غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

بات من نافلة القول إن خطة أنان ماتت على ضفاف العجز الدولي ووقع القتل اليومي وأنين السوريين في جهات وطنهم الأربع، ووسط ركام المدن والأرياف والخراب الذي عمّ الديار، بل في ظل لهفة المراقبين وخوفهم، ولم يبق سوى أن يخرج طفل من تحت أنقاض الدمار في الحولة المنكوبة أو أحياء حماة، وكل الأرض السورية المنكوبة، ليعلن أن ورقة التوت التي تستر خطة أنان ليست سوى أكفان السوريين.

حملت خطة أنان منذ البداية فناءها وعطبها، وتجسد ذلك العطب في الهيكل الرخو لنص المبادرة وأسلوب صياغتها، بما يمثله من استجابة للجماعة الدولية تجاه حالة معينة

منذ البداية حملت خطة أنان بذرة فنائها وعطبها في متنها، وتجسد ذلك العطب في الهيكل الرخو لنص المبادرة وأسلوب صياغتها، بما يمثله من استجابة للجماعة الدولية تجاه حالة كان لهذه الجماعة رد فعل مختلف تجاه مثيلاتها، فضلاً عما يشكله ذلك من ارتكاس لما شرّعته الجماعة الدولية من قوانين ومبادئ في مجال الحقوق والقيم الإنسانية.

ولعل تلك الرخاوة تمثل انعكاسا وتناسباً مع واقع القوة الدولية وما لحقه في السنوات الأخيرة من تغيرات في طبيعة الأدوار والفاعلين ودرجات التأثير ونسبها، ويثبت تاريخ الدبلوماسية الدولية أنه غالباً ما يتم التعاطي في هذه المراحل مع القضايا الساخنة بإحدى طريقتين، إما بمنطق المساومات والتوافقات بين المراكز على حساب الهوامش الضعيفة، وإما يتم استخدام هذه الهوامش كمختبر للفاعلية والتأثير وقياس مدى وحجم عناصر القوة المختلفة "الاستخبارية، والعسكرية، والدبلوماسية".

حالة الرخاوة في خواصر النسق الدولي وقيمه، كان فيها من المرونة والسيولة ما سمح بتوصيف الحالة السورية من ثورة شعبية لا لبس فيها، وإدراجها في خانة أنماط الصراع من درجة التمرد والعصابات الخارجة عن السلطة الشرعية التي تستوجب ضرورة الفحص والتدقيق من الجماعة الدولية. وإلا ما معنى وجود لجان للمراقبة؟ ألا يحمل ذلك في طياته شبهة الاستهانة بتضحيات السوريين والاصطفاف إلى جانب جلاديهم؟

من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس يمكن قراءة خطة أنان باعتبارها مرحلة رخوة عابرة لمراحل أخرى قادمة، وقابلة للتشكل والتلون وفق ما تتيحه وتنتجه فرص وجولات التفاوض والمساومة وتشكيل قواعد اللعبة ذاتها بين المراكز وأنماط ترجماتها في الهوامش.

لا يعني ذلك أن الحالة السورية فاقدة القدرة على التأثير في نمطية صدورها، أو أن البعد "البراني" هو البعد الفاعل المؤثر في ديناميتها المتحركة والمتواترة الاشتعال، على العكس من ذلك فهي حالة تملك ميكانيزمات تشغيلها كمنظومة صراع متكاملة يتداخل فيها المحلي بالإقليمي وتشكل البيئة الدولية رديفاً مهماً بما تنطوي عليه من صراعات وتجاذبات وانقسامات، فضلاً عن طبيعة تدحرجها كأزمة تشكلت على خلفية حزمة من التوترات المختلطة ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تزامنت مع نهوض حالة الدين الشعبي بوصفه المرجعية الثقافية والسياسية العليا لدى مختلف المكونات دون استثناء، لتنتهي إلى حالة من "التطيّف" الواسع الذي بات يشكل هويتها وعنوانها الأساسي.

مرحلة ما بعد خطة أنان مراحل ستعبّر عن نفسها تبعاً لحالة الجهوزية ومستوى الاستعداد لدى الأطراف المحلية، مع تغذية راجعة تصدرها البيئتان الإقليمية والدولية

مرحلة ما بعد خطة أنان مراحل ستعبّر عن نفسها تبعاً لحالة الجهوزية ومستوى الاستعداد لدى الأطراف المحلية، مع تغذية راجعة تصدرها البيئتان الإقليمية والدولية، حيث سيكون عنوان الصراع في المرحلة الأولى الدولة ووظيفتها، ذلك أنها باتت أساس الصراع السوري ولبّه، وإن كان هذا الصراع قبل مرحلة أنان قد تم التعبير عنه مداورة، فإنه ما بعد أنان سيتوضح بشكل أكثر جلاءً، حيث سيسعى النظام إلى تكريس الدولة (دولته المفصلة على قياسه) التي أعاد إنتاجها في الفترة التي أطلق عليها مرحلة "الإصلاح"، وتكييفها مع الحد الأدنى الذي يرضي العالم الخارجي عنه، لإعادة تشريعها دولياً وتبرير قيامها بالوظيفة الأمنية وجعلها المحتكر الوحيد للقوة والسيادة والشرعية، مع استمرار حالة التماهي واللافصل بين الدولة والنظام.

في المقابل ستسعى قوى الثورة إلى تفكيك هذا النمط الدولتي وبناء مؤسسات بديلة وشاملة، جيش وبرلمان وحكومة وفضاء مدني مواز للثورة يشمل النقابات والجمعات والاتحادات، مع تطور واضح ولافت في هذه المرحلة، وهو قيام الجهتين، دولة النظام ودولة الثورة، بتعيين شعبيهما وتحديده، الأمر الذي سيؤسس لانقسام تاريخي سيكون الركيزة الأساسية لأنماط مختلفة من الصراعات الأهلية.

على المستوى الإقليمي، يقدر أن يذهب الجوار، كل على حدة، أو بتوافقات ثنائية، إلى عملية امتصاص الارتدادات التي تفرضها الحالة السورية، ورغم هشاشة الأوضاع في كل من لبنان والعراق، فإن الأرجح أن تتوصل هذه المجتمعات إلى نوع من التفاهمات الضمنية، غير المعلنة، تحافظ من خلالها على مستوى معين من التوتر الممكن ضبطه في سياقات محددة، مع أن موازين القوة والمصالح في البلدين ستفرض قواعد جديدة للعبة السياسية الداخلية في البلدين أساسها التكيف، وسيساعد على تثبيت هذه الحالة وجود هامش من التدخل لكل الأطراف في الأزمة السورية، مما يعني تالياً سقوط سياسات النأي بالنفس وعدم التدخل التي ثبت أن لها وظائف سياسية وفوائد جهوية واضحة.

والأمر نفسه ينطبق على تركيا وإيران، حيث تشير المعطيات إلى أن طول الأزمة قد ساعد الطرفين على إنتاج طرق للتدخل في الأزمة والحفاظ على قنوات للتواصل بينهما، وضمان نمط من التكيف يساعدهما على الحفاظ على شبكة المصالح الحيوية التي تربطهما، وفي الوقت نفسه التعبير عن نفسيهما بوصفهما، انطلاقا من إدراكهما أدوارهما، دولا مرجعية.

أما على المستوى العربي، فمن المؤكد أن الأزمة سترخي بظلالها على الحيز الخليجي وستشكل ضغطاً هائلاً سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى صناع القرار، ومن المؤكد استمرار البحث عن خيارات لمواجهة التحدي الجيوإستراتيجي الذي باتت تفرضه متغيرات المنطقة، مما يعني تعزيز فكرة الاتحاد الخليجي بوصفه خيارا إستراتيجياً يضمن حداً أدنى من تعزيز القدرات في مواجهة الاحتمالات المختلفة.

بقدر ما تحمل الأزمة السورية من مخاطر كبيرة على المستويين المحلي والدولي، فهي تهيئ فرصاً مهمة للاعبين الدوليين لتحديد مواطن التنافس والنزاع في المرحلة المقبلة

على المستوى الدولي، من المقدر أن تبدأ مرحلة ما بعد خطة أنان بضجيج إعلامي وعروض للعضلات الدبلوماسية إذ لا يبدو أن هناك جدية لتطوير مواقف الدول المؤثرة باتجاه مبادرات فاعلة بخصوص الحالة السورية التي ستكمل مسارها في سياق الرخاوة الدولية، والتقدير أن تذهب الدول باتجاه نمط معين من إدارة الأزمة تدير من خلاله صراعاتها، في محاولة للتأكيد على صلابتها في الملفات الخلافية، ذلك أن الأزمة السورية بقدر ما تحمل مخاطر كبيرة على المستويين المحلي والدولي، فهي تهيئ فرصاً مهمة للاعبين الدوليين لتحديد مواطن التنافس والنزاع في المرحلة المقبلة، إذ إنه من الواضح أن الصراع العالمي قد تجاوز الأطر التي كان قد حددها كل من فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتغتون عن انتصار الليبرالية الغربية وصراع الحضارات وبات الأمر يتطلب فحص خيارات بديلة.

كل المؤشرات تدل على أن خطة أنان لم تكن أكثر من مرحلة لتقطيع الوقت، إذ لم يكن في الخطة ذاتها ما يشير إلى إمكانية استيلاد واقع جديد أو تطوير حالة أفضل، بل كانت إعلاناً عن أن العالم سيذهب باتجاه موازنة خياراته وقدراته، وحين الفراغ من كل ذلك تكون الحالة السورية قد استولدت صورة جديدة ومختلفة تقدم من خلالها نفسها للعالم، الذي ربما سيكون حينها قادراً على التعاطي مع الوضع الجديد انطلاقا من ترتيباته وحساباته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك