تجربة أوسلو
الفعل الإسرائيلي
رد الفعل
الأبعاد المتداخلة

التداعيات الأخرى

الاعتقال هو أداة قهر الاحتلال الإسرائيلي في محاولات اقتلاع الإنسان الفلسطيني أو تفكيك مقاومته والتغلب على إرادته والحد من عزيمته، فصراع السجون والتحقيق هو بالأساس صراع إرادات وأدمغة، ويثبت من خلال استطلاع رقمي أولي أن أكثر من 25% من الفلسطينيين البالغين قد تعرضوا للاعتقال مرة أو مرات، وإذا استثنيت من النسبة العامة جملة النساء والأطفال فإننا أمام نسبة مهولة تؤكد أن كل بيت فلسطيني تعرض أحد أبنائه للاعتقال منذ نكبة 1948.

لذا وعلى الدوام كان يتجدد الحديث السياسي حول هذا الملف الذي بقي ساخنا ومفتوحا طوال سني الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وعلى الرغم من ظن البعض أن هذا الملف كان ثانويا وهامشيا في أجندة الصراع الفلسطيني فإنه ثبت في السنوات الماضية ولا سيما إبان اتفاقات التسوية عكس ذلك، وقد أظهرت الإحصائيات الفلسطينية الأخيرة أن 64% من العائلات الفلسطينية تولي ملف الأسرى الأهمية الأكبر.

فهذا الملف يصنف في مستوى الملفات المركزية في الصراع، ومع تجربة أوسلو وما تبعها من اتفاقات متعددة أكد الأسرى الفلسطينيون قدرتهم العجيبة على ضبط إيقاع الشارع الفلسطيني وبالتالي تفاعلاته مع العملية السياسية، والأعجب هنا أن الأسير الذي أراده الاحتلال رهينة الضعف والقهر كان على الدوام نقطة القوة والتوحد للشعب الفلسطيني.

على سوء نصوص ما ورد في اتفاقية طابا حول معالجات لقضية الأسرى إلا أنها لم تطبق ولم يفرج عن جميع الأسرى

تجربة أوسلو
طوال سنوات التفاوض التي تلت مدريد وحتى ما بعد أوسلو، وما تلاها في اتفاقيات القاهرة وطابا, ثبت حجم التلاعب الإسرائيلي في قضية الأسرى، وعلى سوء نصوص ما ورد في اتفاقية طابا حول معالجات لقضية الأسرى إلا أنها لم تطبق ولم يفرج عن جميع الأسرى، وبقي حوالي 1300 أسير من ذوي الأحكام العالية في السجون، أي أهم الفئات المقاومة للاحتلال، ورغم افتراض الاتفاقات ضرورة إنهاء سجنهم كجزء من التسوية الجارية.. فالمشكلة للأسف لم تكن حتى بالنصوص على سوئها بل إنها تكرست بالتعاطي مع المنطق الإسرائيلي "الجنائي" لوضعية الأسرى أي باعتبارهم مجرمين وليسوا مناضلين كما في حالة الحرب والاحتلال وما يتعلق بذلك من اتفاقيات دولية وما يترتب عليها من حقوق وواجبات.

والأسوأ استخدام الإفراج عن الأسرى كجزء من المساومات التفاوضية بديلا عن الحقوق السياسية المقرة أو المتفق عليها، والأخطر من كل ذلك إصرار إسرائيل على التعامل مع الأسرى من بوابة التصنيفات، وليس من خلال آلية المعايير التي حددتها آلية اتفاقية "طابا" رغم سوئها، حيث عملت إسرائيل على تصنيف الأسرى تارة من زاوية الفعل (أو من أطلق عليهم من تلطخت أيديهم بالدم الإسرائيلي) أو من حيث التنظيم السياسي (مؤيد أو معارض) أو من حيث تقسيم الأسرى وفق مناطقهم الجغرافية حيث تشددت إسرائيل في الإفراج عن أسرى القدس ومناطق 48 أو العرب.

الفعل الإسرائيلي
لم يتوقف الفعل الإسرائيلي عند هذه التصنيفات أو حتى الحجم الكبير للاعتقالات التي نفذت ولا تزال بحق الفلسطينيين، بل إنها استخدمت أساليب متنوعة داخل معتقلات الأسر كانت منافية للقيم الإنسانية، كان أخطرها عزل بعض الأسرى عن زملائهم سنوات طويلة وصلت مع الأسير محمود عيسى إلى ثلاثة عشر عاما، وعلى مسلخ التعذيب الإسرائيلي استشهد أكثر من مائتي أسير فلسطيني واستشهد مئات بعد تحررهم جراء أمراض ورثوها بسبب السجن والتعذيب وسنوات الأسر الطويلة، وعلى صعيد الاعتقالات كان بارزا استخدام إسرائيل بشكل مسرف أوامر ما سمي "الاعتقال الإداري" حيث اعتقلت إسرائيل تحت ذريعة الشبهة والمزاج وأغراض سياسية الآلاف من الفلسطينيين قضى بعضهم فيها عشرات السنين بشكل متقطع دون تهمة قانونية، لذا ساومت إسرائيل الكثير من الأسرى الإداريين بالإفراج عنهم مقابل الخروج كليا من فلسطين، بل حاولت مساومة مسؤولين فلسطينيين منتخبين في المجالس المدنية بالانسحاب من الحياة السياسية والاجتماعية مقابل عدم معاودة اعتقالهم.

في البعد الإنساني لم تتوان إسرائيل عن اعتقال المئات من الأطفال والنساء والعجائز لأسباب تافهة في الميزان الأمني ولكنها تعمدت ذلك من بوابات الإذلال ومحاولة توريط الأطفال في العمالة معها من خلال أساليب لا أخلاقية، وبعد اختطاف جلعاد شاليط من قبل قوى المقاومة الفلسطينية أمعنت إسرائيل في التضييق على الأسرى من خلال التنقلات داخل السجون والحرمان من الزيارة، والأسوأ كان التفتيش العاري والليلي لغرف نومهم وتقليصات مستمرة في حقوق الأسرى التعليمية والغذائية وحتى الصحية، بل إن أهالي الأسرى لم يسلموا من إجراءات الاعتقال والترهيب والتفتيش العاري والمذل سواء أثناء زيارتهم لأبنائهم أو حتى في بيوتهم.

رد الفعل
رد الأسرى على هذه الإجراءات المستمرة والممعنة في القمع كان بالامتناع عن تناول الطعام وأحيانا الماء منذ سنة 1969 لتحقيق أهدافهم إما بالتحرر من السجون وإما لتحسين أوضاعهم الإنسانية، كان أطولها إضراب سجن عسقلان سنة 1976 والذي استمر 45 يوما وتجدد سنة 1977 وبما يزيد عن عشرين يوما، وفي حقبة الثمانينيات خاض الأسرى إضرابا في سجن "نفحة" استمر أكثر من ثلاثين يوما، والأهم كان إضراب سجن "جنيد" الذي اشترك فيه أكثر من ثلاثة آلاف أسير وكان له إسهام مهم في اندلاع الانتفاضة الأولى.

رد الأسرى على الإجراءات المستمرة والممعنة في القمع كان بالامتناع عن تناول الطعام وأحيانا الماء منذ سنة 1969 وحتى اليوم، وقد حقق إنجازات تاريخية

في حقبة التسعينيات خاض الأسرى الفلسطينيون أيضا إضرابات مختلفة كان أبرزها إضراب سنة 1992، الذي شارك فيه أكثر من سبعة آلاف أسير تلتها إضرابات متعددة في سنوات 1994 و1995 و1998 التي كانت بأغلبيها احتجاجية على تلاعب إسرائيل بورقة الإفراج عن الأسرى في الاتفاقيات السياسية، في بداية الألفية الثانية خاض الأسرى إضرابا استمر أكثر من شهر ساهم في تصعيد الانتفاضة الثانية، تلته إضرابات متعددة كان أبرزها إضراب سنة 2004 الذي استمر ما يقارب العشرين يوما، وركزت هذه الإضرابات على تحسين الأوضاع الحياتية للأسرى.

وقد توجت هذه الإضرابات بإضراب الشيخ خضر عدنان الذي خاض إضرابا مميزا وصل إلى ستين يوما استطاع من خلاله إيقاف سياسة الاعتقال الإداري بحقه ولاحقا الإفراج عنه، تلاه إضراب الأسيرة هناء شلبي الذي استمر أكثر من أربعين يوما، تلته إضرابات فردية عميقة في التحدي خاضها الأسرى بلال ذياب وجعفر عز الدين وحسن الصفدي وعمر أبو شلال وثائر حلاحلة زادت عن الشهرين احتجاجا على اعتقالهم الإداري، ثم توجت بالإضراب الحالي 2012 الذي يعد تاريخيا بالنظر لحجم الإنجازات التي حققها ولاسيما على صعيد إنهاء العزل الانفرادي وتمكين أسرى قطاع غزة من رؤية أبنائهم وإلغاء توابع قانون شاليط، والأهم هو خضوع إسرائيل لتحجيم استخدام سياسة الاعتقال الإداري.

الأبعاد المتداخلة
لقد خضعت إسرائيل لمطالب الأسرى ليس فقط لأنها مطالب إنسانية وقانونية، بل لعوامل عدة تضافرت مع إرادة الأسرى الصلبة، أهمها ضرورات استكمال صفقة شاليط الأخيرة التي كسرت كل المقدسات الإسرائيلية في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين من خلال الإفراج عن قيادات في المقاومة كان لهم رصيد في العمليات العسكرية، والأهم الإفراج عن معتقلين عرب ومقدسيين ومن مناطق فلسطين 48، ولكن إسرائيل وللتنغيص على فرحة الفلسطينيين حاولت التملص من بقية استحقاقات الصفقة في تحسين حياة الأسرى، بل أعادت بعض المفرج عنهم في الصفقة الأخيرة إلى داخل السجون مرة أخرى.

كل هذا شكل ضربة حقيقية للضمانات المصرية التي لا تزال تملك ورقة الضابط الإسرائيلي المحتجز لديها، لذا كان الضغط المصري عاملا مهما في إيفاء إسرائيل ببقية الاستحقاقات، وإنقاذ مصداقيتها أمام الشعب الفلسطيني وبالتالي في الحسابات الإقليمية والدولية. في البعد الثاني لعب الخوف الإسرائيلي الفعلي من تحطم أهدافها في إذكاء الانقسام الفلسطيني والتخوف الجدي من انطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة، حيث كان استشهاد أسير واحد كفيلا بإشعال الجبهة الفلسطينية، وقد لاحظنا من قبلُ أن الانتفاضتين الأولى والثانية كان للأسرى دور كبير في إشعالهما وتأجيجهما، يتحد مع ذلك حالة الاستخفاف الإسرائيلي بالحقوق الفلسطينية من خلال الاستيلاء على الأرض وتهويد القدس والتنكر لكل الاتفاقيات السياسية. في البعد الثالث تتوجس إسرائيل من توجيه الثورات العربية جام غضبها من جديد إليها في وقت تحاول فيه جاهدة تأجيج الفتن الطائفية وتعزيز الاضطرابات القطرية وجعل النووي الإيراني هو الخطر الداهم على المنطقة العربية.

التداعيات الأخرى
لا يقف الإنجاز التاريخي للحركة الفلسطينية الأسيرة على خضوع الاحتلال لشروطهم عند حدود تحسين حياتهم الاعتقالية، فكان له آثار وأبعاد مؤثرة في الحياة الفلسطينية أيضا حيث أعاد هذا الإنجاز القيمة الحقيقية لوحدة الشعب الفلسطيني، وهي قيمة يفتقدها الفلسطينيون في زحمة الانقسام، وهذه رسالة للفصائل الفلسطينية بأن تكون وحدتها جدية لا دعائية، والأهم أن الإضراب أعاد الحياة والقوة لمفاعيل ومفاهيم الصراع إلى الشارع والقاموس الفلسطيني الذي توحد في تفاعله الضاغط لصالح مطالب الأسرى، وهو تعبير بلغة أخرى عن حالة احتقان داخلي وغضب كامن من الخداع الذي تمارسه إسرائيل على الإنسان والمكان الفلسطيني.

إضراب الأسرى كشف عن رياح عربية ضاغطة على الموقفين الإسرائيلي والأميركي ومنحازة بشكل ملحوظ للمطلب الفلسطيني، وهذا لاشك من ثمار الربيع العربي وقواعده الجديدة
ومن المهم القول إن إضراب الأسرى كشف عن رياح عربية ضاغطة على الموقفين الإسرائيلي والأميركي ومنحازة بشكل ملحوظ للمطلب الفلسطيني، وهذا لا شك من ثمار الربيع العربي وقواعده الجديدة التي ستحتم على إسرائيل التراجع مستقبلا في ملفات أهم وأخطر.

في التداعي الرابع، وفي الشكل التفاوضي، ظهرت إسرائيل بحالة ضعف لم تشهدها طوال سني الاحتلال أمام صلابة مجموعة من الأسرى، وهذا الاختراق دليل قاطع على مدى الانكماش والتقوقع الذي تعيشه إسرائيل في ظل حالة تآكل قوتها وشرعيتها وانكشاف زيف مصداقيتها. يبقى القول إن التفاعل الدولي الضعيف والمتأخر من الحكومات الغربية مع مطالب الأسرى يؤكد أن تماسك الموقف الفلسطيني وصلابته مع الموقف العربي والإسلامي قادران وحدهما على فرض وجهة نظرهما على الاحتلال ولاحقا على المجتمع الدولي.

في نهاية المطاف من المهم القول إن نجاح الأسرى في إضرابهم أضاف نقطة إستراتيجية لسجل التراجعات الإسرائيلية في الميادين المختلفة، ولكن بالشكل التكتيكي، مما سيلمسه الأسرى بشكل آني وحياتي ولكن مع الحذر، فإسرائيل لن تتوان في التهرب من هذه الالتزامات وبأشكال جديدة وطرق مختلفة وهذا ديدنها، مما يتطلب من الأسرى الانتباه أكثر لواقعهم وتقوية موقفهم الداخلي وخلق تفاعل مع شارعهم العربي والفلسطيني.

وفي الجانب الأهم على القوى الفلسطينية استغلال لحظة الانتصار التاريخي للأسرى لإعادة صياغة واقعهم الممزق بشكل جدي نحو الوحدة والانتصار لحقوقهم في زحام الربيع العربي واختلاط الأولويات وتمزق الموقف الدولي على وقع الأزمة الاقتصادية الدولية والتسارع الاحتلالي بينهما الذي يستغفل تارة ويخادع تارة ويعاند تارة أخرى، ولكن لا مهرب من التاريخ الذي يراكم بشكل ملحوظ في السنوات العشر الماضية أسباب القوة والغضب والشرعية لنهاية الاحتلال الوحيد في هذا العالم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك