علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

 

شاهد "ماشفش حاجة"
مصداقية على المحك

عام كامل بالتمام والكمال، مر على توقيع اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية التي جرت بالقاهرة أوائل مايو/أيار 2011, وقد وقّع على ذلك الاتفاق جميع القوى والمكونات السياسية والفصائل الفلسطينية الموجودة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والمقاطعة لها على حد سواء، إضافة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

ومع ذلك فلا شيء على أرض الواقع حتى الآن، فلماذا المراوحة بالمكان، وهل من مستجدات عطّلت إمكانية تطبيق اتفاق المصالحة وعطّلت إعلان الدوحة؟

شاهد "ماشفش حاجة"
في البداية نقول، إن توقيع اتفاق المصالحة بالقاهرة قبل عام مضى تم بشكل مسلوق، بالرغم من الحوارات الطويلة التي أكلت وقتاً زمنياً طويلاً على امتداد أعوام، فقد تم الإعلان عن توقيع الاتفاق دون مقدمات كان لابد منها لحسم بعض الأمور، وانطلاقاً من ذلك فإن التوقيع الوحيد الذي خرج عن المألوف أثناء احتفال القاهرة التصالحي الفلسطيني، كان توقيع الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة أحمد جبريل، الذي كتب أسفل الورقة الأخيرة من الاتفاق عبارة "شاهد ماشفش حاجة" مذيلة باسمه الشخصي، في رد فعل على اتفاق لم يكن مقتنعاً بإمكانية تنفيذه على الأرض كما صرح بعد ذلك ولكنه وقعه من موقع الحرص على عدم معاكسة الإجماع العام.

سيقت طوال الأشهر الماضية، عشرات التبريرات غير المقبولة والمرفوضة من قبل بعض الأطراف الفلسطينية عند الحديث عن توقف المصالحة عند حدود اجتماعات شكلية عقدتها لجان المصالحة الخمس

وقد تبع اتفاق المصالحة إياه، وبعد أشهر قليلة منه، توقيع إعلان الدوحة الفلسطيني بين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، حيث تم فيه تجاوز العقدة المستعصية والمتعلقة بتسمية شخص رئيس حكومة الفترة الانتقالية.

ومع هذا فالأمور مازالت تراوح مكانها على الأرض، والمصالحة ما زالت تواجه مشاكل كبيرة، والحراك في ملفها بسيط وبطيء والمشاكل ما زالت قائمة، وكأن مسألة المصالحة وإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية ليست سوى مسألة ترف في ترف، وليست ضرورة قصوى، حيث لم تستطع مناخات التفاؤل التي نشأت قبل عام وبعد توقيع اتفاق القاهرة أن تفتح دروب المصالحة وتطبيقاتها على الأرض.

في البداية نقول: لقد سيقت طوال الأشهر الماضية، عشرات التبريرات غير المقبولة والمرفوضة من قبل بعض الأطراف الفلسطينية عند الحديث عن توقف المصالحة عند حدود اجتماعات شكلية عقدتها لجان المصالحة الخمس بعضها تم لمرة واحدة وبعضها لمرتين، وهي تبريرات رفضها عموم الناس في فلسطين والشتات.

وفي حقيقة الأمر، وعند التمعن بشكل جيد، وعند إخضاع الأمور للتمحيص والتدقيق، فإن هناك أكثر من سبب يتعلق بتعثر خطوات تطبيق المصالحة على الأرض، ووقوع حالة المراوحة بالمكان في الوضع الفلسطيني عموماً. بينها أسباب موضوعية محيطة بالوضع الفلسطيني وخارجة عن إرادته، ومنها أسباب داخلية ذاتية لها علاقة بالفلسطينيين وبقواهم السياسية ذاتها، تلك الأسباب نستطيع أن نوجزها بالعناوين الرئيسية التالية:

أولاً، وجود حالة انتظارية عند القوى الرئيسية المقررة في الخريطة السياسية الفلسطينية، حالة انتظارية لما ستؤول إليه الأمور في المنطقة. وتلك الحالة الانتظارية نمت مع التحولات الهائلة التي باتت تضرب المنطقة العربية، بهزاتها وخضاتها العنيفة، وما قد تحمله من انعكاسات متوقعة على المنطقة وعلى البيت الفلسطيني، ومنها التحولات الجارية في مصر وغيرها من البلدان العربية.

ثانياً، وجود عامل إقليمي خارجي، ضاغط سياسياً على عموم الفلسطينيين وعلى الكل الفلسطيني، وهو عامل ليس ببعيد عن الولايات المتحدة والغرب الأوروبي، فمازال هذا العامل يلقي بثقله على الساحة الفلسطينية، محاولاً كبح جماح أي نزوع فلسطيني يسعى لإغلاق ملف الانقسام دون تقديم استحقاقات ومستوجبات تراها الولايات المتحدة لابد منها من أجل إدخال الجميع في الساحة الفلسطينية لنادي التسوية من أوسع أبوابه، وبالتالي في اعتراف الجميع بشروط الرباعية الدولية ومنها اعتراف حركة حماس بتلك الشروط وإلا فإن (الفيتو) الأميركي بانتظار أي حكومة فلسطينية قد تشارك بها حركة حماس مادام موقف حركة حماس على ماهو عليه.

ثالثاً، وجود ضغوط اقتصادية مباشرة، فالتهديد بقطع المساعدات المالية الأميركية والغربية عن السلطة يمثل في جوهره ضغطاً حقيقياً كبيراً، وقد تواتر إطلاق ذاك التهديد بقطع المساعدات المالية أكثر من مرة وعلى لسان أكثر من مسؤول أميركي وتحديداً خلال الأشهر الماضية، هذا عدا عن الإمساك "الإسرائيلي" بأموال الضرائب المجباة لصالح الفلسطينيين، وقد تحولت تلك الأموال إلى رهينة بيد الاحتلال في ضغوطه المتكررة من حين لآخر على مجموع الحالة الفلسطينية وعلى السلطة الفلسطينية في رام الله بوجه الخصوص، مع الإشارة إلى أن أموال الضرائب المجباة عن البضائع المتدفقة نحو الضفة الغربية وقطاع غزة تشكل كتلة نقدية أساسية لتعزيز صندوق الرواتب لعموم الموظفين والعاملين في أجهزة السلطة الفلسطينية.

الوحدة الوطنية الحقيقية تفترض إلغاء سياسة الاستفراد والهيمنة من أي طرف كان، واللجوء لصندوق الاقتراع لتحديد خيارات الناس وبالتالي في تقرير أوزان القوى وحجم مشاركتها

رابعاً، وجود عامل ذاتي (محض جداً) له علاقة ببعض الترسبات الماضية والتي مازالت تفعل فعلها عند غالبية القوى الفلسطينية، ومنها القوى المؤثرة وذات الوزن والحضور، وهي ترسبات مؤثرة، لها علاقة بإرث سلبي عنوانه النزعة الفصائلية، والعصبوية التنظيمية، التي لا تريد إحلال الجميع في بوتقة واحدة وتحت عنوان جامع يوفر التكافؤ المعقول في صياغة القرار من قبل ائتلاف وطني على قاعدة تشاركية، ويوفر إدارة ائتلافية موحدة لدفة السياسات الوطنية الفلسطينية، وما يتعلق منها بمشروع التسوية والصراع مع الاحتلال "الإسرائيلي".

فالوحدة الوطنية الحقيقية تفترض إلغاء سياسة الاستفراد والهيمنة من أي طرف كان، واللجوء لصندوق الاقتراع لتحديد خيارات الناس، وبالتالي في تقرير أوزان القوى وحجم مشاركتها بصياغة القرار وإدارة السياسات الائتلافية والقبول برأي الناس.

خامساً، وجود عامل مؤلم عنوانه غياب النوايا الصادقة بشكل نسبي كبير أو بحدود معينة لدى مختلف الأطراف الفلسطينية الرئيسية، وهو غياب له علاقة بخلافات وزواريب الماضي، كما له علاقة بحجم الفجوات الخلافية السياسية وغيرها، وله علاقة أيضاً بحجم الانقسام ذاته والمآسي التي جرها على البيت الفلسطيني. ومن هنا فإن إزالة ذاك العائق بمواقف شجاعة ترتقي فوق الصغائر والضغائن، أمر لابد منه لتوليد نوايا جادة وصادقة.

سادساً، وجود منغصات كثيرة على الأرض بشكل يومي، لجهة وجود اعتقالات واستدعاءات وتوقيفات أو مضايقات على أساس الانتماء التنظيمي تمارس في الداخل الفلسطيني، واستمرار وجود عقلية تعشعش في أذهان الأجهزة الأمنية التي تمارس عملها بممارسات تذكرنا بأعمال ومسلكيات أجهزة الأمن العربية في التعامل مع شعوبها المقموعة بسياطها.

سابعاً، إن جانباً هاماً من الانقسام ومن استمرار الانقسام له علاقة بالمسألة السياسية التي لم تعط الأهمية التي تستحقها في حوارات المصالحة التي سبقت اتفاق القاهرة. فجذر المشكلة الرئيسية ليس في نصوص أوراق اتفاق المصالحة أو نص إعلان الدوحة، أو في إقلاع عمل لجنة تسجيل الناخبين في قطاع غزة، بل في غياب التفاهم السياسي على الحد الأدنى، مع ضرورة الإدراك بأن طريق أوسلو ونهج التسوية وبرنامجها قد أغلق، وأن المطلوب سلوك طريق آخر ونهج جديد  قادر على إعادة توحيد الجميع وإحياء المشروع الوطني وبلورة إستراتيجيّة فلسطينية جديدة قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني وتوحيد جهده الوطني، وبالتالي الوصول إلى شراكة وطنية حقيقية في قيادة الموقف الفلسطيني على كل المستويات، ووضع إستراتيجية موحدة تمكّن من إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية.

مصداقية على المحك
وخلاصة القول، إن كل التبريرات التي قد تقال بشأن استمرار ملف الانقسام الفلسطيني غير مقبولة ويجب تجاوزها مهما كلف الأمر، فإنهاء الانقسام  شرط لابد منه لتجاوز الواقع الفلسطيني الراهن ومصاعبه الجمة. كما أن إنهاء ملف الانقسام أمانة وطنية بامتياز، ومعيار محكّي (على المحك) بات يؤشر على مصداقية أي طرف وطني فلسطيني.

الشعب الفلسطيني يدفع يومياً ثمن الانقسام بين الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، بعد أن أضر بالقضية الفلسطينية على كافة المستويات والمحافل الدولية

إن الشعب الفلسطيني هو الخاسر الوحيد من استمرار الانقسام، والمستفيد هو المحتل "الإسرائيلي". والشعب الفلسطيني يدفع يومياً ثمن الانقسام بين الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، بعد أن أضر بالقضية الفلسطينية على كافة المستويات والمحافل الدولية.

ومن هنا ضرورة بذل كافة الجهود المطلوبة لممارسة الضغط الشعبي والجماهيري الفلسطيني على الأطراف الفلسطينية المعنية، داخل فلسطين وفي عموم مناطق الشتات المحيط بفلسطين حيث يقيم نصف الشعب الفلسطيني، وفي عموم المهاجر والمغتربات، وذلك لإنهاء وإغلاق ملف الانقسام، والسير فوراً باتجاه تفعيل إعلان الدوحة وتشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية برئاسة الرئيس محمود عباس تكون مهمتها قيادة المرحلة الانتقالية وإعادة توحيد مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، والإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية.

لابد من إغلاق ملف الانقسام الفلسطيني وتشكيل حكومة تكنوقراط تقود المرحلة الانتقالية وإعادة توحيد مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، والإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات