محمود المبارك

محمود المبارك

حقوقي دولي

 

البيان الهزيل الذي خلص إليه مجلس الأمن مساء الأحد 27 مايو/أيار 2012، بعد مجزرة الحولة السورية، يؤكد من جديد أن "مجلس الأمن" يعمل تبعاً لمصالح أعضائه الدائمين، تماماً كما تعمل "أجهزة الأمن" عند الحاكم العربي، التي هدفها حماية الحاكم وليس حماية الشعب.

لا يزال مجلس الأمن، عاجزاً عن اتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية دولية تقضي بتوفير الحماية القانونية للمدنيين في سوريا، لسبب ظاهره تعنت روسي صيني، وباطنه فيما يبدو رضًى غربي بالوضع الراهن

ففي الوقت الذي تواصل فيه الحكومة السورية جرائمها، التي تأنف منها الوحوش، ضد شعبها الآمن، بطرق لا يعرف لها التاريخ الإنساني مثيلاً من قبل حكومة ضد شعبها، والتي شملت ذبح الأطفال بالسكاكين، وقصف البيوت على ساكنيها وحرقها، وهدم المساجد على المصلين وتدنيسها، وجرائم القتل الجماعي، وجرائم الاغتصاب، وغير ذلك مما وثقته المنظمات الحقوقية الدولية، لا يزال مجلس الأمن، عاجزاً عن اتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية دولية تقضي بتوفير الحماية القانونية للمدنيين في سوريا، لسبب ظاهره تعنت روسي صيني، وباطنه فيما يبدو رضًى غربي بالوضع الراهن.

إذ المتابع للموقف الأممي من المذابح التي ترتكب يومياً في سوريا، قد يخلص إلى أن الأمم المتحدة لا تريد للثورة السورية أن تنجح، على الأقل في الوقت الراهن.

ذلك أن اكتفاء مجلس الأمن غير الموقر، ببيان رئاسي غير ملزم تجاه المجزرة الشنيعة التي ارتكبها النظام السوري في مدينة الحولة السورية، والتي نتج عنها قتل أكثر من مائة من المدنيين العزل غالبهم من الأطفال، تنبئ عن استهتار مجلس الأمن بالوضع الأمني في سوريا، خصوصاً أن هذه الحادثة الشنيعة يمكن أن تعطي الوصف القانوني الدولي لمعنى "جريمة إبادة".

ولعل السؤال المطروح الآن هو: إلى متى تستمر معاناة الشعب السوري، وهل يوجد طريق -عدا طريق مجلس الأمن- للخروج من الأزمة السورية؟

وقبل الإجابة عن السؤال، لعله من المفيد القول إن الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها النظام السوري لا تقتصر على "جرائم ضد الإنسانية" كما تردد في أروقة الأمم المتحدة، بل تتعدى ذلك إلى "جرائم حرب" و"جرائم إبادة"، لا يحتاج المحامون الدوليون إلى كثير عناء لإثباتها.

من هذا المنطلق، فإن المدنيين السوريين في حاجة ماسة إلى حصولهم على حقهم الفطري في "حماية قانونية" تحميهم من اعتداءات الجيش السوري النظامي، كما هو مكفول في القوانين الدولية.
غني عن القول إن هذا الحق الفطري لا يجب أن يكون مرهوناً برضا المنظمة الفاشلة ومجلسها غير الأمين، الذي ما زال يندد كما تندد العجائز في بيوتها.

وإذ يعترف القانون الدولي بحق الدول فيما يسمى "التدخل الدولي الإنساني" (International Humanitarian Intervention)، من أجل حماية شعب أعزل يتعرض لحرب إبادة، فإنه ليس في القانون الدولي، ما يمنع الدول من اتخاذ إجراءات فردية أو جماعية تهدف إلى حماية الشعب السوري الذي يتعرض لجريمة إبادة، حيث يوجد سابقة قانونية دولية تؤيد ذلك.

إن واجباً أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً دولياً، مطلوب من الدول العربية والمسلمة أن تقوم به، ولا يليق بهذه الدول أن تتخلى عن مسؤولياتها

ففي عام 1999، قامت قوات الناتو، من دون الحصول على إذن مسبق من مجلس الأمن، باستخدام القوة المسلحة ضد قوات الصرب، التي ارتكبت مجازر إبادة ضد المسلمين، بعد أن فشل مجلس الأمن الدولي في اتخاذ ما يلزم بسبب تعنت روسي مماثل.

اليوم، بعد فشل مجلس الأمن في القيام بدوره المنوط به، وحيث يبدو الناتو غير مستعد للقيام بدوره المطلوب منه في فرض حماية دولية لـ"مناطق آمنة" لإنقاذ الشعب السوري من ويلات نظامه، فإن استخدام هذا الحق يجب ألا يكون حكراً على الدول الغربية وحدها.

وتبعاً لذلك، فإن هناك واجباً أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً دولياً، مطلوب من الدول العربية والمسلمة أن تقوم به، ولا يليق بهذه الدول أن تتخلى عن مسؤولياتها لمجرد أن العالم الغربي غير مستعد للقيام بمسؤوليته الإنسانية.

وحيث إن الدول العربية والمسلمة التي عبرت بقوة عن مناصرتها لثورة الشعب السوري ضد نظامه الفاقد للشرعية الدستورية، تكاد تنحصر في ثلاث دول هي: تركيا، المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، فإنه حري بهذه الدول أن تعلن حلفاً ثلاثياً من أجل حماية المدنيين في سوريا، عن طريق فرض منطقة آمنة في الشمال السوري، تمتد من الحدود التركية شمالاً لتشمل محافظتي حلب وإدلب، تتولى فيها الحكومة التركية فرض حظر الطيران السوري على هاتين المنطقتين بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، بمعونة مادية ومعنوية من دولتي قطر والمملكة العربية السعودية.

غني عن القول إنه ليس لأحد أن يعترض على هذا الدور الإنساني، الهادف إلى حماية المدنيين، لأنه أمر يتماشى مع مقاصد الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.

إضافةً إلى ذلك، حري بهذا الحلف أن يعين الشعب السوري على الدفاع عن نفسه عبر الوسائل المشروعة، باستخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، عن طريق دعم "الجيش السوري الحر" بالمال والسلاح، كي يتمكن من الدفاع عن المدنيين السوريين في بقية المحافظات والمناطق السورية.

ذلك أن تنصيب "الجيش السوري الحر"، المتكون من المنشقين من العسكريين السابقين ومتطوعين آخرين، نفسه مدافعاً ومنافحاً عن المدنيين لحفظ حياتهم وحقوقهم، هو أمر مشروع في القانون الدولي ويتماشى مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، حمايةً للمدنيين العزل، وللعسكريين الفارين من تنفيذ أوامر تقضي بانتهاك القانون الدولي الإنساني.

ما لم تتحرك الدول العربية والمسلمة من ذاتها لنصرة إخوتهم في سوريا، فسوف يستمر هذا التعسف الأممي من قبل المنظمة الدولية الأم ضدهم

وبغض النظر عن التحذيرات التي أطلقها مسؤولون في الأمم المتحدة من التخويف من نشوب "حرب أهلية" في سوريا، إذا ما تم تسليح "الجيش السوري الحر"، فإن واقع الأمر أن النظام السوري يتلقى دعماً عسكرياً ومادياً من روسيا وإيران، كما تشارك قوات من حزب الله وأخرى من العراق في قتل الشعب السوري.

وتبعاً لذلك، فإن الحرب الأهلية المزعومة قائمة اليوم، ولكنها من قبل طرف واحد فقط، أي من قبل النظام السوري ضد شعبه. وإذا تركت الكفة لصالح النظام ضد شعبه، فإن هذا نذير شؤم بتكرار سيناريو البوسنة والهرسك، حين سحبت منهم أسلحتهم بدعوى الخوف من شبح حرب أهلية، في حين ترك الصرب يقاتلون المسلمين بأسلحتهم، الأمر الذي أفضى في نهايته إلى تدخل دولي بعد حدوث مجازر إبادة، أدت إلى مقتل أكثر من مائتي ألف بوسني مسلم.

خاتمة القول، إن مجلس الأمن قد يكترث بالسرعة اللازمة، إذا ما تعلق الأمر بجنوب السودان كما حصل في الأسبوع الماضي، أو قد يروق لأعضائه غير المحترمين التدخل في حال وصلت أعداد القتلى إلى مئات الآلاف كما حدث في البوسنة والهرسك، ولكن ما لم تتحرك الدول العربية والمسلمة من ذاتها لنصرة إخوتهم في سوريا، فسوف يستمر هذا التعسف الأممي من قبل المنظمة الدولية الأم ضدهم، إضافةً إلى الظلم الواقع عليها من حكومتهم، لتجمع معاناة السوريين ظلم القريب والبعيد؟!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك