عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

إضراب الأسرى الفلسطينيين
الإضراب وغياب الفعل الخارجي
تبادل الأسرى
التضامن مع الأسرى المضربين
فاعلية التضامن

منذ عهد أسر شاليط، الجندي الصهيوني الذي أسرته حركة حماس، وشعب فلسطين يصرخ للعالم بأن شاليط ليس الأسير الوحيد، بل هناك آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يستحقون الانتباه والضغط على إسرائيل لتسريحهم. لكن العالم انشغل بشاليط، واعتبر قضيته أولوية على حماس أن تتعامل معها بسرعة، وترك الفلسطينيين يعالجون جراحهم بأيديهم بلا معين أو نصير.

بل اعتبرت دول كثيرة وعلى رأسها الدول الغربية أن الأسرى الفلسطينيين إرهابيون قتلة، وبقاءهم تحت العقاب ييسّر الطريق نحو السلام في المنطقة العربية الإسلامية. وتعاطف قلة من الدول والناس مع الأسرى الفلسطينيين، لكن ذلك لم يتمخض عن ضغط يجبر إسرائيل على اتخاذ إجراءات نحو تسريح أي عدد منهم، ولم يتم تحرير حوالي ألف منهم إلا بعملية تبادل للأسرى.

إضراب الأسرى الفلسطينيين
يضرب آلاف الأسرى، وليس جميع الأسرى، الفلسطينيين عن الطعام منذ 17 أبريل/نيسان 2012 وذلك بهدف إنهاء الاعتقال الإداري وتحسين ظروف الاعتقال. يُذكر أن إسرائيل تعتقل آلاف الفلسطينيين إداريا، أي بدون محاكمة، وإنما بناء على معلومات سرية تحصل عليها بطرق مختلفة بخاصة من خلال جواسيس، ولا ترغب بالإفصاح عن مصادر المعلومات أو التهم لكي لا تؤثر سلبا على هذه المصادر.

استطاع المعتقلون انتزاع الكثير من الحقوق بسبب إضراباتهم، وتحسن الطعام, وتحسنت ظروف التجوال اليومي داخل السجن، لكن الثمن كان باهظا، وسقط شهداء داخل السجن

فترة الاعتقال الإداري ستة أشهر، وهي قابلة للتجديد. ولذلك يقضي فلسطينيون سنين في الاعتقال الإداري بدون محاكمة أو تهم محددة. أما بخصوص ظروف الاعتقال، فقد عملت إسرائيل على اتخاذ إجراءات عدة للتضييق بالمزيد على المعتقلين، وشددت من عقوباتها ضد الذين يطالبون بحقوق اعتقالية وفق المعايير العالمية. وعملت إسرائيل أيضا على جعل سجن مجدو، الواقع في مرج ابن عامر شمال فلسطين المحتلة 48، حقل تجارب لفهم النفسية الفلسطينية وطريقة السلوك وفق معادلة الدافع والاستجابة.

سبق للمعتقلين الفلسطينيين أن خاضوا إضرابات في السجون الصهيونية من أجل تحسين ظروف الاعتقال. فقد تعرض الفلسطينيون للكثير من عمليات القمع مثل عدم وجود فرش وأغطية نوم كافية، وكان على المعتقل أن يقوم مبكرا من فراشه ويرتب بطانياته ويجلس في وضع معين طيلة الوقت، ولم يكن الطعام كافيا أو شاملا لمختلف المتطلبات الغذائية الضرورية للجسم، وطالما تعرض المعتقلون للإهانات والسباب والإذلال.

استطاع المعتقلون انتزاع الكثير من الحقوق بسبب إضراباتهم، وتحسن الطعام كما ونوعا، وتحسنت ظروف التجوال (الفورة) اليومي داخل السجن، وتطورت ظروف زيارة الأهالي.., لكن الثمن كان باهظا، وسقط شهداء داخل السجن.

واضح من سير الإضرابات تاريخيا أنه من الممكن تحقيق إنجاز محدود في المواجهة ضد إدارة السجون والحكومة الإسرائيلية، والإضراب الحالي يستفيد من التجارب السابقة، ومن تجربة المحرر خضر عدنان الذي أضرب ستة وستين يوما وانتزع قرارا إسرائيليا بعدم تجديد اعتقاله إداريا.

الإضراب وغياب الفعل الخارجي
الإضراب بحد ذاته وسيلة مؤثرة من أجل انتزاع الحقوق، لكنها مؤلمة في ذات الوقت لأن الجوع مؤلم بحد ذاته، ولأنه يؤثر صحيا على المضرب، وقد يودي بحياته، وهو آخر ما يملكه المعتقل من أدوات من أجل الحصول على الحرية أو تحسين ظروف الاعتقال.

هناك مخاطرة كبيرة في الإضرابات طويلة الأمد والتي تتبنى إما شعار الحرية أو الموت بخاصة أن إسرائيل لا تستجيب بسهولة للمطالب الفلسطينية، وتركت بعض المعتقلين في السابق يموتون، وقتلت بعضهم الآخر بطريقة أو بأخرى.

المفروض وفق تجارب الأمم التي وقعت تحت الاحتلال أو الاستعمار ألا يمكث المعتقل فترة طويلة في المعتقل، وأن يتم تحريره من قبل إخوانه أو رفاقه المناضلين الذين يمتشقون السلاح، أو يملكون من القوة ما يكفي للضغط على المحتلين، أو يحفرون أنفاق التحرير وينصبون مكائد الهرب. من المفروض أن تتبنى قوى الثورة أو المقاومة إستراتيجية خاصة لتحرير أسراها، كما فعل الفيتناميون والأفغان واللبنانيون الذين أجبروا أعداءهم على تبادل الأسرى أو الرضوخ لشروط مدعومة بعمل ثوري أو مقاوم فعال.

أما إذا غابت الإستراتيجية، ولم تستطع قوى الثورة أن تحرر أسراها، فإن الأسير سيواجه أمرين: إما أن يستكين لوضعه ويستسلم ويقبل ما هو فيه أو ما يّعرض عليه من قبل آسريه، أو أن يقوم بعمل ما للتخلص من الأسر مثل الشنق الذاتي أو الإضراب.

إذا لم تستطع قوى الثورة أن تحرر أسراها، فإن الأسير سيواجه أمرين: إما أن يستكين لوضعه أو أن يقوم بعمل ما للتخلص من الأسر مثل الشنق الذاتي أو الإضراب

ولهذا فإن الإضراب عبارة عن بديل عجز القوى خارج السجن عن إجبار العدو على فتح أبواب المعتقلات. لو توفرت البدائل، وتفاءل الأسير بأن هناك من يسهر على تحريره لما اضطر أن يلجأ إلى قوة الجوع والأمعاء الخاوية للتأثير على العالم خارج السجن علّ وعسى أن تستجيب القوة المحتلة لاحتجاجه.

إضرابات المعتقلين الفلسطينيين أشبه ما تكون بالانتفاضات الفلسطينية التي بدأت عام 1920 والتي كانت تسد نقصا نضاليا عانت منه الساحة الفلسطينية. لم تستطع قيادات فلسطين عبر السنين تحقيق إنجازات جوهرية نحو المحافظة على الحقوق الفلسطينية أو استعادتها، وكان يضطر الشعب أن يخرج إلى الشارع غاضبا معبرا عن سخطه على الوضع القائم، ومطالبا بتغييره.

وعلى الرغم من أن الانتفاضات حققت بعض الفوائد للشعب، إلا أنها لم تستطع انتزاع الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. وبدل أن تصحو القيادات وتقرر تغيير ما هي فيه، عملت على الاستنجاد بالشعب ليأخذ مكانها ويقوم بدورها. وهذا ما يحصل الآن بالنسبة لإضراب الأسرى، إذ تتغنى القيادات ببطولات المضربين دون أن تقدم بدائل حقيقية لإخراجهم من السجون. وقد بلغ مستوى العجز القيادي تجاه الأسرى إلى حد وصفهم بأنهم شهداء مع وقف التنفيذ. 

تبادل الأسرى
استطاعت الفصائل الفلسطينية إجراء عمليات تبادل أسرى، وحررت آلافا من المعتقلين الفلسطينيين. حصل تبادل عام 1979، وعام 1983. لكن التبادل الكبير تم مع الجبهة الشعبية-القيادة العامة وتحرر فيه مئات من أصحاب الأحكام العالية والمؤبد مقابل ثلاثة جنود صهاينة. ثم حصل إفراج عن آلاف الأسرى من ذوي الأحكام المتدنية وقلة قليلة من ذوي الأحكام العالية وفق اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات.

أخذ التبادل الأخير الذي تم عام 2011 بعدا إعلاميا كبيرا لأنه انطوى على تحد واضح لإسرائيل من قبل حركة حماس في غزة، والتي أسرت جنديا صهيونيا واستطاعت الاحتفاظ به عدة سنوات حتى توصلت إلى اتفاق تبادل.

لقد قامت المقاومة الفلسطينية بأسر جندي صهيوني عن سابق تخطيط وبهدف تحرير أسرى فلسطينيين، ونجحت في ذلك، وكان هذا العمل فريدا من نوعه في تاريخ المقاومة الفلسطينية لأنه عبر عن رؤية جديدة نحو مسؤولية الفصائل عن تحرير الأسرى.

بصورة عامة، لم تستطع الفصائل الفلسطينية على مدى أكثر من أربعين عاما تحرير أكثر من 1% من مجموع المعتقلين الفلسطينيين لدى إسرائيل، ولم تطور هذه الفصائل إستراتيجية محكمة نحو إجبار إسرائيل على فك أسر المأسورين. في السنوات الأخيرة، أخذت بعض فصائل المقاومة في غزة تتحدث عن إستراتيجية، لكنها لم تنجح حتى الآن إلا في أسر ذلك الجندي.

التضامن مع الأسرى المضربين
يتطلع المعتقلون المضربون إلى أوسع حركة تضامن معهم على المستويات المحلية والعربية والعالمية، لكن هذا التطلع يصطدم بظروف وأوضاع تفرض الكثير من التواضع في التوقعات. وباختصار، أرى الصورة كالتالي:

من غير المتوقع أن تقف الدول الغربية ممثلة بحكوماتها مع قضية الأسرى لأنها تعتبر الأسرى إرهابيين ومن حق إسرائيل أن تبقيهم في السجون

على المستوى الفلسطيني: هناك شبه غياب للتضامن الشعبي الفلسطيني مع الأسرى، وتقتصر المشاركة الشعبية على أهالي المعتقلين أو بعضهم، وعلى زيارات محدودة لخيم تضامن مقامة في المدن الرئيسية مثل نابلس والخليل ورام الله وطولكرم. الإقبال الشعبي ضعيف ليس لأن الناس غير وطنيين أو غير شاعرين بمشكلة الأسرى، ولكن في الغالب لأنهم فقدوا الثقة بالفصائل الفلسطينية التي تدعو إلى المشاركة وتقيم الخيم التضامنية. قطاع غزة هو الأكثر تفاعلا مع إضراب الأسرى، أما تفاعل الضفة الغربية ومخيمات الشتات مع الأمر فمتدن جدا.

على المستوى الرسمي، تتصرف الفصائل والسلطة الفلسطينية وفق عهدها على مدى سنين، والذي يقتصر على إصدار البيانات الحماسية الرنانة، ودعوة الناس للخروج متظاهرين ومؤيدين للأسرى وشاجبين لإسرائيل، وعمل المقابلات التلفزيونية والمشاركة بمسيرات بروتوكولية سرعان ما تنتهي بتصريح ناري لا يقدم ولا يؤخر. والملفت للنظر هنا هو أن السلطة الفلسطينية بكافة أركانها ووسائل إعلامها تعرب عن تبنيها لمأساة الأسرى في الوقت الذي تعتقل فيه فلسطينيين وتذيقهم أقسى أنواع العذاب لأسباب سياسية يتم تحويلها لتهم مدنية.

الجدية تتطلب الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في السجون الفلسطينية والتوقف نهائيا عن مساءلة الفلسطينيين الذين يعادون الاحتلال.

على المستوى الدولي، هناك نشاطات للجمعيات الفلسطينية وبعض العرب في العديد من دول العالم، لكنها غير قادرة على حشد أعداد غفيرة من العرب وغير العرب تكون قادرة على الضغط على الدول للوقوف مع قضية الأسرى الفلسطينيين. حتى أن قدرة هذه النشاطات على تحريك زخم إعلامي محدودة جدا.

من ناحية الدول، من غير المتوقع أن تقف الدول الغربية ممثلة بحكوماتها مع قضية الأسرى لأنها تعتبر الأسرى إرهابيين ومن حق إسرائيل أن تبقيهم في السجون حتى لا يهددوا أمنها. وقد كان هذا واضحا في مواقفها التي انحازت لصالح الجندي الصهيوني شاليط، ودون أن تنبس ببنت شفة لصالح آلاف الأسرى الفلسطينيين.

فاعلية التضامن
لكي يكون التضامن مع الأسرى فعالا، من المهم أن يتحقق التالي:
1- أن تقف الفصائل الفلسطينية بعيدا عن المشهد لأن تدخلها ومحاولاتها تصدر الاحتجاجات الشعبية تضامنا مع الأسرى تبعد جماهير الناس عن المشاركة. والبديل لذلك هو ترك شباب فلسطين يقررون ما يرونه مناسبا من نشاطات لأنهم ينطلقون من دوافع وطنية، ولا اهتمام لديهم بالاستعراض وإلقاء الأوامر على الناس.

التضامن القائم حاليا غير فعال، ولا تكترث به إسرائيل والدول الغربية، وإذا كان الهدف هو التضامن الجدي لمساعدة الأسرى فإنه لا ينفع مع إسرائيل إلا الإجراءات التي تهز أركانها

2- حركة شباب فلسطين في الداخل والخارج تؤدي إلى صدام مع الاحتلال، وهذا يؤدي إلى استفزاز وسائل الإعلام العربية والعالمية للاهتمام بالقضية، ويجبر إسرائيل على البحث جديا عن حل لها.

3- أن تفكر فصائل المقاومة وبالذات الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية بصنع أحداث توتر الأجواء وتستقطب الاهتمام الدولي والإعلامي بقضية الأسرى.

4- أن نرى حركة من قبل قوى المقاومة والممانعة في المنطقة. قد يسقط شهداء بسبب الإضراب، ورفع الشعارات, أما إقامة مهرجانات التضامن فمضيعة للجهد والوقت.

التضامن القائم حاليا غير فعال، ولا تكترث به إسرائيل والدول الغربية، وإذا كان الهدف هو التضامن الجدي لمساعدة الأسرى فإنه لا ينفع مع إسرائيل إلا الإجراءات التي تهز أركانها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك