومي. وما زالت المكاتبات مستمرة بين هذا النائب والجهات المختصة لعل آخرها رسالة بتاريخ 23 أبريل/نيسان إلى معهد الصحة القومي.

وما يهمنا هو أن الدراسة نشرت وعلينا أن نتهيأ للإعلان قريبا (في الوقت المناسب، ربما الشتاء القادم) عن وجود نوع جديد من إنفلونزا الطيور ينتقل بين البشر ويعاد إخراج السيناريوهات السابقة.

هناك استغلالات قذرة للتلقيح لعل أسوأها بيع الماء المقطر على أنه لقاح للدول الفقيرة كما حصل في النيجر في أواسط تسعينيات القرن الماضي حين اجتاحت البلاد موجة من التهاب السحايا

استغلال سياسي للتلقيح
أوردت صحيفة الغرديان البريطانية في عددها 14 يوليو/تموز 2011 تفاصيل عن خطة الـ"سي آي أي" للتأكد من موقع وهوية أسامة بن لادن. فقد أعلنت عن حملة تلقيح ضد فيروس الكبد الوبائي وفتحت مراكز وأرسلت ممرضات للتلقيح في البيوت كان من بينهن ممرضة لقحت أطفالا في بيت بن لادن بمدينة إبت آباد واختلست عينات من دماء أولئك الصغار استخدمت لاختبار الحمض النووي الذي أثبت قرابة الأطفال بأخت لأسامة بن لادن توفيت في بوسطن في رحلة علاج قبل ذلك بسنوات.

وهناك استغلالات قذرة أخرى للتلقيح لعل أسوأها بيع الماء المقطر على أنه لقاح للدول الفقيرة كما حصل في النيجر في أواسط تسعينيات القرن الماضي حين اجتاحت البلاد موجة من التهاب السحايا، ناهيك عن التقسيط على الإنترنت والغش والتدليس على مستويات صغيرة.

ما المخرج؟
إن السبيل الوحيد أمام دول العالم الثالث –بما فيها الوطن العربي- لتفادي الافتراس والابتزاز، هو امتلاك ناصية العلم. فبانتشار العلم يدرك العامة أن ليس من الممكن تحضير لقاح ناجح لفيروس جديد في أيام معدودة، وبانتشار العلم يكون بمقدور الدول النامية اختبار الشائعة والحكم عليها عن بينة واستنتاج وسائل دفعها والحد من ضررها وصناعة لقاح ضدها. ولم لا؟

فأثناء التخويف من إنفلونزا الخنازير اشترت مصر ستة ملايين جرعة لقاح، وسوريا ستة ملايين أخرى والسعودية خمسة ملايين... فلو جمعنا التكلفة المادية لهذه الجرعات فقط لأمكن فتح أرقى مختبر للمناعة في الوطن العربي ولأمكن أن ينافس المختبرات العالمية الكبرى, فالخبرة متوفرة بحمد الله وهي أهم رأس مال وأعظم عنصر في نهضة الأمم. فبدون خطوات جادة لإقامة مختبرات وطنية ذات رسالة نبيلة وصادقة ستبقى الشعوب فريسة للشركات الكبرى في صحتها وفريسة للفيروسات في مرضها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك